زيد بن حارثة

هو زيد بن حارثة بن شراحيل من بني قضاعة، أبو أسامة، حبّ رسول الله ، وقد كان زيد قد أصابه سباء في الجاهلية فاشتراه حكيم بن حزام في سوق حباشة، وهي سوق بناحية مكة كانت مجمعًا للعرب يتسوقون بها في كل سنة، اشتراه حكيم لخديجة بنت خويلد رضي الله عنها، فوهبته خديجة لرسول الله  فتبناه رسول الله بمكة قبل النبوة، وهو ابن ثمان سنين وكان رسول الله  أكبر منه بعشر سنين, وقد قيل: بعشرين سنة وطاف به رسول الله  حين تبناه على حلق قريش يقول: “هذا ابني وارثًا وموروثًا”, يشهدهم على ذلك.

وقال أبوه حارثة بن شراحيل, حين فقده:

بكيـت على زيد ولم أدر ما فعل *** أحي يرجى أم أتى دونه الأجـل

فوالله ما أدري وإن كنت سائلاً *** أغالك سهل الأرض أم غالك الجبل

فيا ليت شعري هل لك الدهر رجعة *** فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل

تذكرنـيه الشمس عنـد طلوعه *** وتعرض ذكراه إذا قـارب الطـفل

وإن هبـت الأرواح هيجن ذكره *** فيا طول ما حزني عليه ويا وجـل

سأعمل نص العيس في الأرض جاهدًا *** ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل

حـياتي أو تـأتي عـلي منيتي *** وكل امرئ فان وإن غـره الأجـل

سـأوصي به عمرًا وقيسًا كليهم *** وأوصى يزيدًا ثم من بعـده جـبل

يعنى جبلة بن حارثة أخا زيد وكان أكبر من زيد, ويعني يزيد أخا زيد لأمه وهو يزيد بن كعب بن شراحيل فحج ناس من كلب فرأوا زيدا فعرفهم وعرفوه, فقال لهم: أبلغوا عني أهلي هذه الأبيات فإني أعلم أنهم قد جزعوا علي فقال:

أحن إلى قومي وإن كنت نائيًا *** فإني قعيد البيـت عند المشـاعر

فكفوا من الوجد الذي قد شجاكم *** ولا تعملوا في الأرض نص الأباعر

فإني بحمد الله في خـير أسرة *** كرام معد كابرًا بعـد كابـر

فانطلق الكلبيون فأعلموا أباه فقال: ابني ورب الكعبة ووصفوا له موضعه وعند من هو. فخرج حارثة وكعب ابنا شراحيل لفدائه وقدما مكة فسألا عن النبي  فقيل: هو في المسجد فدخلا عليه فقال: يا ابن عبد المطلب يا ابن هاشم يا ابن سيد قومه أنتم أهل حرم الله وجيرانه تفكون العاني وتطعمون الأسير جئناك في ابننا عندك فامنن علينا وأحسن إلينا في فدائه. قال: “ومن هو”, قالوا: زيد بن حارثة. فقال رسول الله : “فهلا غير ذلك”!

قالو: وما هو قال: “ادعوه فأخيره فإن اختاركم فهو لكم وإن اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدا”. قال: قد زدتنا على النصف وأحسنت فدعاه فقال: “هل تعرف هؤلاء”, قال: نعم. قال: “من هذا”, قال: هذا أبي, وهذا عمي. قال: “فأنا من قد علمتَ ورأيتَ صحبتي لك فاخترني أو اخترهما”. قال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحدًا، أنت مني مكان الأب والعم. فقالا: ويحك يا زيد!

أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وعلى أهل بيتك!

قال: نعم قد رأيت من هذا الرجل شيئًا. ما أنا بالذي أختار عليه أحدًا أبدًا. فلما رأى رسول الله  ذلك أخرجه إلى الحجر فقال: “يا من حضر, اشهدوا أن زيدًا ابني يرثني وأرثه”. فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت نفوسهما فانصرفا. ودعي زيد بن محمد حتى جاء الإسلام فنزلت: {ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ} [الأحزاب: 5]. فدعي يومئذ زيد بن حارثة ودعي الأدعياء إلى آبائهم فدعي المقداد بن عمرو وكان يقال له قبل ذلك: المقداد بن الأسود؛ لأن الأسود بن عبد يغوث كان قد تبناه.

وذكر معمر في جامعه عن الزهري قال: ما علمنا أحدًا أسلم قبل زيد بن حارثة.

كان  أول من أسلم من الموالي، أسلم في العشرينات من عمره، وكان ربيب بيت النبوة, فلا شك أنه أخذ عن حبيبه رسول الله  الكثير.

ونزل في حقه قرآن يتلى إلى يوم الدين: عن قتادة في قوله تعالى: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْه} [الأحزاب: 37], وهو زيد بن حارثة أنعم الله عليه بالإسلام وأنعمت عليه, أعتقه رسول الله ، بل إنه الوحيد من صحابة رسول الله الذي جاء اسمه في كتاب الله: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً} [الأحزاب: 37].

و عن سالم بن عبد الله عن أبيه أنه كان يقول: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزل في القرآن: {ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّه} [الأحزاب: 5].

في قصة زواجه من زينب وتطليقه لها وزواج الرسول  منها:

عن عمر بن عثمان الجحشي عن أبيه قال قدم النبي  المدينة وكانت زينب بنت جحش ممن هاجر مع رسول الله وكانت امرأة جميلة فخطبها رسول الله  على زيد بن حارثة فقالت: لا أرضاه وكانت أيم قريش، قال: “فإني قد رضيته لك”، فتزوجها زيد.. الحديث.

قال ابن عمر فحدثني عبد الله بن عامر الأسلمي عن محمد بن يحيى بن حبان قال جاء رسول الله  بيت زيد بن حارثة يطلبه وكان زيد إنما يقال له: زيد بن محمد فربما فقده رسول الله  الساعة فيقول: أين زيد فجاء منزله يطلبه فلم يجده, فتقوم إليه زينب فتقول له: هنا يا رسول الله فولى يهمهم بشيء لا يكاد يفهم عنه إلا سبحان الله العظيم سبحان الله مصرف القلوب فجاء زيد إلى منزله فأخبرته امرأته أن رسول الله  أتى منزله فقال زيد ألا قلت له يدخل قالت قد عرضت ذلك عليه وأبى قال فسمعته يقول شيئا قالت سمعته حين ولى تكلم بكلام لا أفهمه وسمعته يقول سبحان الله العظيم سبحان الله مصرف القلوب، قال: فخرج زيد حتى أتى رسول الله , فقال: يا رسول الله بلغني أنك جئت منزلي, فهلا دخلت بأبي أنت وأمي يا رسول الله, لعل زينب أعجبتك فأفارقها فيقول رسول الله : أمسك عليك زوجك فما استطاع زيد إليها سبيلاً بعد ذلك, ويأتي رسول الله  فيخبره, فيقول: أمسك عليك زوجك, فيقول: يا رسول الله إذًا أفارقها, فيقول رسول الله : احبس عليك زوجك, ففارقها زيد واعتزلها وحلت, قال: فبينما رسول الله  جالس يتحدث مع عائشة رضي الله عنها, إذ أخذت رسول الله  غيمة ثم سري عنه وهو يتبسم وهو يقول: من يذهب إلى زينب يبشرها أن الله  زوجنيها من السماء وتلا رسول الله : {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْه} [الأحزاب: 37]. القصة كلها قالت عائشة رضي الله عنها: فأخذني ما قرب وما بعد لما كان بلغني من جمالها وأخرى هي أعظم الأمور وأشرفها ما صنع الله لها, زوجها الله  من السماء, وقالت عائشة: هي تفخر علينا بهذا.

حدثنا أبو قتادة فارس رسول الله  قال: بعث رسول الله  جيش الأمراء, قال: “عليكم زيد بن حارثة, فإن أصيب زيد فجعفر, فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة”, فوثب جعفر فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله, ما كنت أرغب أن تستعمل عليَّ زيدًا, فقال: “امض فإنك لا تدري في أي ذلك خير”, فانطلقوا فلبثوا ما شاء الله, ثم إن رسول الله  صعد المنبر وأمر أن ينادى: الصلاة جامعة: فقال: “ألا أخبركم عن جيشكم هذا الغازي, انطلقوا فلقوا العدو فأصيب زيد شهيدًا, استغفروا له فاستغفر له الناس, ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب فشد على القوم حتى قتل شهيدًا, استغفروا له, ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فثبتت قدماه حتى قتل شهيدًا, استغفروا له ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من الأمراء, هو أمر نفسه, ثم رفع رسول الله  ضبعيه, ثم قال: اللهم هو سيف من سيوفك فانصره فمن يومئذ سُمي خالد بن الوليد سيف الله”.

وكانت مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة، وقتل زيد يومئذ وهو ابن خمس وخمسين سنة.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: