سقوط دمشق يعني سقوط طهران: لماذا تتمسك إيران بالنظام السوري؟ (تقرير ساسة بوست)

تتوالى التصريحات الصادمة التي تدلّ على مدى تدخل إيران في الحدث السوري، حيث كرّر مؤخرا أحد القادة الإيرانيين تصريحه بأن سوريا هي “المحافظة الإيرانية رقم 35″، وأن لـسوريا أهمية استراتيجية عند إيران تفوق أهمية “الأهواز”، لأن الأهواز يمكن استعادتها بعد فقدها أما فقدان سوريا يعني فقدان طهران.

كما كان الأمين العام لحزب الله قد صرح في واقعة سابقة أنه “لو لم نتدخل لسقطت دمشق في أسبوع” ، فيما تأتي تصريحات إيرانية أخرى تدلّ على أن الأسد باقٍ لإرادة إيران ذلك.

بالمقابل يعدّ معارضون سوريون بأن “بشار الأسد قد باع سوريا إلى إيران في سبيلِ الحفاظ على نظامه”.

فما حجم التدخل الإيراني في الواقع السوري وهل أصبحت سوريا تحت الوصاية الإيرانية؟

التدخل الإيراني

بدأت طهران بإمداد دمشق بالمال والرجال والسلاح منذ عام 2011، وقد برز تدخلها بشكل رئيسي منذ صيف 2012 حين بدأت كتائب المعارضة تطبق على العاصمة دمشق وظهور علامات تضعضع شبكة النظام العسكرية والأمنية، مما استدعى تدخل إيران المباشر في المشهد الميداني في سوريا.

التخطيط

تُركّز إيران على الطرق الاستراتيجية وعلى قلب سوريا الذي يحوي الجزء الأكبر المأهول من السكان، حيث أن المناطق الممتدة بين حمص ودرعا تتسم بطبيعة جغرافية يسهل التحصن بها من قبل قوات عسكرية منظمة، كما تم التركيز على حماية العاصمة دمشق والتحكم بشبكة خطوط المواصلات وطرق الإمداد بين العاصمة والساحل.

التدريب

ساعد الإيرانيون على تدريب أنصار النظام السوري وميليشيات قوة الدفاع الوطني، التي يُقدّر عدد أفرادها بـ100 ألف شخص من مختلف الطوائف وذلك ضمن معسكرات إيرانية، كما أن حزب الله منذ مستهل الأزمة السورية كثّف تجنيد وتدريب عناصره في السرايا وأرسل آلاف الرجال ممن تتراوح أعمارهم بين العشرينات والخمسينات إلى إيران لتدريبهم، ليقوم لاحقا بإرسال أعداد كبيرة من عناصره إلى الداخل السوري.

الدعم المالي

تنفق إيران في سبيل دعم النظام السوري نحو 35 مليار دولار سنويا على شكل مساعدات مالية وأخرى عسكرية حسب صحيفة “كريستيان ساينس مونيتور” الأمريكية، وتفيد المعلومات عن تخصيص طهران ميزانية ثابتة يجري صرفها باسم نظام دمشق.

وتشرف إيران بنفسها على ترتيب المشهد الميداني في سوريا تخطيطًا وتنفيذًا، حيث يشارك جنرالات من الحرس الثوري الإيراني في توجيه المعارك، بينما تساهم قوات خاصة من الحرس الثوري بشكل مباشر في المعارك وخصوصًا في جنوب البلاد، وأحيانا تنحصر مهمتهم في حراسة مخازن الأسلحة ومد الثكنات العسكرية بالمؤن، كما تحكم إيران قبضتها عبر الميلشيات الشيعية التي استقدمتها إلى سوريا وتُقدّر بحوالي 30 إلى 40 ألف مقاتل.

معركة القصير

مع أن بلدة “القُـصَـير” الواقعة قرب الحدود السورية اللبنانية بلدة صغيرة لا أهمية استراتيجية حقيقية لها بذاتها، لكن المعركة التي حصلت في القصير في حزيران/يونيو عام 2013 كانت نقطة تحوّل فاصلة، حوّلت مجرى رياح الحرب لصالح الأسد، حسب وصف موقع “فورين بوليسي”.

تدخلت قوات حزب الله لتحارب “فصائل الجيش الحرّ” بشكل مباشر في القصير، وكان الحزب قد أعلن رسميًا ولأول مرة مشاركته في القتال إلى جانب النظام السوري قبل شهرين من حادثة القصير، تحت عنوان “حماية القرى الشيعية المجاورة”.

وحين حُسِمت معركة القصير عبر انسحاب “مسلّحي المعارضة” من البلدة، بعد فترة حصار وقصف مكثّف غير مسبوق نال المدنيين السوريين، اشتعلت الضاحية الجنوبية في بيروت بالاحتفالات وتوزيع الحلوى، في صورة رمزيّة دالة على أن النصر تابع بشكل رئيسي لتدخل حزب الله.

يُذكر أن حزب الله يقوم بالتحضير الآن لـ”معركة الجرود” في القلمون ضمن ما أطلق عليه نصر الله “مفاجآت الربيع”.

“ما بعد القصير”

وهي العبارة المفضّلة التي استخدمها الأمين العامّ للحزب حسن نصر الله في خطاباته، وتلقفها من بعده كلًا من الإعلام السوري واللبناني الموالي للنظام السوري، متحدثين عن أن “مرحلة ما بعد القصير ليست مثل ما قبل القصير”.

فبعد أن كانت العاصمة دمشق مهددة من قبل قوات المعارضة ومحاصرة من عدة جهات في فترة تقارب الـ 28 شهرا، تقدمت قوات حزب الله جنبًا إلى جنب مع قوات النظام السوري وميليشيات شيعية أخرى لاستعادة مدن القلمون وأراضٍ في الغوطة وصولًا إلى درعا في الجنوب السوري، بالإضافة إلى تأمين الحدود السورية اللبنانية.

اعتبر حزب الله نفسه سبب رجحان الكفّة الرئيسي، وقد اتخذ لنفسه قطاعات كاملة في ريف دمشق الشمالي وضواحي دمشق القريبة بالإضافة إلى إقامته حواجز عدة في العاصمة، وهذه القطاعات مُحرّم دخول أي سوريّ لها أو التواجد قربها، بما في ذلك قوات الأسد نفسها، كما أن حمايتها تعتبر أولوية يتخذّ لأجلها الحزب إجراءات تنمّ عن تسيّد، من ضمنها اعتقالات مطلوبين سوريين أو حيازة أراضٍ، وتشير التصريحات إلى عدم نيّة حزب الله بترك الأراضي التي حاز عليها على المدى البعيد.

التنسيق بين الميليشيات الشيعية

حسب موقع الإيكونوميست فإن الفوضى التي حلّت في بعض الدول العربية وبخاصة العراق وسوريا خلّفت فراغا قام بجذبِ فريقين متباينين وهما الجهاديون السنّة وعلى رأسهم داعش، والميليشيات الشيعية المتفرقة.

ما هو أكثر أهمية أن هذه الجماعات الشيعية المتفرقة تتواصل اليوم وتقاتلُ جنبًا إلى جنب، ما يعطي انطباعًا أنها غدت حركة عابرة للحدود مدعومة من إيران وبنكهة شيعيّة، وتتوزع هذه الميليشيات على مساحات واسعة في أراضٍ تابعة لكلٍّ من العراق وسوريا ولبنان.

ومع أن هنالك جهات تطمح إلى تشكيل قوة “حرس الثورة الشيعية” على حدّ تعبير “الخفاجي”، تنتقل من منطقة إلى أخرى وتشكل قوة متعاونة فيما بينها، لكن على الأرض ينظر مقاتلو حزب الله بدونيّة للمقاتلين الشيعة، حيث يقول أحد قادة حزب الله مبيّنًا اختلافهم عن باقي الفصائل:

“رجالنا يتبعون القرآن، ولرجالنا دور وأساليب وخطط وتكتيكات” ويصف الميليشيات الشيعية العراقية الأخرى “بالتطرف” كما أنه ينتقد العديد من سلوكياتها الأخرى.

وبالنسبة للحالة السورية فإن إيران تتولى مسؤولية التنسيق وتشرفُ بنفسِها على ترتيب المشهد الميداني في سوريا تخطيطًا وتنفيذًا.

 

الحدود السورية اللبنانية

استُخدمت الحدود السورية اللبنانية لنقل السلاح الإيراني إلى حزب الله في لبنان عبر سوريا في الفترة السابقة لاندلاع الاحتجاجات السورية، واستؤنفت بعد استيلاء حزب الله على عدة مراكز في الجهة السورية من الحدود بين البلدين، كان آخرها القافلة التي تم قصفها بغارة إسرائيلية ليلة الجمعة الماضية، لكونها تحتوي صواريخ ذات نوعية “متطورة” حسب صحيفة “هآرتس” العبرية.

برزت أيضًا عمليات تهريب عدّة ذات منافع تجارية تحصل بإذن الحزب أو تحت إشرافه، وقد كشفَ موقع الـ”ديلي بيست” أمس عن تهريب أطنان من “الحشيش” إلى الداخل السوري، والذي تتم زراعته من قبل مزارعين لبنانيين محميين وموالين للحزب في وادي البقاع اللبناني، ومن ثم يتم تهريبه إلى سوريا حيث يُباع إلى جنود الجيش السوري.

تعامل الحرس الثوري الإيراني وحزب الله مع الجيش السوري

تفيد مصادر غربية بأن الإيرانيين يشعرون بأن قوات الأسد لا تستطيع السيطرة على المناطق التي يحرّرها لهم حزب الله وقوات الحرس الثوري الإيراني، وبعد الجهد المبذول على تحريرها تعاود قوات النظام فقدها من جديد.

كما أنه يشوب التوتر العلاقات بين الطرفين في الآونة الأخيرة، إذ أن السوريين يشكون من فظاظة الضباط الإيرانيين وتكبرهم عليهم، وقد انفجر التوتر في بعض المناطق باتجاه صدامات كلاميّة وحتى جسدية، وتطور ببعض الحالات إلى تمرّد السوريين على حلفائهم الإيرانيين.

يُذكر أنه يبرز نوع من “غياب الثقة” التام بين ميليشيات حزب الله وقوات النظام، حيث يعتبر الحزب أن قوات الجيش السوري مُختَرقة ولا يمكن الثقة بها تماما، ويقول أن طياري الأسد السنة قاموا بقصف حلفائهم الشيعة في بعض المواقع.

وبشكل عام تعتبر الفصائل الشيعية نفسها السبب في حماية النظام السوري من السقوط، وتنظر لنفسها على أنها “المُنقِـذ”، وتتداول الإشاعات أن النظام حين يحتاج إلى الانتصار في معركة برية ما فإنه يلجأ إلى قوات الحزب.

النظرة الغربية والعربية لتدخل إيران في سوريا

تتحدث الصحف الغربيّة باستمرار عن دور إيران في التمكين للنظام السوري مجددًا، وعن كونها دولة خبيرة في “استغلال الفوضى”، وأن سوريا قد أصبحت تحت جناح إيران أكثر من أيّ وقت مضى، وقد صرّحت الإدارة الأمريكية في إحدى المرات بأن النظام السوري قد أصبح مجرد “دمية إيرانية”.

لكن يقتصر الأمر بشكل عام على هذا، حيث يعتبر الموقف الغربي أن الأمور ليست جيدة لإيران، وأنها قد وقعت في “الوحل السوري”، فهي مجبرة على الالتزام بحرب مستنزفة لا تملك “استراتيجية خروج” تجاهها، ضمن معركة يستحيل النصر فيها، كما أنها قد تورطت عسكريا وماليا أكثر مما ينبغي، حيث أن مهمتها تجاوزت أهدافها الأصلية بأشواط، بالإضافة إلى أن الصراع السوري قد دخل مرحلة الجمود المُستنزِف، مع تقلبات الصراع السوري باتجاه كفة المعارضة مجددًا في إدلب وجسر الشغور وبصرى الشام واضطرابات حلب ودرعا.

أما بالنسبة للعرب فإن تدخل إيران في الشأن السوري يمثل كل ما هو خاطئ في التأثير الإيراني في الشرق الأوسط – حسب مجلة الإيكونيميست – وسوف ترتبط صورة الأطفال ضحايا البراميل بالسياسات الإيرانية لفترة غير قصيرة، ويذكر السفير السعودي في أمريكا بهذا الخصوص أن “إيران جزء من المشكلة وليست جزءًا من الحلّ”.

الغاية الإيرانية من التدخل

تختصرها “رندا سليم” مديرة مبادرة الحوار في مؤسسة الشرق الأوسط في واشنطن بثلاثة أسباب:

1- الدفاع عن ممرات عبور السلاح إلى حزب الله في لبنان.

2- التصدّي للمحور الإقليمي العربي بقيادة السعودية، الذي يهدف لاحتواء القوة الجيوسياسية المتزايدة لإيران.

3- دعم حليف قديم، حيث دعم حافظ الأسد إيران خلال سنوات حربها الثمانية مع العراق، وفقدان هذا الحليف يعني صعود مجموعات مناهضة لإيران تتصدّر المشهد.

ويتحدث المعارض السوري برهان غليون عن كون إيران لا تقيس نفسها بأي دولة من دول المنطقة، بل تعدّ سوريا هي حجر الأساس لتشكيل ما يشبه الإمبراطورية الإيرانية والتي تطوّق المشرق العربي وتتصدى لدول الخليج التي تعدّها امتدادا للإمبراطورية الأمريكية.

ويشير دبلوماسيون أمريكيون إلى إمكانية تخلي إيران عن نظام الأسد، لكونه أصبح عبئًا ثقيلًا على إيران، وقد لمس الأمريكيون ذلك في المحاورات التي جرت على هامش المفاوضات الأخيرة في “لوزان”، لكن إيران تحتاج إلى الحصول على تسوية ملائمة لحساباتها في المنطقة.

[ads2]

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: