سلسلة الكلام الحلو: السلطة لله يؤتيها من يشاء ويعز ويذل بها من يشاء ( الأستاذ على زين العابدين الحلو)

سلسلة الكلام الحلو: السلطة لله يؤتيها من يشاء ويعز ويذل بها من يشاء ( الأستاذ على زين العابدين الحلو)

هذه سلسلة جديدة فى العلاقات السياسية والعامة,نستهلها بقول الله تعالى فى سورة البقرة:( أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246)
ذكرالامام بن كثيرأن بنى اسرائيل كانوا بعد موسى عليه السلام على طريق الاستقامة مدة من الزمان ثم أحدثوا فى دينهم وبدلوا,ولم يزل بين أظهرهم من الأنبياء من يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويقيمهم على التوراة الى أن فعلوا ما فعلوا فسلط عليهم أعداءهم فقتلوهم وأسروا خلقا كثيرا منهم,واحتلوا بلادهم,ولم يكن يقاتلهم أحد الا غلبوه,ذلك أنهم كانت عندهم التوراة والتابوت الذى كان موروثا لخلفهم عن سلفهم الى موسى الكليم عليه السلام
فلم يزل بهم تماديهم على الضلال حتى استلبه منهم بعض الملوك فى بعض الحروب وأخذ منهم التوراة ولم يبق منهم من يحفظها الا القليل وانقطعت النبوة من أسباطهم ولم يبق من سبط(( لاوى)) الذى يكون فيه الأنبياء الا امرأة حامل من بعلهاوقدقتل فأخذوها واحتفظوا بها لعل الله يرزقهم غلاما يكون لهم نبيا,فلم تزل المرأة تدعو الله أن يرزقها غلاما فسمع لها ووهبها غلاما أسمته(شمويل)أو (شمعون)….فلما بلغ سن الأنبياء أوحى الله اليه فدعا بنى اسرائيل الى توحيد الله و عبادته ,فطلبوا منه أن يقيم لهم ملكا يقاتلون معه أعداءهم فقال لهم نبيهم: (هل عسيتم ان كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا)..قالوا:(ومالنا ألا نقاتل فى سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا)…وقد أخذت البلاد وسبيت الأولاد,قال الله تعالى:(فلما كتب عليهم القتال تولوا الا قليلا منهم والله عليم بالظالمين)…أى ما وفوا بما وعدوا بل نكل عن الجهاد أكثرهم,والله عليم بهم..
يقول الامام القرطبى:وهذا من شأن الأمم المتنعمة المائلة الى الدعة تتمنى الحرب أوقات الأنفة فاذا حضرت الحرب جبنت وانقادت لطبعها (والله عليم بالظالمين) وهو وعيد لهم على ظلمهم بتركهم الجهاد عصيانا لأمر الله..,ولما طلبوا من نبيهم أن يعين لهم ملكا منهم فعين لهم((طالوت)) وكان من أجنادهم (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247)…فاعترضوا عليه لأنه لم يكن من بيت الملك,لأن الملك كان فى سبط(يهوذا) فلهذا قالوا كيف يكون ملكا علينا ونحن أحق بالملك منه وهو فقبر لامال له,فقال لهم الله عز وجل:( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247)..,فأنت تلحظ فى هذه الآية عدة أمور:
أ)-اختيار الله للحاكم:-فقد قال لهم نبيهم(ان الله اصطفاه عليكم)أى أن الله هو الذى اختاره ولست أنا الذى اخترته من تلقاء نفسى ,بل ان الله هو الذى ولاه عليكم وان الرجال لايوزنون بالمال وانما يوزنون بالقيم.
ب)-يلزم أن يتسم الحاكم بالعلم وقوة الجسم:-فان المعارك قبل أن تدور فى حومة الوغى تدور على مكاتب القادة تفكيرا وتوجيها,لذلك قال الله لهم(وزاده بسطة فى العلم والجسم)أى وهو مع هذا أعلم منكم وأنبل وأشكل منكم وأشد قوة وصبرا فى الحرب ومعرفة بها,أى أتم علما وقامة منكم,ومن ههنا فهو أحق بالملك منكم..
ج)-الله يؤتى ملكه من يشاء:-فالله تعالى هوأحكم الحاكمين يفعل ما يشاء,وهو سبحانه لايسأل عما يفعل وهم يسألون,لعلمه بمصالح البلاد والعباد,ولهذا قال(والله واسع عليم)أى واسع الفضل يختص برحمته من يشاء.
د)-لكل ملك علامات:- وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248) أى ان علامة بركة ملك طالوت عليكم أن يأتيكم التابوت الذى كان قد أخذ منكم(فيه سكينة من ربكم)أى رحمة وبركة(وبقية مما ترك آل موسى و آل هارون تحمله الملائكة)
قال بن عباس:جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض ووضعته بين يدى طالوت والناس ينظرون..فيه عصا موسى والألواح(ان فى ذلك لآية لكم ان كنتم مؤمنين)..
ه)-ابتلاء لم ينجح فيه الا قلة مخلصة:-فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ(250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252)..
والدروس التي نستخلصها:
– أن الله هو الذي يهب الملك ومن رعى هذا الملك حق رعايته ولم يخن الله ورسالته ورعى شؤون رعيته التي يحكمها كأحسن ما تكون الرعاية فذلك ينهي فترة ملكه بالعزة ومن يخون الله ورسالته ورعيته فذلك ينهي فترة ملكه بالذل وهو وعد الله في قوله ” : {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} 26سورة آل عمران
وفي عصرنا وعبر كل العصور نرى أن الذين حرصوا على الحكم وافتكوه عنوة وبدون إرادة الشعوب أنهوا فترة حكمهم بالخزي والذل وهو حال الرؤساء الذين نزع الله منهم الملك عند قيام الثورات العربية وخروجهم من الحكم وفضح خيانتهم للأمة مع أعدائها
– الدرس الثاني الذي نستخلصه أن بني إسرائيل رفضوا طالوت ملكا عليهم بقولهم “قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ”
وهنا نلاحظ أنهم يطالبون بملك مادي ليقيم لهم الحياة المادية بعيدا عن رسالة روحية… وقد سعوا عبر العصور إلى رفض الأنبياء ورسالاتهم وكذبوهم وقتلوا منهم من قتلوا (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا- النساء – 155)
ومازالوا إلى يوم الناس هذا يحاربون رسالة الله وينتظرون قدوم مسيح دجال ليقيم لهم دولة الشيطان على أنقاذ المسجد الأقصى والقضاء نهائيا على رسالة الإسلام التي ظلوا يحاربونها بلا هوادة منذ قرون تحت مسميات عديدة وصولا الى تسمية عصرنا وهي الحرب على الإرهاب
وإلى لقاء في الحلقة القادمة

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: