سمو النفس ..

 

يقول ابن القيم رحمه الله :(النفوس الشريفة لاترضى من الأشياء إلاّ بأعلاها وأفضلها وأحمدها عاقبة ، والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات ، وتقع عليها كما يقع الذباب على الأقذار).
فالنفوس الحيّة الشريفة هي تلك التي تسمو بأخلاقها وأفعالها وأعمالها ومعاملاتها إلى المعالي ، فلا ترضى من الخلق إلاّ بأعلاه منزلة وأشدّه تحمّلا وأعظمه مثوبة ، فتخلص لله وتتجرّد له وهي تعلم رواج سوق الرياء هذه الأيام ، وتعفو وتصفح وهي قادرة على الإساءة ، وتحسن وتقدّم الخير والمعروف لأهله ولغير أهله، رغم مرارة ذلك ، وتصبر على الأذى والمكاره ، ولا ترضى من العمل إلاّ بأصدقه توجّها وأصوبه منهجا، وأسلمه عاقبة في الدنيا والآخرة ، فتلزم طريق الحق رغم قلّة السالكين ، ولا تتأسى وتقتدي إلاّ بأصحاب الهمم العالية من الصالحين، ولا تلجأ إلاّ إلى ربّها منيبة مستغفرة مستجيرة ، إذا ادلهمت الخطوب ، وراجت الفتن، ولا تنزل إلى السفاسف من الأمور :(فالله يحبّ معالي الأمور ويكره سفاسفها )، كما جاء في الأثر.
وتجعل من موقف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من خصومه نبراسا في طريقها:(حيث قال في حق أشد القضاة خصومة له وتحريضا عليه ونيلا منه وهو القاضي ابن مخلوف رحمه الله:(وابن مخلوف مهما عمل والله لاأقدر على خير إلاّ اعمله معه ، ولااعين عدوه قط، ولاحول ولا قوة إلاّ بالله، هذه نيتي وعزمي ، مع علمي بجميع الأمور، فإنني أعلم أن الشيطان ينزغ بين المؤمنين، ولن أكون عونا للشيطان على إخواني المسلمين).
حتى قال ابن مخلوف:(مارأينا مثل ابن تيمية ، حرّضنا عليه فلم نقدر عليه ، وقدر علينا فصفح وحاجج عنّا).
هذه هي النفوس الحية دوما في ضعفها وقوتها ، في إقبالها وإدبارها، في رضاها وغضبها، في مدحها و ذمّها، في تقدّمها وتأخرها.
إن بلوغ القمم والمعالي ، والتمكين للمبادي والقيم في دنيا الناس ، لايمكن أن يتم بكثرة الدعاوى والأمنيات ، ولا بالرغبة دون تقديم الأدلة ،وإنّما ذلك بأمس الحاجة إلى :(نفوس حية قوية فتية، وقلوب جديدة خفاقة، ومشاعر غيورة متأججة، وأرواح طموحة متطلعة متوثبة، تتخيل مثلا عليا، وأهدافا سامية لتسمو نحوها وتتطلع إليها ثم تصل)،كما قال الأمام الشهيد حسن البنا رحمه الله.
إن الوصول إلى مثل هذه النفوس المرجّحة في موازين الصراع والتدافع، إنّما يكون بالتضحيات والعمل الجاد الشاقّ ، والتحليق في سماء الجد والاجتهاد، يؤكد ابن القيم رحمه الله هذه القاعدة التربوية المهمّة للوصول إلى هذه النوعية من النفوس فيقول:( وقد أجمع عقلاء كل أمة.. على أن النعيم لا يدرك بالنعيم ..وأن من آثر الراحة.. فاتته الراحة ..وأن بحسب ركوب الأهوال.. واحتمال المشاق.. تكون الفرحة واللذة ..فلا فرحة لمن لاهم له ..ولا لذة لمن لا صبر له .. ولا نعيم لمن لا شقاء له.. ولا راحة لمن لا تعب له ..بل إذا تعب العبد قليلا.. استراح طويلا ..إنما تخلق اللذة والراحة والنعيم.. في دار السلام ..وأما في هذه الدار فكلاّ ).
الشرف كلّ الشرف أن تكون من غرس الله في أرضه، ولا يكون ذلك إلاّ إذا حرصت على الوصول إلى مرتبة الشرف الأولى : النفس الشريفة السامية الراقية التوّاقة المخلصة المتجردة المشفقة المحبة للخير دائما، المترفعة عن حزازات التشفي والانتقام والأحقاد ، عالية الهمة ، كبيرة الطموح ، الثابتة على الحق ، الوفية له ولأهله وللسائرين في ركابه، الحريصة على أن تكون وقفا لله تعالى ، حيثما وأينما استعملها لخدمة دينه ودعوته ، قالت سمعنا وأطعنا من غير تلكؤ أو تأخر أو تردد أو تثاقل ، لا وجود للمزاجية والمصلحية والمطامع في قاموسها ، كما قال عليه الصلاة والسلام 🙁 لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم في طاعته )(رواه ابن ماجه).
أمّا الأخرى فإيّاك أن تكونها فإنّها الخسارة المؤكدة في الدارين ، كما قال يحي بن معاذ الرازي رحمه الله وهو يعدّد خصال الصنف الخاسر هذا 🙁 عمل كسراب .. قلب من التقوى خراب .. وذنوب بعدد الرمل والتراب .. ثم تطمع في الكواعب الأتراب .. هيهات أنت سكران بغير شراب .. ما أكملك لو بادرت املك .. ما أجلك لو بادرت أجلك .. ما أقواك لو خالفت هواك .. يا هذا لقد أعظمت المهر وأسأت الخطبة).
فإن نزلت إلى حضيض السقوط في هاوية القعود والكسل والنكث والنكوص والانتكاس ونعيذك بالله من ذلك فسيجري عليك قانون الاستبدال ، كما قال سيد رحمه الله:(إن اختيار الله لكم لحمل دعوته ، تكريم ومنّ وعطاء، فإذا لم تحاولوا أن تكونوا أهلا لهذا الفضل، وإذا لم تنهضوا بتكاليف هذه المكانة، وإذا لم تدركوا قيمة ماأعطيتم، فيهون عليكم كل ما عداه، فإن الله يستردّ ماوهب، ويختار لهذه المنّة ممّن يقدّرفضل الله).
وفي الأخير لايسعنا إلاّ أن نردّد مع ذلك الموفّق:
يـا سـلعة الله لست رخيصة
يا سلعة الرحمن أين المشتري
يا سلعة الرحمن هل من خاطب
يـا سلعة الرحمن كيف يصبر
يـا سـلـعة الرحمن لولا أنها
مـا كـان عنها قط من متخلف
لـكـنـهـا حجبت بكل كريهة
وتـنـالـهـا الهمم التي تسمو
اتـعب ليوم معادك الأدنى تجد

 

 

 

بـل أنـت غالية على الكسلان
فـلـقد عرضت بأيسر الأثمان
فـالـمهر قبل الموت ذو إمكان
الـخطاب عنك وهم ذوو إيمان
حـجـبـت بكل مكاره الإنسان
وتـعـطلت دار الجزاء الثاني
لـيـصد عنها المبطل المتوانى
إلـى الـعـلا بمشيئة الرحمن
راحـاتـه يـوم الـمعاد الثاني
فحدّد خيارك وأختر من أي الفريقين تكون حتى وإن غلبتك طبيعتك البشرية أحيانا فلا تطل عندها الوقوف، وبادر بالاستدراك والسمو من جديد كما أبدع الصيدلي الطبيب ابن القيم كذلك وهو يعظك 🙁 لابد من سنة الغفلة، ورقاد الهوى، ولكن كن خفيف النوم، فحراس البلد يصيحون: دنا الصباح).
فديننا دين السموّ ودعوتنا كذلك ولافخر ، وحركتنا أيضا بلا مجاملة ، لذلك يكون من أقوى دلائل الانتماء أن نرتفع إلى مستوى ذلك كله بنفوسنا وهممنا وفهمنا وإخلاصنا وعملنا وجهادنا وتضحيتنا وطاعتنا وثباتنا وتجردنا وأخوتنا وثقتنا وأخلاقنا وسلوكاتنا ومعاملاتنا وإنجازاتنا.
فهي دعوة صادقة من قلب محب ،إلى السمو على كل الأصعدة، والمنطلق هو ميدان النفس الفسيح فإمّا نكون أو لانكون.

 

جمال زواري أحمد

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: