سمير بن عمر يقدم أسباب عدم امضاء حزب المؤتمر من اجل الجمهورية على وثيقة ما يسمى بخارطة طريق

كتب سمير بن عمر أسباب عدم امضاء المؤتمر من اجل الجمهورية على وثيقة ما يسمى بخارطة طريق:

لماذا لا يمكن الامضاء على خارطة الطريق

امتنع حزب المؤتمر من أجل الجمهورية خلال الجلسة الافتتاحية للحوار الوطني الامضاء على وثيقة خارطة الطريق التي عرضتها المنظمات الراعية للحوار على الأحزاب السياسية الحاضرة قصد الامضاء عليها . و بقطع النظر عن الأسباب التي وقع ابداؤها لهذا الرفض ( ظروف و ملابسات ادراج مسألة الامضاء ضمن جدول الأعمال – اعتبار الامضاء نتيجة و ليست منطلقا للحوار – التحفظ على بعض مضامين الوثيقة … )، و هي مبررات كافية لوحدها للامتناع عن الامضاء . لكن هذه المبررات على أهميتها لا يمكن أن تحجب أهم مبرر و هو أن خارطة الطريق ليست سوى لغم وضع في طريق المتحاورين و لا يمكن لعاقل أن يقبل به لعدم وضوحها أولا و لعدم واقعيتها ثانيا .
أولا – عدم وضوح خارطة الطريق :
من نافلة القول أن الاتفاقات تنتج آثارا قانونية ملزمة للموقعين عليها . و عليه فانه من البداهة أيضا أنه لا يمكن للمرء أن يمضي على اتفاق لا يضبط بشكل واضح و دقيق حدود التزامات كل طرف . فالاتفاقات المبهمة و التي تفتح الأبواب مشرعة لتأويل بنودها في هذا الاتجاه أو ذاك انما هي تزرع بذور فشلها و هي ليست سوى مقدمة لنزاعات جديدة قد لا تضع حدا للمشكلة و تطيل في أمد الأزمة ، لذلك لا يمكن لعاقل أن يمضي على التزام الا اذا فهم حدوده و مراميه بشكل دقيق و مفصل .
و بالرجوع الى خارطة الطريق ، فاننا نلاحظ أن الغموض يكتنف أهم نقاطها و مفاصلها و هي كالآتي :
1 – فيما يتعلق بمهام الحكومة المقبلة :
ورد بخارطة الطريق أنه ستكون ” للحكومة الجديدة الصلاحيات الكاملة لتسيير البلاد “. فما هو المقصود بالصلاحيات الكاملة ؟ . فهذه الجملة يمكن أن تؤول في اتجاهات مختلفة
– هل تعني أن الحكومة ستكون لها كل الصلاحيات التنفيذية و التشريعية مثلما ورد صراحة في النسخة الأصلية من المبادرة ؟
-،أم المقصود أنها تتمتع بصلاحيات تنفيذية موسعة ، و في هذه الحالة ما هي الصلاحيات التنفيذية المخولة للحكومة ؟ ، هل هي نفس الصلاحيات المنصوص عليها بالتنظيم المؤقت للسلط العمومية أم هي صلاحيات أكثر من ذلك بما يعني مزيد التقليص في صلاحيات رئيس الجمهورية .
و اذا اعتبرنا أن مسألة تحديد مهام الحكومة و صلاحياتها مسألة جوهرية في خريطة الطريق و ينبغي أن تكون واضحة لا لبس فيها ، فاننا لا يمكن الا أن نعتبر أن صياغة خارطة الطريق كانت غير واضحة و مبهمة و تحتمل عدة تأويلات ، و هو ما يجعل الامضاء عليها كعدمه ، كما يعتبر فخا منصوبا اذ يمكن للأطراف الراعية للحوار أن تتمسك برؤية معينة و تأويل واحد لخارطة الطريق و يحمل بعض الأطراف مسؤولية الاخلال بتوقيعها على الخارطة لمجرد اعتمادها تأويلا مغايرا ، و هو ما يتنافى مع القواعد الأخلاقية و القانونية .
2 – فيما يتعلق بمدة عمل الحكومة و طبيعتها :
أغفلت خارطة الطريق الاشارة بشكل واضح و صريح الى طبيعة الحكومة هل هي حكومة مؤقتة أم دائمة ؟ هل ستكمل ما تبقى من المرحلة الانتقالية الحالية أم ستدخل بنا في مرحلة انتقالية ثالثة ؟ ، متى ستنهي أعمالها ؟ . لماذا حرصت خارطة الطريق على وضع سقف زمني لعمل المجلس الوطني التأسيسي و تغاضت عن فعل نفس الشيء بالنسبة للحكومة الجديدة . ألا يحق للأطراف المتحاورة التي ستمضي على خارطة الطريق أن تعرف ما هي نقطة الوصول و متى ستصل اليها ؟ . هل يمكن لعاقل أن يركب قاطرة دون أن يعلم اتجاهها أو حتى ساعة وصولها ؟؟!! .
3 – فيما يتعلق بمهام و صلاحيات المجلس الوطني التأسيسي :
نصت خارطة الطريق على “استئناف المجلس الوطني التأسيسي لجلساته وتحديد مهامه ونهاية أشغاله” ، اذ أن المجلس ينهي مهامه التأسيسية وجوبا حسب الخارطة في أجل لا يتجاوز أربعة أسابيع من تاريخ الجلسة الأولى للحوار الوطني .
و خلافا لما تصورته بعض الأصوات المناهضة لمبادرة المنظمات الراعية ، فان خارطة الطريق وضعت سقفا زمنيا للمهام التأسيسية للمجلس و لم تضع سقفا زمنيا لكل مهامه . فالخارطة لم توضح ما هي مهام و صلاحيات المجلس بعد نهاية المهام التأسيسية ؟ ، هل سيواصل الاضطلاع بالمهام التشريعية و مراقبة الحكومة الجديدة الى غاية انتخاب البرلمان المقبل أم سيقوم بتفويض صلاحياته التشريعية الى الحكومة مثلما ورد بالنسخة الأصلية للمبادرة .

ان كل هاته المسائل التي لم تفصل فيها خارطة الطريق ، تجعل من المنطقي أن تكون هذه الخارطة منطلقا للحوار ليس الا ، و أن يتم توضيح و تدقيق مختلف بنودها بشكل لا لبس فيه في الحوار الوطني ، و بعد الوصول الى التوافقات في كل المسائل الخلافية أو العالقة يتم الامضاء عليها .

ثانيا – عدم واقعية خارطة الطريق :

نصت خارطة الطريق على انهاء المجلس الوطني التأسيسي لمهامه التأسيسية ) استكمال انتخاب الهيئة المستقلة للانتخابات ، المصادقة على الدستور و المصادقة على القانون الانتخابي ( و ذلك في أجل 4 أسابيع . و كل رجال القانون و العارفين بشؤون العمل البرلماني يعلمون علم اليقين أن لا يمكن انجاز كل هذه المهام في أجل قصير ، خاصة بعد التعقيدات القانونية الناتجة عن قرارات المحكمة الادارية و عدم استكمال لجنة التوافقات لأعمالها فضلا عن أنه لم يتم الشروع بعد في التفكير في صياغة القانون الانتخابي بما يتجه معه اعداد مشروع قانون على ضوء التوافقات الحاصلة في الحوار الوطني ثم عرض المشروع على لجنة التشريع العام لمناقشته و احالته على الجلسة العامة . كل ذلك يجب أن يتم في ظرف 4 أسابيع ؟؟ !!.
فما هي الضمانات التي ستقدمها المعارضة من أجل المسارعة في انجاز هذه المهام و عدم تعطيلها مثلما حدث سابقا .
و لماذا الحرص على استقالة الحكومة في أقرب الآجال و تعويم بقية المسائل و عدم وضع ضمانات تكفل تنفيذ كل بنود خارطة الطريق برمتها ؟ أليس الأصوب قلب الخارطة و البدء بالتعجيل في انهاء المهام التأسيسية و قرن استقالة الحكومة بإنهاء هذه المهام باعتبار أن ذلك يوفر ضمانات للجميع بتطبيق كل بنود الخارطة ؟ .
اذا كانت النوايا صادقة و توفرت ارادة سياسية حقيقية للوصول الى توافقات تراعي مصلحة البلاد أولا و مصالح كل الأطراف السياسية، سلطة و معارضة ، فانه لا مفر من الربط بين انهاء المهام التأسيسية للمجلس الوطني التأسيسي و استقالة الحكومة و ذلك باعتباره يوفر ضمانات لكل الأطراف على التطبيق الفعلي لكل بنود خارطة الطريق .

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: