“سوسرة” العراق و “ألمنة” سوريا : (بقلم محمد الجوادي)

تتلاحق الأحداث على الأرض في سوريا والعراق إلى حد أصاب كثيرا من القوى العظمى بالذهول اللحظي، وهي حالة مرضية وفسيولوجية يمكن التعافي السريع منها في الغالب إلا في حالات تقدم السن أو الشيخوخة التي تتحالف مع الذهول اللحظي لصياغة الغيبوبة والغياب كحل أمثل للشكوى من تكلفة الممانعة غير ذات الجدوى.
وفي مثل هذا الوضع، تصبح الأوضاع على الأرض في حاجة إلى إعادة قراءة من أجل إعادة الصياغة، وإلا دخلنا باتفاق غير معلن (لكنه ملزم) إلى حالة من حالات العدمية الكفيلة بسحب النظام العالمي إلى التداعي الأرضي المتتابع الذي يتفوق في تفجر انهياراته على الزلازل والبراكين والتفجيرات الذرية.

ومن باب الاختصار والتركيز، فإنني سأتعمد الوضع القائم من خلال محوري الواقع والكامن قبل أن أطرح تصورا مغايرا لما هو متداول أو مطروح على بساط المفاوضات والسيناريوهات.

أولا: معني السيادة والحدود أصبحا في حاجة إلى إعادة تعريف.

فمع الإيمان بسيادة الدول والحدود السياسية، إلا أن المفاهيم التي أرساها ميثاق الأمم المتحدة الذي وقع في سان فرانسيسكو عام ١٩٤٥ أصبحت في حاجة إلى إعادة قراءة:

1- جاءت الأحداث الأخيرة لتذكرنا أو لتنبهنا إلى صعوبة الحديث اللوجستي عن وجود (أو فعالية ما هو موجود) من حدود سياسية قائمة على الورق أو بالأسلاك الشائكة والجدر العازلة، بعد أن حولها الزمن فجأة إلى وضع آخر أصبح من الممكن فيه أن تقترب الحدود المرسومة بسرعة إلى وضع تصبح فيه بمثابة حدود غير حقيقية (أو وهمية أو بلفظ مخفف: تذكارية) بعد أن اتضح أنها -أي الحدود- أميل إلى أن تكون غير قابلة للاستمرار، وهو ما يتضح على سبيل المثال القطعي بين العراق وسوريا، وبين العراق والأردن، وبين سوريا والأردن، وبين الأردن والسعودية، وبين السعودية والعراق، فهي حالات صناعية لا يتطلب جليدها أكثر من ساعة واحدة كي يذوب.
2- وفي مقابل هذا بالمنطق الأوروبي، وبالمنطق الطبيعي قبل المنطق الأوروبي، فإن الجليد الحدودي غائب تماما عن الحدود الاصطناعية في الوضع اللبناني السوري، والأردني الفلسطيني، والفلسطيني السوري, واللبناني الفلسطيني.

3- تحول التهديد بتطبيق ما يقضي به الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ليكون بمثابة قيد واضح وانتقائي على السيادة (وهو قيد يرقى إلى الوصف بالاعتداء) ثم جاء الانتقاء (وازدواج المعايير) بما صب في النهاية في تكريس مفهوم مسؤولية الدول الكبرى عن تنفيذ قرارتها هي قبل مسؤوليتها عن تنفيذ قرارات المنظمة الدولية ومجلس الأمن.

4- مع أن الظاهر هو أن هذا الوضع يعطي أولوية التصرف وحريته للدول الكبرى (خاصة الولايات المتحدة الأميركية) عندما تريد أو عندما تستشعر فائدة لمصالحها أو مساسا بهذه المصالح أو تهديدا للموارد التي تعتمد عليها، لكن الحقيقة (وهذا هو المذهل الذي لم ينتبه إليه أحد بالقدر الكافي حتى الآن) أن مجريات الأمور المتدافعة على النحو الحالي تدفع بالسياسة الدولية في اتجاه أن تجعل هذه الدول الكبرى مسؤولة مسؤولية مباشرة بناء على السوابق التي اختطتها لنفسها ودون انتظار لتكليف من مجلس الأمن أو غيره.

5- فرضت المصالح المباشرة في الموارد البترولية وما يشابهها سطوة جعلت الدافعية إلى قرارات دولية أممية الطابع تتحول دون مواربة أو إنكار من المثالية إلى الواقعية.

6- في مقابل هذه الصعوبات، انتشر الوعي العام بجدوى ومعنى ما تحقق من خلال الاتحاد الأوروبي من توظيف للاتصال الطبوغرافي على الأرض في تحقيق درجات عالية من الأمان، ومن الانتعاش الاقتصادي والعمالي وازدهار ظروف الطبقات العاملة بعد ذكريات دامية عن معقبات الحروب القاسية.

ثانيا: التفكير الجاد في القوى الذاتية والقوى الكامنة التي تستند إلى هذه الأفكار والحركات المفاجئة في بزوغها.

1- أثبت التاريخ أن الأفكار التي تستمد وجودها من الرسالة السماوية تؤدي إلى نسبة مئوية للتجمع والذيوع أعلى بكثير من تلك التي تستند إلى فلسفات أرضية. وليس من قبيل التجاوز القول بأن حركة مثل داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) قابلة للتكرار بل للانتعاش بسبب ما تتضمنه من الجوهر الفكري والإسلامي الذي تستند إليه قبل أي شيء، ومهما كانت درجات تحفظ علماء المسلمين وساستهم عليها فإنه يبقي لها جوهر مرتبط بالإسلام أو بالدين على وجه العموم.

2- يمكن القول بلا تجاوز إن احتذاء النموذج البعثي فيما عرف بصراع القيادة القومية والقيادة القُطرية هو ما أفرز الأوضاع التي تلخص بعض تفصيلاتها أنشطة أو فعاليات داعش الآن، وهي ما يقابل بصورة أو أخرى مناطق نفوذ جماعات حزب البعث السابقة، وليس في مثل هذا الحكم تجاوز ولا شطط، فقد تعودنا في الأقاليم العربية القديمة أن نربط معرفتنا الإقليمية والجغرافية بالأقاليم بمعرفتنا وانطباعاتنا عن العائلات والعصبيات والعشائر وماضيها القريب أو الذي شهدناه.

3- تدلنا علوم السياسة على أنه ما لم تسبق القيادات في فكرها وتصوراتها توقعات وأحلام الجماهير فإن هذه القيادات تصبح عرضة للتآكل السريع أو المتوالي على أقل تقدير، وهو ما يتوقعه الكثيرون مقررين بثقة أن داعش الآن أصبحت الطرف (المناظر) أو على الأقل (المقابل) أو على أقل تقدير (التالي) للنظام الحاكم (في سوريا والعراق على حد سواء) وذلك عند الحديث عن تقسيم مناطق النفوذ بالطريقة الأميركية الخبيثة المستهدفة لفرض حالة من حالات الاستقطاب المستمر والدائب، وهي الحالة الكفيلة بالإنهاك المتواصل لقدرات شعوب المنطقة وثرواتها ومقدراتها وتوقعاتها، وهو إنهاك مستهدف أميركيا.

ثالثا: القفز على الواقع أفضل بكثير من الدوران معه في مناقشات بيزنطية ودراسات مكرورة.

1- يمكن لي القول إننا أصبحنا بحاجة إلى إعادة قراءة دوافع طريقة المستشار الألماني فيلي برانت في التعامل مع ألمانيا الشرقية في بداية السبعينيات فيما عرف وقتها بالسياسة الشرقية، وهي سياسة ذكية كانت حريصة على أن تتجاوز التفصيلات المرعبة والأيديولوجيات المركبة لتتناول المستقبل من منظور فكري أرحب ومنظور عملي أكثر إنسانية.

2- يمكن لي أن أفهم أن مستقبل الأوضاع السياسية في العراق وفي سوريا لا يمكن التفكير الآمن فيه بطريقة من الطرق التي نمارسها أو نلجأ إليها الآن، وإنما ينبغي لنا أن نخرج من هذه المدارات التي لا نهاية لها إلى وضع أكثر تلبية لإنسانية “المواطن” ولطموحات “السياسي” في الوقت ذاته.

3- فيما قد يبدو وكأنه تقطير لتجارب العالم المتقدم، فإنني اقترح “سوسرة” العراق أي إعادة صياغة علاقات المكونات العراقية بالإفادة من النموذج السويسري في الوحدة والدستور وتداول السلطة وتقديس التعددية. وهذه في نظري هي العلاجات الناجعة لما يعانيه العراق الآن من صراع طائفي واقتتال متجدد والتباسات سياسية وتراكمات تاريخية.

4- فيما يبدو أيضا وكأنه تقطير لتجارب العالم المتقدم، فإنني اقترح “ألمنة سوريا” أي إعادة صياغة علاقات المكونات السورية بالإفادة من النموذج الألماني في إعادة الوحدة وتقوية الفيدرالية وتوسيع سلطات المحليات وتهميش العنصرية. وهي في نظري تمثل الضمانات الأربعة الضرورية لقيام سوريا الحديثة على أساس ذكي وقابل للإنعاش والانتعاش.

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: