شخصية القائد..

لا تستحق شخصية من الشخصيات أن تسمى قائدة إلا إذا حصلت مؤهلين اثنين : الأول ..الدوافع القوية لاتخاذ القرار الجريء تجاه الباطل ونصرة الحق , والثاني .. الأخلاق القيادية التي تضبط السير في طريق القيادة حتى تبلغ غاياتها المنشودة….

والحق الذي لا يماري فيه منصف أن التاريخ لم يعرف ولن يعرف منهجا يستطيع أن يؤهل الشخصيات ويصقلها ويربيها ويهيئها للقيادة على أكمل وجه كمنا يفعل المنهج الإسلامي الإيماني العظيم.

وتعود هذه الحقيقة إلى أن منهج الإسلام في تكوين الشخصية التي تقود العالم هو منهج من عند الله _سبحانه وتعالى_ الذي يعلم طاقات الإنسان ويستطيع أن يستثيرها ويوجهها وينميها نحو تحقيق أكرم الأهداف.

فأما المؤهل الأول للقيادة – وهو الدافع القيادي لاتخاذ القرار ضد الباطل –فقد تكفلت به في الإسلام عقيدة إيمانية تحب الخير وتبغض الشر وتتقرب إلى الله بالشفافية الكاملة والمراقبة المخلصة تجاه فعل الخير وحبه ومضادة الشر وكراهيته , بل إنها تدفعه دفعا لنيل الثواب بالمسارعة إلى إبطال الباطل وإحقاق الحقوق ولو كان ذلك على نفسه أو أقرب المقربين إليه “يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ” النساء

وأما المؤهل الثاني – وهو أخلاق القيادة – فقد تكفلت به تربية ربانية إيمانية للشخصية المسلمة وضع مقوماتها القرآن وبين فروعها وتطبيقها النبي _صلى الله عليه وسلم_ وتبعها صحبه الكرام وتابعوهم ..
وسنحاول أن نتتبع بإيجاز أثر العقيدة الإسلامية والتربية الإسلامية في تكوين شخصية القائد:
أولا أثر العقيدة:
ونقصد بالعقيدة جميع القنا عات العقلية والقلبية الجازمة التي يزرعها الإسلام في قلوب أتباعه عن الخالق سبحانه وصفاته وأفعاله وعن الإنسان وعلاقته بربه ووظيفته ومركزه ومصيره وعن الآخرة وما سيكون فيها من حساب وجزاء وثواب وعقاب ..إننا نرى أن أركان الإيمان كلها تقف وتتكاتف في تكوين أعظم الدوافع.

1- عقيدة الإيمان بالله وأثرها في تكوين شخصية القائد:
إن التحرر من العبودية لغير الله عز وجل لهو الخطوة الأولى والدفعة الأقوى في سبيل التغلب على قياد النفس وهواها ومن ثم الانطلاق نحو الحياة في مصاف الصادقين أصحاب التضحيات العظام فلا خضوع حينئذ لبريق شهوة ولا خنوع لسطوة قوة أرضية مهما غشمت فالحياة حينئذ تكون لله وحده والنفس تكون عبدة مخلصة لباريها ترى سعادتها في إنفاذ أمره وتستشعر خلودها في الفناء في سبيل مرضاته , أما الذين يسترقون أنفسهم بدراهم ما تزال أن تنتهي ومراكز ما تلبث أن تخلو وقصور ما تلبث أن تخرب .. فأولئك هم العبيد المسترقون لعدوهم المستذلون لأنفسهم عليهم شعار الخيبة ودثار المهانة ولما عرف العدو هؤلاء المرضى، وأدرك ما يعبدون من الشهوات، عرض عليهم قسطا وافرا منها، فأسال لعابهم، فساومهم على مبادئهم وقيمهم وعلى أوطانهم وأمتهم بل على أهلهم وأعراضهم ، فدفعوها أثمانا لما يطلبون فاتخذ منهم عملاء وخونة وجواسيس، وفرض عليهم مناهج وشروطا، فأطاعوه مقابل ما يضمن لهم من الهوى.

ففي إحدى المعارك مع الروم قال بعض المسلمون : إنه قد حضركم جمع عظيم من الروم ونصارى العرب ، فإن رأيتم أن تتأخروا، ويكتب إلى أبي بكر، فيمدكم، فقال هشام ابن العاص _رضى الله عنه_: إن كنتم تعلمون أنما النصر من عند العزيز الحكيم، فقاتلوا القوم: وان كنتم تنتظرون نصرا من عند أبي بكر، ركبت راحلتي ألحق به، فقالوا : ما ترك لكم هشام بن العاص مقالا: فقاتلوا قتالاً شديداً، وهزم الله الروم، فمر رجل بهشام وهو قتيل فقال له : رحمك الله هذا الذي كنت تبغي!

وفي يوم مؤته كان المسلمون ثلاثة آلاف رجل، ولما وصلوا إلى معان (بلدة في جنوب الأردن) بلغهم أن هرقل نزل في مئة ألف جندي من الروم، وانضم إليه من نصارى العرب مئة ألف آخرون، فقال بعض المسلمين: نكتب إلى رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ نخبره بعدد عدونا، فإما أن يأمرنا بأمره، فنمضي له، فقام عبد الله بن رواحه ـ رضي الله عنه ـ وخطب الناس فقال: يا قوم : والله إن كان التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون، إنها الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا، إنها إحدى الحسنيين، إما ظهور وإما شهادة، فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحه.

روى ابن إسحاق عن معاذ ابن عمرو ابن الجموح قال: سمعت القوم وهم يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه، فجعلته من شأني، فصمدت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه، فضربته ضربه قطعت قدمه بنصف ساقه، وضربني ابنه على عاتقي فطرح يدي، فتعلقت بجلدة من جنبي، وأجهضني (أي: غلبني واشتد عليه) القتال عنه؛ فلقد قاتلت عامة يومي، وإني لأسحبها خلفي، فوضعت عليها قدمي، ثم تمطيت عليها حتى طرحتها… ( فانظر ماذا فعلت قوة الروح في هذا الرجل، حتى تخلى عن ذراعه بتلك الطريقة التي ذكرها، ولم يمنعه الألم ونزف الدم من مواصلة القتال؛ حيث غطت قوة يقينه على كل ألم).

2- أثر الإيمان بالرسول _صلى الله عليه وسلم_ في تكوين الشخصية القيادية:
إن المؤمن الذي أيقن في أن رسوله قد جاء بالهدى والنور لهذه البشرية فأحبه حباً اكتمل معه إيمانه فصار أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين.. كان سعيه في الإقتداء به سعي الصادقين ..فإذا بالحياة في الاقتداء بالنبي _صلى الله عليه وسلم_ كلها نور وحبور وصلة بالأرض للسماء وغدا الكون كله جنديا معه يكافح ويناضل في صفه ..ولما كانت شخصية النبي _صلى الله عليه وسلم_ قد اكتملت كشخصية قيادية نموذجية كان في الاقتداء بها خطوة كبرى على طريق القيادة الناجحة المنجزة .. التي تجمع بين رضا الرب سبحانه وفهم الناس وحسن القرار ونبل الهدف وإخلاص السلوك .. ولقد بينت لنا السير كيف كان حرص قادة هذه الأمة الأوائل على اقتفاء أثر النبوة في قيادتهم للبشرية في كل حين ووقت ..حتى إن أحدهم ليقيم مدى نجاحه وفشله بمدى تطبيقه لأوامر نبيه _صلى الله عليه وسلم_ ونواهيه وأخذه وعطائه وإقدامه وإحجامه..

3- أثر الإيمان باليوم الآخر في تكوين شخصية القائد:
إن الذي يحيا متيقنا بالحياة الآخرة يقينا لا غبش فيه ولا شك, تتغير حياته تغيرا إيجابيا يكاد يرفعه إلى مصاف الصالحين فور إيمانه بذلك.. والذي يعيش منتظرا النهاية والموت في كل حين يعيش معدا لها.. والذي يحب الجنة لاشك يبذل لها .. والذي يخشى النار لاشك يهرب منها.. لذا كان عجب السلف الصالحين أكثر ما يكون ممن (أيقن بالجنة ولم يفر إليها وأيقن بالنار ولم يهرب منها).

إن عقيدة المؤمن الراسخة لتشده إلى الحياة الروحانية في ظل وارف من ظلال الجنة و يستهين في الحياة فيها بزخرف الدنيا ومتاعه ويستصغر كل زينة فيها لمل يقارنها بموعود صادق من ربه له في الآخرة … وإذا كان المسلم بالشهادتين ينطلق ويندفع إلى التضحية، فإن عقيدته وتصوره عن الآخرة تشده إلى العطاء الدائم شدا، وتملأ قلبه بالشوق إلى الشهادة، لأن هذه العقيدة تعرفه على حقيقة هذه الدنيا، وقيمة متاعها، وأنها ليست سوى مرحلة من مراحل وجوده، وممر ووسيلة إلى مرحلة نهائية، فيها القيم الخالدة، والتجارة الرابحة، والفوز الحقيقي .

يروى عن صلاح الدين الأيوبي أنه كان يحمل معه صناديق مقفلة في أيام جهاده، وكان يحرص عليها أعظم الحرص، ويرعاها أشد الرعاية، وبعد وفاته فتحت هذه الصناديق فوجد الذين فتحوها أنها تحوي وصية صلاح الدين وكفنه وكمية من التراب من مخلفات أيام جهاده .. فانظر إلى حياة القائد المنتصر كيف يراها موصولة في سبيل الله أرضها وسماءها , موتها وحياتها..

ورد عن أم حارثة سراقة أنها أتت النبي _صلى الله عليه وسلم_ فقالت: يا نبي الله، ألا تحدثني عن حارثة ـ وكان قتل يوم بدر بسهم ـ فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء؟ قال: يا أم حارثة، إنها جنان في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى. فانظر إلى هذه الصحابية الجليلة كيف استقر في قلبها أن الخسران الذي يستحق البكاء هو فوات الجنة، بعدم إحراز الشهادة.

وروى البخاري عن أنس _رضي الله عنه_ قال: لما طعن حرام بن ملحان، قال بالدم هكذا، فنضحه على وجهه ورأسه، وقال: فزت ورب الكعبة. و أن الذي قتله جبار بن سلمى الكلابي. قد سأل ما قوله فزت ؟ متعجبا .. قالوا يعنى الجنة فقال: صدق الله، ثم أسلم !!

4- أثر الإيمان بالقدر في تكوين شخصية القائد:
والإيمان بالقدر يغير النفس من نفس خائفة وجلة مهتزة مترددة إلى نفس واثقة مطمئنة ثابتة فتصلح حينئذ لتلقي مهام القيادة ويلتف حولها الناس مستلهمين منها اليقين تطبيقاً لا قولاً , ويراها الجميع أجدر ما تكون بالقيادة .. فالإيمان بقضاء الله يحطم الحواجز المثبطة للإنسان عن البذل والعطاء ويقتل الخوف على الرزق أو النفس مادام ذلك لله .. روى أصحاب السنن قول النبي _صلى الله عليه وسلم_: “لا يمنعن أحدكم مخافة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو سمعه فإنه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق”..

فبالإيمان بقدر الله _عز وجل_ في الآجال والأعمار وأسباب انتهائها يتحرر المؤمن من الخوف من الموت؟، والخوف على الحياة، حيث آمن أن الله _عز وجل_ هو الذي يحيي ويميت، وأن أسباب الموت والحياة بيده سبحانه، وأن لكل مخلوق لحظة محددة في علم الله _عز وجل_ يخرج فيها من هذه الدنيا، مهما اتخذ لنفسه من وسائل الحماية والوقاية.

وقد أنكر الله _سبحانه_ على الذين يظنون القعود الكسل والخنوع مهربا من الموت قال _عز وجل_ ” وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزي لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم، والله يحيي ويميت، والله بما تعملون بصير”.
إن القائد المؤمن إذا أحيا في نفسه هذه المعاني اليقينية السامية انطلق في الرحاب بنورانية لم تسبق وشجاعة لم يعتادها الدنيويون ..

ثانيا : أثر التربية الإسلامية في تكوين شخصية القائد:
1- استواء الشخصية وطهارة الباطن:
المنهج الإسلامي التربوي حريص دائما على بلورة شخصية القائد بشكل يتم فيه استواء شخصيته مع زيادة إيمانه , فلا يفرق المنهج الإسلامي التربوي بين زيادة الإيمان وحسن السلوك وطهارة الباطن , بل رفع النبي صلى الله عليه وسلم منزلة الخلق الحسن فقال كما روي في الصحيح ” إن أقربكم منى مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا ” ..لذلك لا تكتمل شخصية القائد على المستوى التربوي في النهج الإسلامي حتى يكتمل شخصيتة من شتى الجوانب وتهذب أخلاقه وتتضح مبادئه وتعلو قيمه ..

فقد كتب عمر بن الخطاب _رضي الله عنه_ إلى قائدة سعد بن أبي وقاص _رضي الله عنه_ ومن معه من الأجناد : أما بعد، فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال؛ فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسا من المعاصي منكم من عدوكم؛ فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة؛ لأن عددنا ليس كعددهم ولا عدتنا كعدتهم ، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا، واعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون ، فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا: إن عدونا شرمنا فلن يسلط وإن أسأنا، فرب قوم سلط عليهم شر منهم، كما سلط على بني إسرائيل لما عملوا بمساخط الله كفرة المجوس ” فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ” الإسراء ـ الآية 5 ، واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم …).

2- وضوح الهدف ووجود الدافعية:
إن المنهج التربوي الإسلامي ليؤكد دائما على وضوح الهدف من سلوك العطاء مهما كان عظيما أو قليلا .. ففي الصحيح أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ سئل عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية أي ذلك في سبيل الله؟ فقال : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ” …كما أنه _صلى الله عليه وسلم_ قد حذر من شوائب النوايا في الأعمال الصغيرة، فقال: ” اتقوا الشرك الأصغر فإنه أخفي من دبيب النمل ” يقصد الرياء ..فانظر إلى أي مدى يؤكد هذا المنهج على وضوح المقصود وشفافية النوايا..

بل إن النبي _صلى الله عليه وسلم_ قد خوف الذين ينأون بأنفسهم عن تغذية دوافعهم الذاتية للبذل والعطاء والجهاد والفداء فقد قال _صلى الله عليه وسلم_ فيما رواه مسلم “من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من النفاق” .

ولقد تخرج على هذه التربية نماذج من القادة لم تعرف البشرية لهم مثيلا سواء على مستوى وضوح الهدف وجلاء المرتجى أو على مستوى ذاتية الدافع نحو العطاء والبذل على كافة المستويات , فإنك تجد نماذج ربانية لا تبالي بحياة وارفة ولا نعيم زائل .. بل ترفرف نحو الجنان غير عابئة بقلة زاد الدنيا .. مهما ندر.
فقد دعا عبد الله بن جحش ربه، فقال: اللهم إني أقسم عليك أن ألقى العدو غدا، فيقتلوني، وشوهد آخر النهار وأنفه وأذناه معلقان في خيط .
ولما خرج رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ إلى بدر أراد سعد بن خيثمة وأبوه جميعا الخروج معه، فذكر ذلك للنبي، فأمران يخرج أحدهما ، فقال خيثمة لابنه سعد: إنه لابد لأحدنا أن يقيم ، فأقم مع نسائك، فقال سعد: لو كان غير الجنة لآثرتك به، إني أرجو الشهادة في وجهي هذا ، فأسهما، فخرج سهم سعد، فخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر ، فنال الشهادة.

و عن ابن عمر _رضي الله عنهما_، قال: عرضت على رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يوم بدر فاستصغرني ، فلم يقبلني، فما أتت علي ليلة قط مثلها في السهر والحزن والبكاء؛ فحمدت الله على ذلك.
وقال محمد بن سيرين: إن كان الرجل من أصحاب النبي _صلى الله عليه وسلم_ يأتي عليه ثلاثة أيام لا يجد شيئا يأكله، فيأخذ الجلدة فيشويها فيأكلها، فإذا لم يجد شيئا أخذ حجرا فشد به صليه .
وأخرج الترمذي وصححه ( أن الرسول _صلى الله عليه وسلم_ كان إذا صلى بالناس يخر رجال من قامتهم في الصلاة من الخصاصة ) .
ويوم الأحزاب كان رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وصحابته يحفرون الخندق، وقد شدوا على بطونهم الحجارة من الجوع . وفوق الجوع والعطش كانوا _رضوان الله عليهم_ يتحملون ويصبرون على قلة ذات اليد، وقلة الثياب والأمراض والجراح في سبيل الله :ـ

3- العطاء:
هو دليل أكيد على حسن تربية المؤمن تبعا لهذا المنهج التربوي الصالح , والقائد الذي لا يتصف بالعطاء هو القائد ذي المنافع الشخصية الذي يزدريه الناس وينفر منه القريب والبعيد , وقد أكد المنهج الرباني على معنى العطاء تأكيدا كبيرا، فقال الله _سبحانه_ : ” إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله، فيقتلون ويقتلون..” (التوبة الآية 111).
وقال _عز وجل_: ” يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ، تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ” (الصف ـ الآيتان 10، 11).

وقد روى مسلم عن عائشة _رضي الله عنها_ لما سئلت : هل كان رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يصلي قاعداً ؟ فقالت:” نعم بعدما حطمه الناس ” , تقصد أتعبوه وأرهقوه وبذل معهم الجهد والمشقة في تبليغهم الخير وحل أزماتهم وتعليمهم الإيمان والهدى غير عابئ ببذل أو عطاء مهما كبر وعظم .

لذا تعلم منه أصحابه _رضي الله عنهم_ .. فجاءه أبو بكر بماله كله ينفقه لله ولما سأله ماذا أبقيت لأهلك قال : أبقيت لهم الله ورسوله , وجاء عمر بشطر ماله .. وجهز عثمان جيشا بأكمله .. وتصدق طلحة بخير ما يحب من بساتينه .. وترك صهيب تجارته وماله وهاجر فقيراً بلا درهم ولا دينار، ومات مصعب ولم يجدوا له شيئاً يكفنونه به ..فأي عطاء منحه هؤلاء وأي بذل نثروه؟

 

خالد رُوشه

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: