شخصيّة المرأة المُسلمة من الكِتـــاب والسُنّة..

لم يقتصر فضل الإسلام على المرأة بنقلها من وهدة التخلف والذل والضياع إلى علياء التقدم والغرّة والأمن والكفاية ، بل عني عنايةً بالغة أيضا بتموين شخصيّتها تكويناً كاملاً شاملاً كلَّ جانب من جوانب شخصيتها الفردية والأسرية والاجتماعية ، بحيث غدت إنساناً راقياً جديراً بالاستخلاف في الأرض.

فكيف كوّن الإسلام الرفيع شخصيّتها ؟ وكيف بلغ في هذا التكوين الشأو الرفيع الذي لم تبلغه المرأة في تاريخها إلا في هذا الدين؟

هذا ما سيجد القارئ الجواب عنه قيما يستقبل من صفحات …

أولاً: المرأة المسلمة مع ربّها :

 

مؤمنةٌ يقظةٌ :

إنّ أبرز ما يميز المرأة المسلمة إيمانها العميق بالله، ويقينها بأن ما يجري في هذا الكون ممن حوادث ، وما يترتب على الناس من مصائر ، إنما هو بقضاء الله. وقصة سيدتنا هاجر لمّا تركها سيدنا إبراهيم عليه السلام عند البيت بمكة المكرمة وليس مع هاجر سوى طفلها الرضيع إسماعيل،تضع أمام المرأة المسلمة أروع الأمثلة على عمق الإيمان بالله، وصدق التوكل عليه إذ قالت هاجر لإبراهيم بكلّ رصانةٍ وثقةٍ وهدوء ( آلله أمرك بهذا يا إبراهيم ؟) فقال عليه السلام:) نعم ) وكان جوابها المليء بالرضا والاقتناع والاستبشار: (إذاً لا يضيعنا) .

عابدةٌ ربّها :

 

تؤدي فرائض الإسلام وأركانه أداءً حسناً ، فهي تقيم الصلوات الخمس في أوقاتها، لا تلهيها عن إقامتها في مواعيدها شواغل البيت وأعباء الأمومة والزوجية لأن الصلاة هي الصلة بين العبد وربّه ، وهي النبع الثرّ الذي يمتد منه الإنسان القوة والثبات والرحمة .

 

ولقد أعفى الإسلام المرأة من لزوم حضورها صلاة الجماعة في المسجد، ولكنه أباح لها أن تخرج إلى المسجد وقد خرجت فعلاً وصلّت وراء رسول الله e، قال رسول الله e (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ). ولا تقتصر المرأة المسلمة على أداء الصلوات الخمس المفروضة ، بل تصلي السنن الرواتب أيضاً، وتصلّي من النوافل كصلاة الضحى، وبعد المغرب،وفي الليل، فإن صلاة النفل تقرّب العبد من ربّه ، وكانت أم المؤمنين زينب تصلّي النافلة، وتطيل الصلاة، فنصبت حبلاً بين ساريتين فإن أدركها التعب أمسكت به لتسترد نشاطها.

 

وتخرج المرأة من الصلاة، وقد زكت نفسها ،وخشع قلبها، وصفت روحها، وأترع كيانها كلّه بطاقةٍ روحيّة، تعينها على مواجهة أعباء الحياة وهموم البيت والأمومة. وإذا كانت المرأة ذات مال وسعة توجب عليها الزكاة …

 

{وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ}

(43) سورة البقرة

 

والمرأة المسلمة تصوم شهر رمضان ونفسها معمورة بالإيمان، وتتخلق بأخلاق الصائمات الحافظات ألسنتهن وأبصارهن وجوارحهن عن كلّ مخالفة تخدش الصوم. والمرأة المسلمة اليقظة هي التي توفق بين أعمالها المنزلية وبين اغتنام أوقاته المباركة في الطاعة والعبادة فلا تلهيها أعمالها المنزلية والسهرات العائلية عن الصلاة في أوقاتها وقراءة القرآن وصلاة النفل وقيام الليل والتهجد والدعاء.

 

مطيعة أمر ربّها :

لا يغيب عن بال المرأة المسلمة الواعية أنّها مكلّفة بالتكاليف الشرعية التي أمر الله بها شأنها شأن الرجل قال الله تعالى :

 

{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (97) سورة النحل

 

فالمرأة والرجل سيّان أمام الله عزّ وجلّ في إتباع أمره واجتناب نهيه . ولقد ضربت أم المؤمنين زينب أروع الأمثلة على امتثالها أمر الله ورسوله قبل أن يتزوجها رسول اللهe يوم طلب منها الموافقة على تزويجها من مولاه زيد بن حارثة ، لغاية تشريعية قال الله تعالى :

 

{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا}

 

(36) سورة الأحزاب

 

وهي تلتزم الحجاب الشرعي وقلبها مطمئن بالإيمان أنه أمر الله عزّ وجلّ ونفسها مفعمة بالاقتناع أنه دين أنزله الله لصيانة المرأة المسلمة وتمييزاً لشخصيتها، وإبعاداً لها عن مزالق الفتنة .

 

وإن التنكر اليوم لفكرة تستر المرأة واحتشامها إنما هو خروجٌ على الشرائع السماوية قاطبةً، من ملّة إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلم إلى الحنيفية السمحة التي جاء بها الإسلام. وإن الإنجيل يطلب من المرأة النصرانية أن تغطي شعرها ولذلك ترتدي الراهبات الحجاب، وعندما يستقبل بابا الفاتيكان سيدة، سواء كانت زوجةً لرئيس دولة، أم كانت امرأة مشهورة ، فإنها تغطي شعرها.

 

والمرأة المسلمة الراشدة تتجنب الاختلاط المطلق بالرجال ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، فلا تسعى إليه ، ولا تشجع عليه ، متأسيّة بفاطمة بنت رسول اللهe ، وأمهات المؤمنين ونساء السلف الصالح .

 

ولا يخفى على المرأة المسلمة ما للاختلاط المطلق من مضار وخيمة على الجنسين لمسها الغربيون الذين يمارسونه على أوسع نطاق في تدنّي مستوى التعليم فعمدوا إلى عزل الفتيات عن الشبّان في كثير من الجامعات والمعاهد.

 

وقد شاهد هذا العزل الأستاذ المربّي (أحمد مظهر العظمة )الذي زار المدارس البلجيكية، ففي إحدى زياراته لمدرسة ابتدائية للبنات سأل المديرة : لماذا لا تخلطون البنين مع البنات في هذه المرحلة ؟ فأجابته : قد لمسنا أضرار اختلاط الأطفال حتى في المرحلة الابتدائية. وفي أمريكا فروع جامعية تزيد على 170 فرعاً لا يختلط فيها الطلاب بالطالبات .

 

أما اجتماع الرجال بالنساء لقضاء مصلحةٍ راجحة، أو حاجة داعية إليه كصلاة في المسجد ، أو حضور مجالس العلم ، أو المشاركة في هدفٍ نبيل كالجهاد ومتطلباته ، فقد أجازه الإسلام بضوابطه الشرعية المعروفة ، وتتجنب المرأة المسلمة الخلو بأجنبي ذلك بأن الخلوة حرام باتفاق العلماء.

 

تعمل على نصر دين الله:

إن أجلّ الأعمال التعبدية التي تقوم بها المرأة المسلمة، هو نصرة دين الله في واقع الحياة، والعمل على تطبيق منهجه في حياة الفرد والأسرة والمجتمع والدولة. والمرأة الصادقة تشعر أن عبادتها تبقى ناقصة إذا قصّرت في هذا الجانب الحيوي من حياتها وحياة المسلمين إذ به يتحقق الهدف الكبير الذي خلق الله الجنّ والإنس من أجله وهو إعلاء كلمة الله في الأرض

 

{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}

 

(56) سورة الذاريات

 

ففي بيعة العقبة التي تمت سرّاً وكان لها الأثر الأكبر في نصرة الرسول e لم تغب المرأة المسلمة عنها .

 

ولما صدع رسول الله r بدعوته، ضاق المشركون به ذرعاً وائتمروا به ليقتلوه ليلاً في عقر داره، فلم يستشف خبر هذا التآمر إلا امرأة مسلمة نافت على المئة هي (رقيقة بنت صيفي) ولم يقعدها الهرم والضعف عن المسارعة لإنقاذ رسول الله r .

 

ولمّا غادر رسول الله r وصاحبه مكّة ، وتواريا عن الأنظار في الغار الجاثم عل قمّة جبل ثور، كانت تحمل إليهما الطعام والماء وأخبار القوم صبيةٌ ناشئة، هي (أسماء بنت أبي بكر الصديق) رضي الله عنهما.

 

كانت هذه الفتاة المسلمة تقطع المسافة الطويلة بين مكة وجبل ثور في جوف الليل لم يثنها عن مهمتها وحشة الطريق ،

وترصد الأعداء، لأنها كانت تعلم أن في استنقاذ رسول الله r وصاحبه ووصولهما إلى دار الهجرة نصرة لدين الله وإعلاء لكلمته وإظهاراً للحقِّ وجنده.

ومن السابقات إلى الإسلام والمضحيّات سميّة أمّ عمّار بن ياسر التي اعتصمت بالصبر وأبت أن ترضي المشركين بكلمة ، فما كان من أبي جهل إلا أن طعنها بحربة فاضت بها روحها وسجلها التاريخ بمداد من نور أول شهيد في الإسلام. وفي تاريخ الإسلام كثيرات احتملن العذاب في سبيل الإسلام فما وهنت لهن عزيمة.

 

معتزة بشخصيتها الإسلامية ودينها الحقّ:

المرأة المسلمة فخورة بالمكانة العالية التي أوصلها إليها الإسلام في وقتٍ مبكر قبل أن تصل إليها المرأة في الأمم الأخرى . فمنذ خمسة عشر قرناً أعلن الإسلام حقوق المرأة كاملةً .

لقد أعلن الإسلام أن النساء شقائق الرجال كم جاء في الحديث الشريف،وأعلن القرآن ، قال تعالى :

{فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍِ}

(195) سورة آل عمران

وبايع الرسول النساء علا الإسلام والسمع والطاعة كم بايع الرجال ، وكانت بيعتهن مستقلّة عن رجالهنّ ، وليست تبعاً لهم، وفي ذلك تأكيدٌ على استقلال شخصية المرأة المسلمة ، وأهليتها لتحمل المسؤولية في البيعة والعهد وإعطاء الولاء لله ورسوله .

والإسلام الذي سوّى بين الرجل والمرأة في التمتع بالحقوق الإنسانية ،سوّى بينهما أيضاً في القيام بالواجبات الإنسانية ، إذ عهد إليهما معاً بالخلافة في الأرض وعمارتها، وعبادة الله فيها ، وجعل لكلّ منهما دوره المتميز في إقامة المجتمع وإنهما لدوران متكاملان لا متنابذان، وملزمان لكل من الرجل و المرأة على كلّ منهما أن يقوم بما هو مؤهل له أكثر من الآخر في بناء الإنسان والأسرة والمجتمع .بهذا التكوين العالي الشامل لشخصية المرأة المسلمة حفل تاريخنا بنساءٍ خالدات شوامخ في أقوالهن وأفعالهن ومواقفهن، يصدعن بالحقّ لا تأخذهن في الله لومة لائم.

ولكي تبلغ المرأة المسلمة هذا الشأن العالي في الطاعة والصلاح والتقوى والوعي والنضج ، لا بد من استروامها نسمات الهداية المعطرة من كتاب الله ، تفيء إلى ظلاله الوارفات كلّ يوم ، فيكون لها وردٌ قرآنيٌّ دائم تقبل منه على آياته البيّنات تتلوها بتمعن وتبصر وتأمل وتدبر فتنسرب معانيها في مسارب عقلها ومشاعرها، ويتشرب قلبها نورانيته الصافية وتستنير نفسها بهدي الآلاء.

 

لــــ د.محمد علي الهاشمي..

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: