شعبنا سيخوض ثورته الثانية ( بقلم عبدالوهاب معطر )

مرت اليوم أزيد من سنوات ثلاث على هروب المخلوع شهدت خلالها البلاد أحداثا متسارعة الوتيرة في حيز زمني يقاس في أوضاع أخرى بعشرات السنين . و لو حاول المرء استعراض ما جرى لما أنجدته الذاكرة على الإحاطة بجميع مفردات شريط المستجدات ذات العلاقة مع يوميات الثورة في صراعها المرير مع مناهضيها المعلنين و المستترين . إلا أنه من اليسير راهنا على جميع الذين آمنوا بأن منجز 14 جانفي 2011 يشكل موعدا تاريخيا نادرا لتخليص البلاد من جميع ما أصابها ومما كان سببا في ثورة شبابها و نسائها و رجالها و من ثمة فإنه من الحيوي بالنسبة لهم أن يشدوا بالنواجذ على هذا المنجز و أن يستميتوا ليس فقط في الدفاع عته بل في تطويره للوصول به إلى منتهاه في المجالات كلها . نقول من اليسير على هؤلاء أن يقفوا على حقائق لا نحسب – و لا يجب – أن تفل من عزائمهم لكثرة دلالاتها وهي تتمحور في مجملها حول أن التقدم في المسار الثوري وفي استحقاقاته كان في أغلب فضاءاته المباشرة ضعيفا سلحفاتيا . و بالمقابل فإن ديناميكية النكوص على الأعقاب كانت وتيرتها تتسارع مع مرور الأيام بل أنها بلغت في الردح الأخير أشكالا هجومية استفزازية .
و بقطع النظر عن تعقب أسباب هذه الانتكاسة وعن ضرورة استخلاص الدروس بالسلب منها – دون السقوط في جلد الذات و الإقصاء حال أن المرحلة تقتضي حشد القوى – . فإنه لا مفر من التسليم بأن الثورة غدت اليوم مهددة جديا في صيرورتها و أنه حتى المكاسب الجزئية التي حققتها غدت معرضة للالتفاف و التلف . وهو واقع يستدعي من جميع المستفيدين بالثورة التوقف عنده مليا و تفحص تضاريسه و تشخيص نتوءاته لخوض تفكير جماعي حول استنباط طرائق تغييره و أساليب تصحيح مساره في اتجاه الوفاء للشهداء والثأر للمظلومين و تحقيق آمال الفقراء و تجسيم أحلام الثوار .
إن الوضع الذي نعيشه اليوم أبعد ما يكون عما عايشناه في أعقاب 14 جانفي حينما كانت القوى الثورية في أوج العطاء و الشموخ و فرضت في حراكها فرزا سياسيا واضحا بينها و بين رموز المنظومة القديمة تجمعات و أفرادا . و لهجت بمطالبها في تطهير مفاصل تلكم المنظومة أجهزة و أنساقا و ممارسات . فقد شهدنا منذ انتخابات أكتوبر 2011 اتجاها معاكسا تجلى في محاولات محمومة – تكثف مع مرور الأيام وقعها – لتأكيد نفوذ مكونات المنظومة القديمة التي كانت تمسك أصلا بتلابيب الدولة وبآليات السوق قصد التمكين لها لفرض سطوتها على الثورة بهدف ترويضها و النزول بسقوفها وإخضاعها في الأدنى لمربع التطبيع معها و مع رموزها القدامى ومع الحاملين الجدد للوائها . و يقاس مدى نجاح هذه المحاولات بما نراه اليوم من ابتداع لفرص الإرباك ومن توجيه ضربات مؤلمة للقوى المؤمنة بالثورة و المتمسكة بأهدافها و بما نلمسه لدى خصومهم من استعدادات غير خافية للتحضير للرجوع إلى السلطة عبر الانتخابات في استغلال فاحش لما أتت به الثورة من حريات يضاف لها ما تتوفر عليه شخوص النظام البائد من أدوات و أموال و امكانيات لوجستية و خبرات انتخابوية .
لا نبالغ في شيء لما نستشعر هذا الخطر الداهم المتزامن مع هذا التراجع الذي يعتري جمهور الثورة. إلا أن هذا الجمهور الواسع على الرغم من ذلك مازال قادرا على الفعل و مازالت أعناقه مشرئبة طامحة ومصرة على تحقيق أهداف ثورته و كثيرون منهم يقولون لأولئك كفاية فالسيل قد بلغ الزبى ونحن قادمون و للثورة …. ثانية راجعون .
نعم … نحن في أشد الحاجة لثورة ثانية نجترحها مما راكمناه في السنوات الثلاث الماضية بايجابياتها و خصوصا أيضا بسلبياتها . ثورة ثانية نعيد بها الرابطة المتصلة بمنجز 14 جانفي التاريخي بما هو بناء ليس بالمنظومة القديمة أو معها بل على أنقاض جميع تجلياتها المجتمعية و الاقتصادية و الإدارية و السياسية , فبدون ذلك لن تكون هناك ثورة أصلا بل سيصبح كل ما حدث مجرد تغيير واجهات و أصباغ وحلم انقضى لنستفيق ربما على كابوس جديد .
إن ثورة تونس الثانية لا مناص منها . قهي المنقذ وهي الخلاص و لذلك فهي إما أن تكون شعبية أو لن تكون . و لكي تنجح لا بد أن يشارك فيها الملايين من النساء و الرجال و الشيب و الشباب أي أضعاف أضعاف من شاركوا في ثورة 17 ديسمبر. وأشكالها النضالية لن تكون بالمظاهرات و المسيرات و الإضرابات و المواجهات بل بورقة التصويت الموضوعة في صندوق الاقتراع بكل وعي بالمسؤولية الوطنية ,
إن الانتخابات القادمة لأواخر السنة الجارية هي الفرصة الأخيرة في الأمد المنظور لإنقاذ البلاد و ثورتها . و هي بالفعل ستكون ثورة ثانية حقيقية متى أسفرت عن هزيمة دهاقنة المنظومة القديمة و المتحالفين معها و الدائرين في فلكها . وهي الثورة الثانية التي ستفرز الكتلة الثورية التاريخية المنقذة والتي ستكون قادرة على مباشرة الإصلاحات الكبرى و تجسيد تطلعات شعبنا في القطيعة مع الماضي لنحت مستقبل تونس الحرية و الكرامة , إنها ثورة الشعب الثانية وهي هذه المرة بالناخبين . وإن غدا لناظره قريب .
عبد الوهاب معطر
صفاقس في 6 جوان 2014

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: