صاحب الأكاذيب المؤسسة للمعجزة النوفمبرية ( بقلم د. محمد ضيف الله)

في الانتخابات الرئاسية القادمة، الدولة العميقة لها أكثر من حصان وأرنب،  من بينهم بطبيعة الحال مصطفى كمال النابلي. بقطع النظر عن علاقة المصاهرة التي تربطه برجل الظل كمال اللطيف، فقد خدم نظام بن علي، وتوزّر فيما بين 1990 و1995، ولم يٌسمع له في سنوات الجمر تلك، كما لم يُسمع له بعدها، ولا كلمة واحدة حول ما كانت تعرفه البلاد إلى 2011 من استبداد وفساد ومظالم وتعديات.

ومع ذلك يتكلم مؤيدوه عن استقلاليته، في محاولة للتغطية على ماضيه في خدمة النظام النوفمبري، وبكل إخلاص أيضا، وإلا لما استمر في منصبه الوزاري أزيد من خمس سنوات كاملة هي الأحلك في تاريخ تونس. ولم يبتعد عن خدمة بن علي بعد ذلك. وهذا ما قام به بعد انتقاله للعمل في البنك العالمي. لسنا في حاجة هنا للتذكير بأن الالتحاق بالمنظمات الدولية يتم بتزكية من الأنظمة التي ينتمي إليها المرشح، ولا يمكن لمصطفى كمال النابلي أن يخرج عن هذه القاعدة، بحيث أن من رشحه هو نظام بن علي نفسه حتى يستمر في خدمته من موقع جديد. ولو سلمنا جدلا بأنه خرج عن تلك القاعدة فلا بد أن طرفا أقوى من نظام بن علي كان وراء تسميته هناك على رأس أحد أقسام إدارة البنك العالمي. وهذا الطرف لن يكون غير الولايات المتحدة حيث أن مصطفى كمال النابلي وخلافا لما يمكن أن توحي به تزكيته من قبل “الجبهة الشعبية” اليسارية لرئاسة الحكومة بديلا عن علي العريض، فإنه ليبرالي حتى النخاع، وكان قد درس في جامعة كاليفورنيا الأمريكية. وسواء كان بن علي وراء ترشيحه أو كانت الولايات المتحدة وراء ذلك، فالأكيد أنه لم يكن في قطيعة مع النظام المافيوزي طوال بقائه في البنك العالمي، على رأس إدارة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي كان نظرها يشمل تونس إلى جانب بقية البلدان العربية.

ولمعرفة مدى خدمته لنظام بن علي، يكفي الاطلاع على التقارير التي أصدرها البنك في تلك الفترة والمتوفرة على موقعه بالانترنت، تلك التقارير لم يكن بالإمكان صدورها قبل أن تمر على إدارة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي يديرها مصطفى كمال النابلي. بمعنى أنه هو الذي كان مشرفا على تبييض صورة نظام بن علي في البنك العالمي ولدى من يقرأ تلك التقارير. بل أنه شارك شخصيا في تحرير بعضها. وقد تضمنت تلك التقارير كل التنويه بنجاح تونس آنذاك في الميدان الاقتصادي، والثناء على المعجزة الاقتصادية التونسية، وعن نسبة التنمية العملاقة. وعن “قصة النجاح الجيدة” (2003). كما نوه في تقرير يحمل اسمه (2004) بالإصلاحات الماكرو-اقتصادية (الليبرالية) التي وقعت في التسعينات والتي حققت حسب تعبيره معدلات شبيهة بمعدل اقتصاديات بلدان جنوب وشرق آسيا.

ذلك يعني أن مصطفى كمال النابلي لم يكن بعيدا عن نظام بن علي، وإنما كان في قلبه. وفي موقع يمكنه من أن يوفر عن بُعد المادة التي تستعملها أجهزة الدعاية النوفمبرية، وكان بالتالي من مؤلفي الأساطير المؤسسة لكذبة “المعجزة الاقتصادية”، فساهم بفعالية في التغطية على نظام غارق في الفساد والإفساد. وفي المحصلة فإن الترويج اليوم لمصطفى كمال النابلي على أنه خبير دولي في الاقتصاد وأنه مستقل وبعيد عن نظام بن علي إنما هو كذبة كبرى أخرى.

محمد ضيف الله

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: