” “صاحب الهيبة” يترحم على قتلة شهداء تونس ” … بقلم الأستاذ رضا بالحاج

يتنافس القادة و الزعماء في التعبير عن رمزية شعوبهم و يتشرفون بذلك لأن قوتهم هي من قوة انتمائهم و قوة أمتهم.. و هم يتجنبون و يمنعون أي عمل واقعي أو رمزي فيه حط أو حتى تلميح بالإستنقاص من أمتهم، و لكن حين ينحط الساسة -كما هو شأن الحكام العرب-و يصبحون عابري حضارة و مجرد حالة انتهازية و شهوة سلطة، فكل دلالات الأمة و رمزياتها من هيبة و كرامة تصبح في مهب الريح بل تحت الأقدام.. بل يصبح التفريط فيها عربونا من هؤلاء الرويبضات العملاء على ولائهم الصادق للأعداء و الخصوم و الأغيار.. نُذكر هنا لبيان قيمة الجانب الرمزي بأن مراسلات حكام فرنسا لتونس و للخلافة عامة كانت تذيل بالإمضاء التالي “من خادمكم المطيع”.. و نُذكر هنا أيضا بالخليفة المعتصم الذي جعل كرامة امرأة مسلمة وقع الإعتداء عليها مساويا لحرب أمة بأكملها انتصارا لكبرياء المرأة و الأمة فقال شاعر المسلمين منتشيا:
السيف أصدق إنباء من الكتب في حده الحد بين الجد و اللعب
و في المقابل تطوقنا اليوم المشاهد المخزية لحكامنا بين يدي حكام الغرب الذي استعمرنا و مازال و هم بين خشوع و ارتعاش و ارتباك من ذلك ما كتبه رئيس صيني في مذكراته عن حاكم ببلاد الإسلام حين استقبله في الصين في شهر رمضان و عرض عليه الأكل بل و الخمر فأكل و شرب بلا تردد عندها قال له حاكم الصين ضاحكا “كنت أظنك مثل شعبك تصوم رمضان..هذا الشهر الذي نسمع عن حرمته عند المسلمين” و ضحك ثانية احتقارا و ازدراء، و ليس أقل من هذا المثال سوء مثال الوفد الفلسطيني المفاوض لكيان يهود: يسمع آذان صلاة الجمعة و لا يكترث و يتمادى في التفاوض مع العدو الإسرائيلي كأنه لم يسمع المنادي للصلاة المفروضة، و في الليل يخبر الوفد الإسرائيلي الطرف الفلسطيني و الأمريكي أن دينهم يمنع عليهم العمل يوم السبت لذلك يؤجل الإجتماع ليوم الأحد في دهشة من الجميع و بدلالات و رمزية لا تخفى و إمعانا في إذلال الوفد الفلسطيني غير المكترث لصلاة الجمعة و رمزيتها..يجرحونهم الجرح تلو الجرح و لكن الذل لا دماء تجري في عروقه.
و اليوم يذهب الباجي قائد السبسي رئيس تونس طالب الهيبة و مدعي الزعامة و منتحل القدوة إلى فرنسا التي استعمرتنا و نهبتنا عقودا و ما تزال، و هو لا يحمل إليها أي ملف محرج من قبيل المحاسبة و لو في حدها الأدنى،رغم أن الاستعمار مسألة حارقة و عالقة و آثارها إلى اليوم كارثية.. لم يطلب بالأقل أن تمكننا فرنسا من أرشيفها الاستعماري في تونس أو حتى الأرشيف الذي سرقته من البلاد و لا تصفية أملاك الأجانب أي المستعمرين بطريقة سيادية لا تفاوضية مشروطة كما فعل حكام تونس 2003. و لا هو طلب حتى الحقيقة في اغتيالات و اعدامات مثل التي كانت في حق الدغباجي و فرحات حشاد و غيرهم كثير، و لا هو تساءل عن دور فرنسا في تأييد الدكتاتور بن علي إلى آخر لحظة و دعمها له بالسلاح و بالخبرة لمزيد القمع و التنكيل، و اعتبارها الثوار مجرد مهرجين أو متطرفين.. و لا هو واجه فرنسا بحقائق يملكها الأمن التونسي (و نؤكد ذلك) عن تورط فرنسي ما في مسألة الإرهاب..و لعل الجميع يذكر أن تسريب وثيقة التحذير الأمريكي من اغتيال الابراهمي قد اعطيت لتونس بعيد تجسس أمريكي نوعي على أوروبا و فرنسا تحديدا، شمل ملفات و مكالمات حساسة(نفس التوقيت بالضبط).. و لم يخطر ببال الرئيس حتى المبادرة بفتح ملف النهب الفرنسي المروع لثروات البلد فالجميع يعلم أن ملاحات تونس و سباخها تحت سيطرة شركة فرنسية عملاقة لها الكلمة الفصل في الانتاج و التصدير و هي تنتج أزيد من 2مليون طن سنويا و لا يخصص منها للاستهلاك المحلي إلاّ 100 ألف طن و التصدير بثمن بخس مفضوح مع تهرب ضريبي يقدره الخبراء بالمليارات، و لا ينقص هذه الملاحات إلاّ رفع علم فرنسا، علما و أن استغلال هذه الملاحات و السباخ يتم باتفاق قديم منذ عهد الإستعمار، فتونس بعد خروج فرنسا لم تطلب إلغاء قانون المناجم لغرة جانفي 1953 و لا قانون المحروقات 13 ديسمبر سنة 1948، و هما قانونان متحكمان إلى اليوم بثروات تونس المغبونة و المعتم عليها و كل ما جاء بعدها من قوانين هو تفريع أو تفصيل لها بل كما يقول الدكتور لزهر السمعلي:” هو فتح لمزيد من الثغرات”.
فرنسا هذه التي احتلتنا و بها تعلقت عذابات تونس عقودا بل عذابات أمة بأكملها و التي لم تحاسب و لم تعتذر، و التي لم ترجع لتونس مسروقاتها، يذهب إليها الباجي قائد السبسي ببروتوكولات لا تحفظ المسافة بين مستعمِر و مستعمَر و بين مظلوم و ظالم.. و إنما نرى و للأسف رئيس الدولة يقف إجلالا و تكريما للجندي الفرنسي المجهول بل نراه يقرأ عليه الفاتحة أي القرآن أي أنه يطلب له الرحمة علما و أن تكريم الجندي المجهول بهذه الطريقة الخاصة بعد بناء نصب تذكاري له هو تكريم لجيش البلد كله في كل حروبه، و هذا الجيش الفرنسي بالطبع هو الذي استعمرنا عقودا و في ذمته جرائم تقتيل، و هو الذي استعمر الجزائر بأبشع أنواع الإستعمار و بأكثر الحروب قذارة و قسوة و لا ينسى الجميع جرائم الجنرالات: “ماسو” و “سالان” و “جوهر” و “بيجار” و “أوساريس” الذي قال لو عاد التاريخ لقتلت مرة أخرى، و المجرم الكبير “موريس بابون”.. و هم الذين تفننوا جميعا في تعذيب المسلمين إلى درجة النكاية و الاستمتاع.. على مثل هؤلاء القتلة و على من يمثلونهم من قيادة سياسية استعمارية قرأ السبسي صاحب الهيبة الفاتحة أي قرأها على غير مسلمين أولا و هذا في ذاته مهزلة و فضيحة و نتصور أنه لم يقرأ قول الله “غير المغضوب عليهم و لا الضالين” لما في الآية من تناقض قد يحرجه مع مستضيفيه، و ثانيا هو قرأ الفاتحة على قتلة أهلنا في تونس و الأمة جمعاء الذين لم يقتص الحكام لدمائهم و لم ينتصروا لأبنائهم من بعدهم أي للأمة و هذا في حد ذاته جريمة.. هاهنا تصبح الرمزية عالية و الدلالات صارخة: استخفاف بتونس و أهلها و دوس على آلامها و عذاباتها و انعدام للنخوة و الشهامة و تهشيم لمسافة الأمان و إهدار لحق الرد بل هو انقلاب للقيم بما هو إعتذار من الضحية للجلاد و بما هو ردع ضمني “للوقحين” الذين قد تسول لهم أنفسهم يوما فيتجرؤون على محاسبة الاستعمار و فتح ملفاته.
نحن ندرك أن البنية النفسية لهؤلاء الحكام أضعف مليون مرة من المواقف المبدئية التي يبدع رجال الدولة في إيحاءاتها الرمزية و هم أضعف من كبرياء الأمة و عنفوانها و لكن ألهذا الحد؟ و بهذه الكيفية؟ الجواب:إن الأمر أفظع من هذا بكثير و التدحرج مروع أكثر إذ بعد يوم واحد من هذا المشهد عالي الرمزية مهانة و خزيا يعود رئيس الدولة للبلد الذي استعمرته فرنسا أي لتونس ليقرأ الفاتحة مرة أخرى و لكن على من هذه المرة؟ على شهداء 9 أفريل الذين قتلهم الجندي الفرنسي -المترحم عليه- بطريقة بشعة و الذين تذكرهم اليوم السلطة ذكر تملق و هم الذين خرجوا للشارع من جامع الزيتونة بعد أن اختبأ بورقيبة في بيته و رفض الخروج و دماؤهم مازالت إلى اليوم صارخة في وجه المبدلين و منكري الجميل.. إنه التناقض و الاستهتار و العشوائية.. فعلى نفس الوتيرة و بنفس المنطق قد يصلي غدا رئيس تونس على ضحايا الإرهاب صلاة الجنازة و على الإرهابيين صلاة الغائب “و طاح الكف على ظلو” ربما في إطار مصالحة وطنية محتملة أو توافق أشمل من توافق “الحوار الوطني”.. و لا يهم دين هذا الإرهابي كما لا يهم دين من استعمرنا فالحداثيون يريدون إلها بلا دين على طريقة الماسونية و يعتبرون نسبة دين للإله هو تعصب و خروج عن الطابع الإنساني للدين، فالرحمة للجميع قاتلا و مقتولا مؤمنا و كافرا و الفاتحة على الجميع بلا ضابط و لا مقياس شرعي.
مرة أخرى نجد أنفسنا أمام مشهد فضائحي نفتقد فيه رجل الدولة و الصفة المنشودة المنتظرة من جيل بأكلمله أي القائد القدوة..نجد أنفسنا بلا ناصر و لا ولي و لا سند، يتفنن الحكام في إهدار كرامتنا و هم الذين يعتبرون الإصرار على الكرامة تجاه الغرب المستعمر ضربا من التطرف و الاستماتة في استرداد الحقوق نوعا من الإرهاب.
نحن في هذا الصدد و لمنع مزيد الإهانة و منع اختراق كرامة البلد و الأمة و لإيقاف نزيفها نسأل رئيس الدولة و دائرته:
1- هل فعلا أمضى الباجي قائد السبسي يوم 7 أفريل عقدا يخول لفرنسا إقامة منصة تنصت فرنسية عالية التعقيد على الأراضي التونسية و تحديدا في الجنوب؟ ليشمل التنصت بعد تونس ليبيا و الجزائر.
2- هل طلبت فرنسا إزاحة حركات إسلامية و اقتلاعها لكونها غير مشمولة برضا الحداثة و العلمانية الفرنسية؟ و من هي هذه الحركات؟ و ما هي الخطوات ؟
3- هل طلبت فعلا فرنسا إيقاف تحقيقات جادة حساسة أمنية و عسكرية في موضوع الإرهاب من شأنها أن تصل إلى أم الحقائق؟
4- ما هو مقدار الإختراق الأمني الفرنسي الموجود في تونس و أي نوع من التنسيق الحساس طلبته فرنسا هذه المرة؟ و من هم رجال فرنسا في البلد الذين من فرط حبهم لتونس لا يتآمرون عليها؟
و إلى أن يجيبنا رئيس الدولة أو من يمثله سنقرأ الفاتحة على شهداء الأمة و شهداء هذا البلد الطيب و سنعتذر من آبائنا و أجدادنا لأنه خلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة و اتبعوا الشهوات و أضاعوا أمانة الرسول صلى الله عليه و سلم : الدين و الأمة و الدولة و اتبعوا سنة المغضوب عليهم و الضالين.

الأستاذ رضا بالحاج
في 12 أفريل 2015

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: