صناعة الخوف لعودة المنحل ( د/ محجوب أحمد قاهري)

ذهب نعوم تشومسكي إلى أن ثقافة الخوف “هي ثقافة طارئة على المجتمعات المعاصرة، تم تصنيعها بشكل متعمد، وتهدف إلى التأثير على الجماهير التي ينتابها الشك وعدم الثقة بالأشياء المحيطة بها، فلا تجد فرصة أمامها للتخلص من هذا الشك والريبة والخوف، إلا بالاعتماد على النظام السياسي ودعمه، ذلك النظام الذي أوجد أصلاً هذه الحالة المشاعرية بينهم”

وفي هذا الإطار تشهد تونس منذ ما بعد الثورة، وخاصة منذ حكومة النهضة الأولى، تزايدًا مطّردًا لمظاهر الخوف الموجه، تخللها قتل شكري بلعيد إلى تفجير الألغام في جبل الشعانبي وقتل جنود أبرياء. ويفترض نعوم تشومسكي، في آرائه، وجود نظام سياسي يدعم نشر ثقافة الخوف للوصول إلى أهداف واضحة.

والملاحظ إلى المشهد السياسي التونسي، فإنه سيدرك بكل يسر بأن لا نظام سياسي جديدًا حلّ محلّ نظام المخلوع، فقد سقط رأس النظام في ملحمة تاريخية قادها الفقراء، وبقت مؤسساته في حراك أكثر مرونة من ذي قبل، خاصّة أنها باتت تستعمل المؤسسات والأعلام ورءوس الأموال الفاسدة بأكثر جرأة وأكثر حرفية أيضًا.
حكام اليوم هم أضعف ممّا يتوهّم البعض، حزب المؤتمر صار مؤتمرات، والتكتل فيه تكتلات، والنهضة لا حكم لها على قصر الرئاسة ولا في المجلس التأسيسي، إذ تحتاج لألف تنازل لكي تمرّر قانونًا أو مشروعًا، ولا سلطة لها في الحكومة مع أنها سعيدة برئاسة ليس لها في وزاراتها من سيادة.

ثم إن هذه المرحلة، ما زالت تبحث لها عن عنوان، ولم تحترم القوى السياسية فيها قواعد اللعبة الديمقراطية وصوت الأغلبية، فقد كانت مرحلة ليْ الذراع وتكسير الأعناق، والبلطجة بامتياز، وقد شاهدنا بعضًا مما يحصل في غرف اللجان من مثل اعتداء النائب عمر الشتوي على زميلته، وهو يفتك أوراقها أمام مرأى ومسمع الجميع، وأمام عدسات المصورين.
فالنظام السياسي الحالي الذي يقود المرحلة من وراء حجب، هو نظام المخلوع، الذي لم يسقط إلا رأسه وبقت أذرعه مسيطرة على تفاصيل الدولة والحكم، بكل الوسائل، مؤسسات وإعلام ومال فاسد، ورجال الجريمة المنظمة وخريجي السجون.
وقد كانت تصريحات الباجي قائد السبسي الأخيرة في خصوص قانون تحصين الثورة، جدّ خطيرة في كونها تشير إلى تهديد مبطّن، وهو يقول “يحبّوا يعملوه (أي القانون)!! كل واحد يتحمّل مسئوليته”، ويضيف: “أنصحهم بعدم تمريره”، هذا الكلام خطير لأنه قد تزامن مع إرسال رسالة تهديد إلى النائب البشير النفزي من حزب المؤتمر، إذ تقول أحد أسطرها: “قرّرنا قتلك والتنكيل بجثتك”، طبعًا لو وافق على تمرير هذا القانون.
ويبدو بأن من الأهداف الكبرى لجماعة “النظام الحاكم من وراء حجب”، هو العودة إلى المشهد السياسي من بابه الواسع، ألا وهو الانتخاب، وهو ما يفترض إلغاء قانون العزل السياسي، وهم على استعداد تام للقتل والتنكيل بالجثث حسب ما ورد في رسالة النائب النفزي.
ومن هنا تطرح الأسئلة من كل أبوابها، من قتل شكري بلعيد، وهو قتل أريد به إسقاط الحكم أوّلاً؟ ومن يفجّر حاليًا في الألغام في جبل الشعانبي، ويتعمد قتل الأبرياء غدرًا وبهتانًا؟
فتفجير الألغام بالشعانبي، لا يهدف إلى إسقاط الحكومة، وإنما يهدف إلى بثّ الرعب والخوف بين الناس، فما معنى بأن يخرج قيادي راشد وهو الناطق الرسمي للجيش التونسي ليقول لنا “إن الإرهابيين غير موجودين بالشعانبي، إنهم انتقلوا بين الناس، وإنهم قد فجروا الألغام هذه المرّة في منطقة سكنيّة”، مع أن الحال يقول إن التفجير الأخير الذي ذهب ضحيته جنديان كانا في منطقة عسكرية!! وبعيدًا عن السكان.. ثم لماذا يصر على كون الإرهابيين قد انضموا إلى المواطنين؟ فهل يعني ذلك بأنه قد نشهد تفجيرات بين الناس؟ وهؤلاء الناس لا يعتقدون أصلاً بوجود إرهابيين لا في الجبل ولا بينهم!!
ومع ذلك فقد تملّك الخوف كل الأهالي، وأصبح بعضهم يجاهر بما يناقض المرحلة، فيتمنى مرّة عودة المخلوع ونظامه، ومرّات أخرى يشيدون بقوة نظامه وسيطرته على الأمن. إن تأخير إنجاز الدستور وتأخير الانتخابات إلى أبعد حدّ يندرجان ضمن سياسة إعطاء الوقت الكافي، لكي تفعل سياسة الترويع والتخويف فعلها في الشعب، فلا نستغرب مستقبلاً بأن تقع انفجارات أخرى وعميلات اغتيال لنواب في التأسيسي أو لأحد الوزراء، تنتهي بخروج الناس في مسيرات حاشدة تطالب بعودة الحزب “المنحل” من خلال وكلائه وشركائه.
وهو ما يجب أن تنتبه إليه كل الأحزاب “الصادقة” والبحث عن حلول حقيقيّة لأزمة الثورة التونسية التي لا تزال تراوح بين الواقع والأمل.
د/ محجوب أحمد قاهري

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: