طارق الكحلاوي يكتب .. الدستور بين تونس ومصر

نقلت احد الصحف المصرية بداية السنة خبرا فحواه كما يلي: “حشد الاتحاد العام لمنتجي الدواجن حوالي 5 آلاف من أصحاب المزارع للمشاركة في أولى مؤتمراته الجماهيرية وذلك لدعم الدستور والتصويت بـنعم، وردد المشاركون بحضور وزير الزراعة ورئيس الاتحاد هتافات “نعم للدستور ولا للإرهاب”، و”نعم لترشيح الفريق عبد الفتاح السيسي رئيسا للجمهورية” (“المصري اليوم” 1 كانون الثاني/ يناير). قبل ايام قليلة من ذلك أعلنت لجنة التوافقات في المجلس الوطني التأسيسي أعلنت حلها لجميع الاشكالات العالقة في مشروع الدستور وبرمجت بداية العام كأول ايام للتصويت عليه فصلا فصلا، ليتم استكمال التصويت عليه قبل ذكرى النصر على الدكتاتورية وهروب ابن علي 14 كانون الثاني/ يناير.

لكل تجربة خصوصياتها وإكراهاتها بكل تأكيد، لكن المقارنة أيضا جائزة بين الوضعين التونسي والمصري ليس لاعتبارات التاريخ فحسب بل ايضا لاعتبارات الحاضر. فكلا التجربتين مرتا بانتقال ديمقراطي، لا يزال يقاوم من أجل النجاح في تونس وتعطل في مصر. هناك عدد من زوايا النظر للمقارنة ومسار كتابة الدستور أحدها.

الاختلاف الأول كان في طريقة الصياغة. بالتأكيد أهمية الدساتير تكمن في مسائل عملية وشكلية وليس بالضرورة مضمونية، مثلا في مدى تطبيقها وأيضا في مدى الانفتاح على اكثر ما أمكن من الاطياف الفكرية والسياسية عند صياغتها. في التجارب المتعثرة بشكل متكرر منذ ثورة 25 يناير في مصر والتي أدت الى دساتير مثيرة للجدل وأحيانا معطلة تم اعتماد الاستفتاء. في نهاية الأمر كانت مختلف التجارب قائمة على مجموعة تمثل جزءا من الاطياف السياسية والفكرية المختلفة للشعب المصري يتم انتقاؤها من السلطة الانتقالية (آخرها “لجنة الخمسين”) او هي منتخبة لكن لا تمثل الا أغلبية ليست توافقية (“مجلس الشورى” الذي كانت تهيمن عليه القوى الاسلامية). سواء في حالة “الإعلان الدستوري” من قبل الرئيس مرسي او عبر “لجنة الخمسين” التي تم تنصيبها في سياق انقلاب 3 تموز/ يوليو أصبح الدستور ليس ارضية للتوافق كما يجب ان يكون، بل أحد ادوات الصراع السياسي والاستقطاب الفكرس والسياسي الحاد.

هكذا كانت مقاربة “المجلس الوطني التأسيسي” بما هو مؤسسة منتخبة تعيد تأسيس الجمهورية عبر دستور جديد يمثل مختلف الأطياف وخاصة من خلال اطار “لجنة التوافقات” التي تمثل مختلف الاطياف السياسية والفكرية التونسية بشكل متساوي دون اعتبار للأغلبية والأقلية. وهكذا فإن ضمان أغلبية الثلثين او ما يتجاوزها للتصويت على الدستور في المجلس كانت هدفا اساسيا لمختلف القوى بما يجنب البلاد خيار الاستفتاء وما يمكن ان يفرزه من انقسام حول الوثيقة، رغم شرعية هذه الصيغة ذات التفويض الشعبي المباشر.

الاختلاف الثاني على مستوى المضمون. كان مشكل الدستور التونسي الأول الذي تم التصديق عليه سنة 1959 في تطبيقه بالأساس، حيث احتوى قيما تجديدية متسقة مع عصره خاصة على مستوى الحقوق والحريات. وكانت احد الصيغ الاساسية التي وفرت امكانية تجاوز المبادئ الدستورية هو غياب محمكمة دستورية، ايضا تحديد الدستور بترسانة قوانين من خلال صيغة “مثلما يحدده القانون”. وهكذا كان من البديهي إقرار إنشاء محكمة دستورية لمواجهة أي تعدي على الدستور من خلال القوانين التي يمكن تشريعها، و كانت أحد التحديات المطروحة خاصة بالنسبة لباب “الحقوق والحريات” هو تعطيل أي منفذ لتهديد الحريات عبر القانون. وعلى هذا الاساس تم التوافق على صيغة استجابة القوانين لمبدأ الضرورة.

في المقابل بدا الدستور المصري خاصة في نكسته الاخيرة غير قادر على تجاوز مسألة اساسية وهي “مدنية” السلطة سواء في علاقة بسلطة العسكر والمرجعية الدينية. من جهة، هناك عدم قدرة على الحسم، حيث يؤكد مشروع الدستور من جهة على أن الشريعة الاسلامية مصدر رئيسي للتشريع، في حين تمت محاولة لإحداث التوازن عبر إضافة عبارة “الحكم المدني” للنظام السياسي، وهو ما تم التراجع عنه في آخر صيغة الى عبارة “حكومة مدنية”. وقد تم التمسك في الدستور التونسي بعبارات لا تجعل الشرعية مصدرا للتشريع وتؤكد على الطابع المدني للدولة و”كونية حقوق الانسان”.

بيد ان النقطة الأكثر بروزا من حيث عدم قدرة الدستور المصري على تجاوز عقبات الماضي فيه بل ومزيد ترسيخ ميزات النظام السياسي الاستبدادي فيه تلك المتعلقة بوضع القوات المسلحة المصرية. إذ منذ ثورة 23 يوليو بقيت الدولة المصرية ولو بأغطية متنوعة تحت سيطرة المؤسسة العسكرية العتيدة سواء في المستويات السياسية او الادارية او الاقتصادية. ولم يقم الدستور الاخير، مثلما الحال مع ما قبله، الا بترسيخ هذا الوضع بل الزيادة فيه. مثلا لا بد أن تؤخذ موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة (الذي يتكون من قادة الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة الذي يعينهم وزير الدفاع ورئيس الأركان بالتشاور مع رئيس الجمهورية) على تعيين وزير الدفاع وذلك لمدة ثماني سنوات (مدتين رئاسيتين كاملتين). وهذه اشارة واضحة الى محاولة الحفاظ على وضع الفريق اول عبد الفتاح السيسي من خلال الدستور. بما يشكل خضوعا للمبدأ الدستوري على حساب اللحظة السياسية التي تتجه على مستوى السلطة الحالية لترسيخ التأثير العسكري الاستثنائي على الحكم. في ذات السياق تم التأكيد وبشكل اوضح على امكانية محاكمة المدنييين في محاكم عسكرية وهي النقطة التي اثارت الكثير من الاحتجاجات من قبل قوى مدنية وليبرالية بعضها شارك في مسيرات 30 حزيران/ يونيو.

صياغة الدستور في سياق تأسيس ديمقراطي حقيقي، كما هو الحال في تونس، في مقابل صياغة دستور في سياق يشهد تراجعا واضحا عن الانتقال الديمقراطي، كما هو الحال في مصر، يجعل روح الدستور مختلفة جوهريا في البلدين. من الطبيعي ان تسترجع مصر اذا اجواء الانظمة الاستبدادية من أجل الدعاية للدستور من خلال اشكال المؤتمرات الجماهيرية التي تهيمن عليها الهتافات بحياة الزعيم المخلص حتى لو ادى ذلك الى إقحام اتحادات مربي الدواجن. بلا أي شك، تستحق مصر اكثر بكثير مما يريدها لها حكامها الحاليون. ولن يستكمل التونسيون فرحتهم الا اذا استرجع المصريون مسار الانتقال الديمقراطي والتوافق على دستور يستوجب عملا معقدا فشل فيه حتى الآن كل من حكم البلاد بعد الثورة.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: