ml

طفولة تونس… الجريمة وغياب القصاص/ بقلم محمد هنيد

طفولة تونس… الجريمة وغياب القصاص/ بقلم محمد هنيد

 

لم تكن الثورة التونسية ولم يكن ربيع العرب في عُمقه العميق سوى تعبيرا واعيا من الجماهير الغاضبة عن حقها في الحرية باعتبارها التمثيل الأسمى والأعلى لقيمة العدل. فالعدل بما هو أساس أسس العمران البشري حسب التصور الخلدوني لا يقتصر في حدّه الأدنى على دفع الظلم والنهي عن المظالم بل يتجلى في اعتباره شرط الوجود البشري نفسه فيصلُح بصلاحه ويفسد بفساده وهو ما يجعل العدل والاجتماع البشري وجهان لنفس الكيان الحضاري.

الربيع العربي ورغم كل الضربات الدامية التي أُلحقت به لا يزال وسيبقى يُعبّر طويلا و في كشْف لا متناه عن الخصائص الدفينة للأمة الجريحة وعلى رأسها مطلبها بتحقيق العدل وتحقيق الحرية بعدما استبسل نظام الوكالة الاستعماري العربي في تصفية الإرث الحضاري والقيمي للأمة وحوّلها إلى ساحات مفتوحة للموت والقتل والاغتصاب والذبح.

ففي مشهد مهيب تظاهر بالأمس مئات الأفراد من الفقراء وأبناء أحزمة الفقر ـ التي تلف عاصمة “المجاهد الأكبر ” و “رجل التغيير”ـ أمام مقر رئاسة الحكومة بالقصبة للمطالبة بتنفيذ حكم الإعدام في حق أحد المجرمين والقتلة. فقد اهتز الشارع التونسي بعنف شديد خلال الأيام القليلة الماضية على وقع جريمة جاوزت كل حدود البشاعة والتوحش وقد راح ضحيتها ملاك صغير لم يتجاوز الخامسة من عمره بعد اعتداء وحشي يصعب وصفه في هذه السطور.

الجريمة ليست الأولى من نوعها في تونس ولا في المنطقة العربية ولكن أطوارها وبشاعتها وحدوث فصولها الأولى أمام الناس وفي وضح النهار هو الذي أحدث صدمة ستكون عواقبها خطيرة جدّا على المشهد الاجتماعي والسياسي مستقبلا. أضف إلى ذلك أن المجرم رقيب بالجيش الوطني وفرد حامل للسلاح وهو ما يحمّل الجريمة أبعادا أخطر على المستويين الأمني و الاجتماعي للفرد وللمجموعة. خلاصات كثيرة يمكن الوقوف عليها وتأملها بعد استقراء ردود الأفعال الشعبية الواعية على هذه الجريمة النكراء:

أهمّ هذه الخلاصات تتجلى في حجم التعتيم الإعلامي الذي حظيت به الجريمة على بشاعتها خاصة من طرف إعلام الثورة المضادة الذي لا يزال يتحكم في المشهد التونسي رغم ما مُني به من ضربات قاصمة خلال الأشهر الأخيرة بفضل انتشار سياسة المقاطعة لقنوات الثورة المضادة وإعلام العار التابع لها. فالمقارنة بين التغطية الإعلامية لجرائم أقل حجما خلال حكم الترويكا وبين التغطية اليوم لجرائم أشد بشاعة تكشف حجم التزييف الذي تمارسه هذه الأذرع الإعلامية ومدى خطورتها على الأمن الوطني وعلى السلم الاجتماعي.

الكارثة الأعظم هو أن الكثير من المواقع الاجتماعية المستقلّة ترى أن الإعلام التونسي مشارك مباشر في الجريمة بسبب عقود من نشر الرذيلة ومحاربة القيم والتطبيع مع كل المحرمات من زنا وخمر وقمار وعلاقات محرمة… هذا المشروع دشنه الرئيس الهارب عبر برامج مرئية ذات تمويل صهيوني مباشر وشركات وهمية تسبب في خرق كبير لمنظومة القيم الاجتماعية المشتركة مع انتشار واسع لكل أشكال الانحراف والسموم الاجتماعية والسلوكية.

هذا المنحدر المرعب الذي يُدفع إليه شباب تونس دفعا خلق نوعين من ردود الأفعال المرضيّة المباشرة.

أوّلها التطرف والالتحاق بجماعات العنف في ردّ فعل على إرهاب الدولة وتطرف الإعلام وثانيها الانسياق وراء الجريمة والانحراف خاصة مع انسداد الآفاق وانعدام التشغيل وتفشي الفساد والرشوة والمحسوبية في كل مفاصل الدولة والمجتمع وانتشار المخدرات في كل مكان بما فيها المدارس والمعاهد.

من دروس تواتر هذه الجرائم البشعة كذلك هو وضوح الخلل الكبير الذي تعاني منه المنظومة الأمنية والقضائية والتشريعية في الحدّ من هذه الانحرافات الغريبة عن مجتمعاتنا العربية والإسلامية. فالتساهل القانوني المقصود في بعض الأحيان مع المجرمين وتملص أصحابها من القصاص العادل هو الذي شجّع غيرهم على ارتكاب جرائم أخرى تفوقها وحشية وعنفا.

لكن تبقى التربية والتعليم بما هما جوهر المنظومة الأخلاقية والاجتماعية أهم المرتكزات التي يجب التعويل عليها في استباق مثل هذه الجرائم وتحصين الفرد والمجموعة من الانحراف والشذوذ وتوفير الأطر اللازمة لدعم الجانب القيمي والأخلاقي الفردي والجماعي من أجل منع توفر الشروط المؤدية إلى الجريمة والعنف.

لا أحد يستطيع أن ينكر حجم الخراب الذي أحدثه النظام الاستبدادي في عهدي “بورقيبة وبن علي” بـــبنية القيم في تونس عبر برامج التجفيف والتصحير والتغريب المتوحش فنحن نحصد اليوم سنوات من تجريف الهوية وضرب الشخصية الوطنية ومحاربة اللغة والعقيدة من أجل منع كل أسباب النهوض والانعتاق. ولعل هذا الخراب العام هو الذي يفسر في جزء كبير منه عجز النخب السياسية وعجز المجتمعات التي عرفت ثورات شعبية كبرى عن تحقيق مسارها الانتقالي والانطلاق نحو مجتمعات العدل والحرية لأن الأسس التي تتأسس عليها النهضة قد خُرّبت ولا بد من إعادة بنائها من جديد.

هكذا تُطرح اليوم وأكثر من أي وقت مضى مسألة تربية الفرد والمجموعة وفق قواعد الشخصية الوطنية بمقوماتها الحضارية الأصيلة كأهم السبل للخروج من القاع الذي وقعت فيه أغلب الدول العربية فبناء الإنسان في نظرنا أهم ألف مرّة من كل النظريات والأيديولوجيات التي لم تورّث غير الخراب والأنقاض وفرق الموت المتربصة.

عربي 21

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: