69649_406344456121115_785363364_n

ظاهرة الاهتداء المفاجئ

ظاهرة الاهتداء المفاجئ

 يقصد بالاهتداء المفاجئ؛ التحول السريع من الكفر إلى الإيمان، والخروج من الضلالة إلى الهداية، لمجرد الاتصال برسول الله . وقد صار هذا التحول ظاهرة اتسمت بها الدعوة النبوية، في مختلف مراحلها وكأنها السمة لها. فما سببها؟.

 شكَّل وجه رسول الله النوراني، وقلبُه المغناطيسي، طاقة نورانية هائلة كانت السر من وراء الإنجازات الحضارية المعجِزة في سيرته، على مستوى الدعوة إلى الله، وعلى مستوى العمل السياسي والاجتماعي. فنوره يأسر القلب والعقل معًا.

 لقد كانت الطاقة النورانية للرسول المحرك الأول للدعوة. وأبرز ثمارها ذلك التحول السريع الشامل لباطن الصحابة وظاهرهم لمجرد اتصالهم به وإقبالهم عليه . ولاستجلاء هذا الأمر نقدم لنماذج من الصحابة يبدو من خلالها عامل الجاذبية الباطنية بين الداعي والمدعو، وقد يستعصي على العقل المادي (الإستشراقي والمتغرب) إدراك كنهه، وتفسير آثاره الإيمانية العظيمة!.

أولا ـ عمر بن الخطاب([2])(ت24هـ):

 كان عمر بن الخطاب من أشد المعارضين أذى للمنتسبين للدعوة الجديدة. وقد يئسوا من إسلامه. حتى إن عامرا بن عبد الله(ت18هـ) رأى أن إسلام حمار الخطاب أهون من إسلام عمر!. “قالت أم عبد الله بنت أبي حثمة، وكانت زوج عامر بن عبد الله، إنا لنرحل إلى أرض الحبشة، وقد ذهب عامر لبعض حاجته، إذ أقبل عمر وهو على شركه حتى وقف علي، وكنا نلقى منه البلاء أذىً وشدة، فقال: أتنطلقون يا أم عبد الله؟ قالت: قلت: نعم والله لنخرجن في أرض الله، فقد آذيتمونا وقهرتمونا، حتى يجعل الله لنا فرجاً. قالت: فقال: صحبكم الله، ورأيت له رقة وحزناً”([3]). فأخبرت زوجها بما لامست في عمر من اللِّين. قالت: “لو رأيت عمر ورقته وحزنه علينا – كأنها تطمع في اهتدائه إلى الإسلام، فقال لها – و”يأسا منه لما كان يرى من غلظته وقسوته عن الإسلام”([4]): “لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب”([5]). فقد بلغ من شدته وغلظته ما أيأس عامرا من إسلامه وقال قولته تلك، وذلك ظنه به لما يرى ويشاهد. ولكن الله عنده علم الغيب ويهدي من يشاء إلى سواء السبيل؛ فسوف يهديه الله تعالى ويحسن إسلامه، ثم يصير نقمة على الكفار.

 نقف هذه الوقفة مع لحظات تحول عمر بن الخطاب(ت24ه) من الكفر إلى الإيمان، من البغض إلى الحب، من النفاق إلى الصدق، من محاولة اقتراف الجريمة النكراء إلى الدفاع عن حوزة النبوة، في لحظة وجيزة من الزمن، لمحاولة فهم الظاهرة. فكيف حدث التحول؟.

 خرج عمر متقلداً سيفه فلقيه نعيم بن عبد الله بن أسيد(ت13هـ) وهو من أعضاء الخلية الدعوية السرية. “فقال: أين تريد يا عمر؟ قال: أريد محمدا، هذا الصابئ الذي فرق أمر قريش، وسفه أحلامها وعاب دينها وسب آلهتها، فأقتله”([6]). ورسول الله في المقر السري دار الأرقم. ولك أن تتصور، هنا، حال عمر المهيب الغليظ! وهو ينوي على الشر!.

 اهتزت الأرض تحت قدمي نعيم بن عبد الله(ت13هـ) وخاف على حياة رسول الله فقال له: “والله لبئس الممشى يا عمر! ولقد فرطت وأردت هلكة عدي بن كعب! أو تراك تفلت من بني هاشم وبني زهرة وقد قتلت محمداً؟ فتحاورا حتى ارتفعت أصواتهما، فقال له عمر: إني لأظنك قد صبوت، ولو أعلم ذلك لبدأت بك!”([7]). رأى نعيم أن هذه الحيلة لم تغن عنه شيئا. فرأى أن يصرفه بأمر أشد على نفسه، يربك حساباته، ويغير وجهته ويحول قبلته! فقال: “أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ قال. وأي أهل بيتي؟ قال ختنك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو وأختك فاطمة بنت الخطاب، فقد والله أسلما، وتابعا محمدا على دينه فعليك بهما؛ قال فرجع عمر عامدا إلى أخته وختنه، وعندهما خباب بن الأرت معه صحيفة فيها: (طه) يقرئهما إياها”([8]). فتوجه شطرهم “فلما سمعوا حسه تغيب خباب(ت37هـ) في مخدع لهم أو في بعض البيت، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع حين دنا من البيت قراءة خباب عليهما، فلما دخل قال: ما هذه الهينمة التي سمعت؟ قالا له: ما سمعت شيئا. قال: بلى والله لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا على دينه”([9]). و”بطش بختنه سعيد بن زيد، فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها فضربها فشجها. فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه: نعم قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك. فلما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع وارعوى”([10]). لما أراد الله أن يغسله من رجس الكفر ويطهره من أدرانه قال لأخته: “أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرؤون آنفا، أنظر ما هذا الذي جاء به محمد”([11]). وطمعت أخته في إسلامه. فطلبت منه أن يغتسل لتناوله الصحيفة. “فقام عمر فتوضأ، ثم أخذ الكتاب فقرأ: (طه) وحتى انتهى إلى قوله (عز من قائل): (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)([12]). اقتربت ساعة التوبة والإنابة فتفجر قلب عمر بالرقة والرحمة ولين الخطاب، “فقال عمر: دلوني على محمد. فلما سمع خباب قول عمر خرج من البيت، فقال: أبشر يا عمر؟ فإني أرجو أن تكون دعوة رسول اللّه لك ليلة الخميس: قال: (اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام)”([13]).

 اصطحب خباب بن الأرت(ت37هـ) عمرا وتوجها إلى قبلة الهداية ومستودع الأنوار والأسرار بالمقر السري بمنطقة جبل الصفا. فوجد الصدر رحبا وباب التوبة مُشرعا. قال عمر، وهو يحكي عن هذه اللحظات: “قرعت الباب. قيل: من هذا. قلت: ابن الخطاب. قال: وعرفوا شدتي على رسول الله ولم يعلموا إسلامي، قال فما اجترأ أحد أن يفتح الباب. (أذن له رسول الله بالدخول). “قال: فقال رسول الله: افتحوا له فإن يرد الله به خيرا يهده. قال: ففتحوا لي وأخذ رجلان بعضدي حتى دنوت من النبي فقال: أرسلوه”([14]). – وبقية المشهد التاريخي الرائع، يشعرك بالتأييد الإلهي للدعوة والداعية -. قال: “فأرسلوني فجلست بين يديه… فأخذ بمجمع قميصي فجبذني إليه ثم قال: أسلم يا ابن الخطاب. اللهم اهده”([15]). – لمسة من رسول الله أخرجت عمر من الظلمة إلى النور!-. “قال: قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. قال: فكبر المسلمون تكبيرة سمعت بطرق مكة”([16]). أسلم عمر الذي أيس الناس من توبته!! “عن ابن عباس (ت68هـ) قال: لما أسلم عمر رضى الله عنه نزل جبريل عليه السلام على النبي فقال: يا محمد لقد استبشر أهل السماء بإسلام عمر”([17]).

 أعظم بها من فرحة هي فرحة رسول الله. أي لسان يملك لغة التعبير عنها، وأية صحيفة تتسع لأقطارها، وأي كتاب يكشف لك عن عظمة هذا التائب الفاروق، وأي مقال يكشف لك عن أسرار هذا الاهتداء المفاجئ العظيم، إنه القرآن الكريم مفتاح الأفئدة، وإنه رسول الله نور القلوب، عين الرحمة ومنبع الأنوار.

ثانيا ـ فَضَالَة بن عُمَيْر بن الملوح:

 نموذج آخر يبرز ظاهرة الاهتداء المفاجئ هو فَضالة بن عمير، الذي “أراد قتل رسول الله غدرا من خلفه وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه قال رسول الله: “أفضاله؟” قال: نعم. قال: ماذا كنت تحدث به نفسك؟ قال: لا شيء، كنت أذكر الله، فضحك رسول الله ثم قال: “استغفر الله”([18]). قال ابن هشام(ت213هـ): “ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه”([19]). فكان فضالة يقول “فو الله ما رفعها حتى ما خلق الله شيئا أحب إلي منه”([20]). لمسة مباركة من نبي الله حولت البغض حبًّا، والكفر إيمانًا، أحيت القلب بعد موات!!. “قال فضالة فرجعت إلى أهلي فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها فقالت هلم إلى الحديث فقلت لا. يأبى علي الله والإسلام”([21]).

 أية لمسة مباركة تلك التي حولت المبغض إلى محب؟، وأي انبعاث عقلي وفكري وروحي ووجداني وسلوكي هذا الذي ألجم فضالة عن أن يقترف محرما؟. وأي داعية ذاك الذي حول الظلمة إلى نور؟! يبطُل العجب إذا علم المرء أنها بركة الرسول الكريم، المؤيد بالله تعالى في قوله وفعله وحركاته وسكناته. إذ بنوره الأخاذ شغف القلوب وشغل العقول ولا يزال!.

 فما أحوج الأمة اليوم، إلى عالم ورث نورانية رسول الله وورث من بركاته. يدعو إلى الله على بصيرة، يهدي الله بدعائه العصاة. كما اهتدى عمر بن الخطاب(ت24ه) بدعاء رسول الله، ويضع يده على صدر المرء فيتحول كما تحول فَضالة من الكفر إلى الإيمان، ومن المعصية إلى الطاعة. وما ذلك على الله بعزيز، وقد بشرنا رسول الله أن [العلماء ورثة الأنبياء]([22]). وأن الله يبعث لأمة النبي على رأس كل 100 سنة من يجدد لها دينها. عَنْ شَرَاحِيلَ بْنِ يَزِيدَ الْمُعَافِرِيِّ، عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: [إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا]([23]). والمجدد هو العالم “الوارث” صاحب العلم النافع واليقين الصادق والدعوة الصحيحة، ببركة وراثته النبوية يفتح أغلاق الأفئدة ويجدد الدين بتجديد أفكار المتدينين بإذن الله تعالى.

ثالثا ـ شيبة بن عثمان الحجبي (ت61هـ):

 شيبة بن عثمان(ت61هـ) واحد ممن أراد الله بهم الخير، وقد كان على مثل ما كان عليه عمر بن الخطاب(ت24ه)، وفضالة من الانحرافات الثقافية والاعتقادية والسلوكية. تأثر بمغناطيسية النبي فحدث له التحول الجذري السريع. فكيف تم ذلك؟. روى بنفسه قصة اهتدائه المفاجئ. قال: “لما كان عام الفتح ودخل رسول الله مكة عنوة قلت أسير مع قريش إلى هوازن بحنين، فعسى إن اختلطوا أن أصيب من محمد– غرة فأثأر منه فأكون أنا الذي قمت بثأر قريش كلها” – وكان يعتقد جازما أنه – “لو لم يبق من العرب والعجم أحد إلا اتبع محمدا، ما تبعه أبدا”([24]). وقال: “فلما اختلط الناس اقتحم رسول الله عن بغلته وأصلت السيف، فدنوت أريد ما أريد منه، ورفعت سيفي حتى كدت أسوره، فرفع لي شواظ من نار كالبرق كاد يمحشني، فوضعت يدي على بصري خوفا عليه”. – هذا من عصمة الله لنبيه – قال: “وتبسم ـ ـ وعرف الذي أردت، فمسح صدري، وذهب عني الشك”([25]). ودعا له رسول الله بأن يعيذه الله من الشيطان، فبالمسحة المباركة تبدلت المشاعر والأحاسيس والنوايا في لحظة. قال: “فوالله لهو ساعتئذ أحب إلى من سمعي وبصري ونفسي وأذهب الله ما كان في. فقال له رسول الله: يا شيب قاتل الكفار”([26]). فتحول حينها إلى مجاهد يجود بنفسه في سبيل الدعوة. قال: “فتقدمت أمامه أضرب بسيفي وأقيه بنفسي ولو لقيته أبي تلك الساعة لأوقعت به دونه”([27]). ولشدة ما رزقه الله من الحب “لزمه فيمن لزمه فدخل عليه خباءه حبا لرؤية وجهه وسرورا به فقال له رسول الله: يا شيب، الذي أراد الله بك خير مما أردت بنفسك، ثم حدثه بكل ما أضمر في نفسه مما لم يكن يذكره لأحد قط، قال فقلت فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ثم قال: استغفر لي. فقال: غفر الله لك”([28]). فما سر ذلك التحول العميق السريع المفاجئ الذي يدهش العقل؟!.

 وهناك نموذج آخر (إلى جانب نماذج كثيرة) يستحق الدراسة والبحث هو ثُمَامَةُ بْنُ أُثَال(ت11هـ) داعم سيد اليمامة مسيلمة الكذاب(ت12هـ) الذي قتل جماعة من المسلمين فأهدر الرسول دمه فاعتقله المسلمون. وحين أيقن بالموت أطلق النبي سراحه، وقد عامله برحمة وبلطف وجاذبية. مما دفعه إلى الإسلام وتحول إلى داعية إلى الله؛ دعا قبيلته وساهم في فرض حصار اقتصادي على قريش بمنع وسق الحبوب إلى مكة([29]). يذكر ابن قانع(351هـ/962م) أن ثمامة قال: “يا محمد(ص) ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، وما على الأرض وجه أحب إلي من وجهك”([30]). ثم قرر أن يمارس عليهم ضغطا اقتصاديا فقال: “والله لا يحمل إلى مكة جبة من طعام حتى يسلموا فقدم اليمامة فحبس عنهم”([31])، فأثر فيهم ذلك كثيرا فكتبوا إلى النبي “إنك تأمر بصلة الرحم وإن ثمامة قد حبس عنا الحمل، فكتب إليه النبي فحمل إليهم”([32]).

 بكلمة، إذا كانت دوافع المعارضة القريشية الرافضة للدعوة تتجلى في العوامل الدينية والنفسية والقلبية والسياسية والاقتصادية المتداخلة. فإن الأسرار المحركة للدعوة تتجلى في شخص النبي؛ قلبه النوراني الجذاب وبيانه الأخاذ ومغناطسيته الروحية.

(رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ). البقرة:201.

 

محمد أفقير(صهيب)

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: