ظلوم جهول..!

الإنسان ذلك المخلوق الذي تميز على سائر المخلوقات بميزات كثيرة ,فهو المخلوق الوحيد الذي نفخ الله فيه من روحه وجعل له السمع والبصر والفؤاد ,أوجد فيه  سبحانه الإرادة , فهو قادر على أن يقول نعم وان يقول لا , أن يفعل وان لا يفعل , وهذه الخاصية ليست إلا في الانسان ” إنا هديناه السبيل إما شاكرا بما كفورا “ (1), هذا من التكريم للإنسان  فهو حر مختار , وأي فعل يقع منه على غير إرادة منه فهو فعل غير محاسب عليه ولا مؤاخذ ” ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا “(2) ( رفع عن أمتي الخطأ و النسيان وما استكرهوا عليه ) ,يقول تعالى على لسان الشيطان ” وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن وعدتكم فاستجبتم لي “ (3)، ولقد ميز الله تعالى الإنسان بالعلم ورفعه بذلك على سائر المخلوقات ومنها الملائكة ” وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين , قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا انك أنت العليم الحكيم” (4) . وهذا العلم الإنساني يزيد ولا ينقص ” وقل رب زدني علما “(5) ومن تكريم أو تميز الانسان أن الله تعالى سخر له ما في السماوات  وما في الأرض ” وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره  وسخر لكم الأنهار ، وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار “(6) وكل هذا جزء من التكريم لبني آدم “ولقد كرمنا بني آدم “(7) ومن أعظم التكريم والتميز أن خصه الله تعالى بالهدى والإيمان فجعل منه وفيه الأنبياء الذين يتلقون عن الله الهدى والنور كي لا يضل الانسان ولا يشقى ، ليعيش على هذا الكوكب حياة الطمأنينة والخير والأخوة والتراحم والتعاطف والإيثار ..

لكن هذا الانسان بكل هذه الامتيازات يبقى ضعيفا ” يريد الله أن يخفف عنكم ، وخلق الانسان ضعيفا “ (8) وقد يقع عليه الظلم والعنت وانتهاك حقوقه من بني جنسه ” إن الانسان لظلوم كفار “(9)

وإنما يقع الظلم من الانسان عندما يتجرد من المعاني الإنسانية الفطرية التي من أعظمها وأجلها حب الإنسان لأخيه الإنسان ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )

وعندما يفقد الإنسان الإحساس بأخيه الإنسان (والله لا يؤمن من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم ) وكذلك عندما يهبط إلى الأرض متثاقلا إليها لا يهمه إلا خشاش الأرض يأكل ويتمتع فاقدا كل إحساس بمصاب الآخرين من بني جنسه إذا اشتكى منه عضو لا يتداعى له سائر الأعضاء بحمى ولا سهر ، مشبع بالأنانية وحب الذات ، لا يؤثر أخاه على نفسه بل يأكل نفسه هنيئا مريئا …..

هذا الانسان الضعيف الذي يطغى ، ويعرض عن الحق وينأى بجانبه ، الذي خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا ، يحتاج حتى تنضبط حركته وتستقيم إرادته ولا يشتط في غلوائه ، فيظلم نفسه التي بين جنبيه أولا ثم نفسه الإنسانية ،يحتاج إلى ضوابط وكوابح وترغيب وترهيب مع الإرشاد والتعليم والتربية . يحتاج إلى قوانين فيها كل ذلك تبين له حقوقه ، وتوفرها له وتبين له واجباته المناطة به وتلزمه بها حتى يتحقق التوازن بين الأخذ والعطاء…

ومما يؤسف له أن الانسان يطلب الحق الذي هو له بتهربه  من الواجب الذي هو عليه وتأخذه الغفلة الشديدة عن الحقيقة أن الحق الذي يطلبه هو واجب على الآخرين تجاهه وان الواجب الذي عليه هو حقوق الآخرين ،فإذا لم يؤد الواجب لم يصله الحق …

وعندما قام الانسان وأنشأ الجمعيات والمنظمات وسماها “حقوق الانسان ” لم يستطع أن يوضح المسالة آنفة الذكر ، فظن الانسان أن له حقا يجب أن يصله وغفل عن أن عليه واجباً يجب أن يوصله .

اضرب مثلا : فعندما يقطع الإسلام يد السارق فانه بذلك يعطي حق الآخرين من الأمن على أموالهم أولا ويمنع السارق في الوقت نفسه من القيام بالسرقة خوفا على يده من القطع ثانيا ويحمي السارق نفسه من أن يعتدي أحد عليه وعلى ماله هو .

فحكم القطع أعطى حق الأمن للناس جميعا من خلال واجب تطبيق هذا الحكم وواجب كفاية الناس سكنا ومطعما وتعليما وعلاجا . أرأيتم كيف تداخل الحق والواجب ؟! بشكل مدهش والشاهد على نجاعة ونجاح هذا الحكم (المثال) لم تقطع خمسة أيد طيلة ألف عام ، فعندما لم يستطع الحاكم القيام بالواجب _كفاية الناس عام المجاعة (حق الأمن الغذائي ) لم يعاقبهم على عدم القيام بواجب الأمانة . هذا مثال واحد بسيط على التلازم بين الحق والواجب والأمثلة أكثر من أن تحصى . ومن هنا إني أرى قصورا أو عدم توفيق في مسمى حقوق الانسان .

وهذا لا يعني الرفض أو تسميته بالبدعة أو الإحداث .كما يرى البعض من المسلمين ” إن فكرة حقوق الانسان بتسميتها وفلسفتها ومضامينها المتداولة اليوم ، هي فكرة غربية وثقافة غربية ” ولكنها “تعد تطورا إيجابيا نوعيا في تاريخ البشرية التواقة دوما إلى عديد ومن الشعارات والنداءات والمكتسبات التي جاءت بها حركة حقوق الانسان الحديثة *** احمد الريسوثي *كتاب الأمة عدد 87.

وهناك قد يرى أن الإسلام اسبق في إقرار حقوق الانسان وذلك من خلال رؤيته أن ” مقاصد الشريعة .. أساس لحقوق الانسان ” في هذا المختصر : فحفظ الدين يضمن حق التدين ، وحفظ النفس يضمن حق الحياة ، وحفظ العقل يضمن حق التفكير وحرية الرأي والتعبير ، وحفظ العرض أو النسل يضمن حقوق الأسرة ، وحفظ المال يضمن حق التملك *** د. محمد الزميلي * كتاب الأمة عدد87 *.

ومن المسلمين من يرى أن حقوق الانسان في الثقافة المعاصرة من مزايا العصر ، ويدعوا إلى الأخذ بها جملة برمتها.

وكما أن البعض كما ذكرت يجعل من فكرة حقوق الانسان غربية وثقافة غربية فهناك من يقول : ( ليس صحيحا ليس مفهوم حقوق الانسان غربي خالص أو انه غريب عن تاريخنا وثقافتنا فان حلف الفضول يمثل أحد معالم التطور التاريخي لحقوق الانسان كما  انه ربما أول جمعية للدفاع عن هذه الحقوق) *** د. علي الدين هلال * في صحيفة أردنية يومية .

وكما ألمحت سابقا فان العقل البشري يظل قاصرا وضعيفا وقد تتحكم فيه مصالح وانفعالات في ظرف ما وتحت مؤثرات معينة ، وهذا لا يعني أن ينعدم الجهد البشري الإنساني من كل صواب أو خير أو حق أو إرادة وسعي لذلك ، فلا إفراط ولا تفريط ، الحكمة ضالة المؤمن وكما قال عليه الصلاة والسلام “نحن أولى بموسى منهم ” فهذا منهج في التعامل مع المنجز البشري ،نأخذ الحق والصواب نحافظ عليه ونحفظه ونزيده حسنا وبهاء وجمالا وننفي الخبث ولا باس من التقاطع مع الآخرين بما يفيد الإنسانية .

 من الظلم للإسلام أن يقارن بغيره ولكن بعض البيان لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .

إن نظرة خاطفة تظهر كم أعطى الإسلام للإنسان وكيف يتعامل معه . فمن خصائص الإسلام الإنسانية أنه دين الإنسان والقران هو كتاب الانسان ولو تتبعنا ورود كلمة الانسان في القران الكريم لوجدنا أنها تكررت ثلاثا وستين مرة ،وتكررت بني آدم ست مرات وكلمة الناس تكررت مائتين وأربعين مرة ، وان أول ما نزل على قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم سورة العلق ذكر فيها الانسان مرتين ” خلق الانسان من علق … علم الانسان ما لم يعلم ” فالوجهة والخطاب للإنسان كونه إنسانا دون تمييز “خلقكم من نفس واحدة” ” وما أرسلناك إلا كافة للناس “(كلكم لآدم وآدم من تراب )، “ليس لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى “.

إنها الوحدة الإنسانية والنفس الواحدة ” من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض كأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا “ فالإسلام يحترم الانسان لأنه إنسان حرم إيقاع الظلم عليه بأي وسيلة وأي سبب ” إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ” *** حديث قدسي * .

ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب مهما كان نوع أو جنس أو لون أو دين هذا الواقع عليه الظلم .

هذه النظرة للإنسان عند المسلمين دين وثقافة وإيمان وقيم ، لا يجادلون فيها ولا يتجاوزونها .

أما من انتكست فطرتهم وارتكست طبيعتهم وأرضعوا الحقد والبغضاء والتعالي والاستكبار فانهم لا يقيمون للمعنى الإنساني وزنا إذا كان الانسان غير ذاتهم العنصرية ” ليس علينا في الأميين سبيل ” ( إنما أهلك من كان قبلكم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، فوالذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ) .

وإن ما سمعناه وشاهدناه من إهانة للإنسان في سجون العراق لهو الشاهد والدليل القريب على أن المرتكسين فطريا وثقافيا مهما بلغوا وتبجحوا فإنهم لن يكونوا مؤهلين لقيادة ركب البشرية نحو الخير والسعادة والفضيلة ، ولن يوصلوا الإنسان إلى ساحل الأمن والأمان  ، وما دعواتهم ورفعهم لشعارات حقوق الإنسان إلا عصا غليظة يحطمون بها رؤوس مخالفيهم هم ، والخارجين على قوانينهم هم ، ومن المفارقات الفاضحة أن وزارة الخارجية الأمريكية أجلت إعلان تقريرها السنوي لحقوق الانسان في العالم وسط فضيحة أمريكا في سجون العراق ، وقد انكشفت عورتها وبان زيف ادعاءاتها .

إن ما حدث في سجون العراق ليس حالات فردية, إنه ثقافة ومنهج وتفكير وقيم ولقد اعترف وزير الدفاع الأمريكي أن لديه أشرطة فيها اكثر مما ظهر في وسائل الإعلام وكان يعلم بذلك .

إذن الضجة والفضيحة سببه انكشاف الأمر وليس وقوعه ووجوده فقد كان ولن ينتهي ، وأنا على يقين بان أمريكا ستعمل على ألا تنكشف مرة ثانية لا أن تقلع وتنتهي لأنها لا تستطيع إلا الاستعلاء والاحتقار للآخر . إنها الثقافة .

أرأيتم كم من بلد وأرض دخلها الإسلام سلما وحربا ، لم يسجل التاريخ حالة واحدة أسيء فيها لأي إنسان من إهانة أو ظلم ، بل إن التاريخ سجل بحروف من نور بعض المخالفات ومعالجاتها وما قصة القبطي مع ابن عمرو بن العاص والي مصر وكيف تعامل معه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب بحاجة إلى ذكر فأطفالنا يحفظونها ونرددها بكل فخر واعتزاز .

وعندما انسحب المسلمون من دمشق لمواجهة الروم في المعركة الحاسمة في اليرموك ، أرجع المسلمون ما أخذوه من أهل دمشق من أموال .. رفض أهل دمشق وطلبوا من المسلمين البقاء في المدينة حتى لا يعود إليهم الرومان ثانية ؟!

ويقيني أيضا أن الذين أوقعوا علينا الظلم ولا يزالون يصبون علينا أصناف العذاب من القتل والتشريد والإبادة والإهانة في أصقاع الأرض المختلفة ، إذا دالت دولتنا وتمكنا منهم لن نقول لهم إلا ما قال نبي الرحمة والإنسانية الذي قال الله فيه ” وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين “ سنقول لهم اذهبوا فانتم الطلقاء وسندعوهم برحمة الله الرحمن الرحيم إليهم ” قل يا أهل  الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فان تولوا فقولوا اشهدوا بانا مسلمون ” لن نقول كما قالت أمريكا : من ليس معنا فهو ضدنا ، بل ” لا إكراه في الدين “ ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر )

أي والله لن يكون منا إلا ذلك فاعتبروا يا أولي الألباب ، بل وأكثر من ذلك فإن من آمن بالله واليوم الآخر واستجاب لأمر الله تعالى فهو الأخ ” فان تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين “

 

نبيلة الخطيب

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: