عاصفة الحزم أثبتت قدرة السعودية على قيادة حملة جوية طويلة ومعقدة.. (تقرير ابراهيم درويش)

بعد شهر من الغارات الجوية التي قام بها تحالف تقوده السعودية ضد المتمردين الحوثيين في اليمن، طرحت أسئلة حول ما حققته الحملة حتى الآن. فالعميد أحمد العسيري المتحدث باسم الحملة قال إن العملية العسكرية حققت أغراضها واضعفت قدرات الحوثيين وحركتهم. ورد هؤلاء بالهجوم على معسكر في تعز أدى للعودة من جديد إلى الغارات الجوية بعد ساعات من الإعلان عن وقفها. وهو ما فسره السفير السعودي في واشنطن عادل الجبير بالمرحلة الجديدة في العملية التي ستركز على ضربات محدودة وستكون ردا على هجمات الحوثيين، كما حدث في تعز والمهمة الجديدة لعاصفة الحزم كما أطلق على العملية في 26 آذار/ مارس هي «إعادة الأمل» والبحث عن حل سياسي للأزمة اليمنية.

[ads2]

وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» قد نشرت يوم الأربعاء أن قرار وقف الغارات جاء بضغط أمريكي وبسبب زيادة الضحايا المدنيين وعدم وضوح الإستراتيجية التي ترغب الحملة في تحقيقها، لكن معاودة الغارات تضع الإدارة أمام تحد في التعامل مع حلفائها الذين باتت تعتمد عليهم في منطقة الشرق الأوسط.

وقالت «نيويورك تايمز» يوم الخميس إن الجبير في مؤتمره الصحافي يوم الأربعاء تحدث عن تحقيق أغراض العملية دونما الإشارة للضغوط الدولية بمن فيها إدارة أوباما لوقف الغارات التي قالت منظمات الإغاثة الإنسانية والطبية أنها تقتل مئات من المدنيين ودعت لرفع الحظر عن نقل الأدوية والطعام والمياه والوقود التي تسهم في زيادة المعاناة الإنسانية. وبحسب الصحيفة فقد كانت المعاناة الإنسانية وراء الحسابات السعودية.

وتضيف أن مجموعة من المسؤولين الأمريكيين ممن تعاملوا مع السعودية بمن فيهم وزير الخارجية، جون كيري، ومدير وكالة الإستخبارات المركزية، جون برينان فقد كان التحدي أمامهم هو تقديم الدعم لحليف حول كيفية القيام بعملية عسكرية معقدة بدأت نتائجها تؤثر على الأهداف السياسية الأكبر.

والإجابة التي قدمها السعوديون في الوقت الحالي هي إلقاء اللوم على الحوثيين بأنهم وراء استفزاز وهجمات جديدة في محاولة منهم لمنع نهاية الحرب. وكانت مديرة الاتصالات في البيت الأبيض جين بساكي قد تحدثت لشبكة أنباء «سي أن أن» عن الحملة السعودية قائلة «إنهم يخشون على أمنهم، وبالطبع فقد دعمناهم في أفعالهم» و «لكننا نحاول نقل هذا إلى مستوي النقاش السياسي».

ضيق حيلة أوباما
وتعلق الصحيفة أن اصرار السعوديين على مواصلة العمليات العسكرية لسحق الحوثيين تظهر محدودية استراتيجية الإدارة الأمريكية التي تقوم بالعمل مع أو من خلال حلفائها من غرب أفريقيا حتى الشرق الأوسط في قضايا مكافحة الإرهاب.
وتنقل ما قاله غريغوري غوس الثالث، المتخصص بشؤون الشرق الأوسط في معهد بوش للحكم والسياسات العامة بجامعة تكساس إي&أم «عندما يصبح لدى أحد وكلائك ما يشبه الاستقلال فإنك تفقد السيطرة عليهم».
وترى الصحيفة ان التحول في طبيعة العملية التي أعلن عنها السعوديون لا يعني أن أهداف العملية العسكرية قد تحققت وهي إعادة الرئيس عبد ربه منصور هادي إلى السلطة. فالحرب البرية بين الفصائل المتصارعة التي تعرف باللجان الشعبية التي تواجه الحوثيين والموالون لعلي عبدالله صالح، الرئيس السابق.

ففي مدينة عدن دمرت حرب الشوارع أحياء كاملة وقتلت المئات من الأشخاص. ونقل عن مواطن لا يزال في المدينة قوله إن «الحوثيين لا يزالون يواصلون قنص الناس».
وأدت الغارات التي قادتها السعودية إلى تدمير المنشآت العسكرية التي تعود بعضها إلى مؤسسات مكافحة الإرهاب التي دربتها الولايات المتحدة وقتل منذ بداية الغارات ما يقرب عن 1.000 شخص فيما تم تهجير حوالي 150.000 يمني حسب إحصائيات الأمم المتحدة، معظمهم وصل إلى جيبوتي أو أرض الصومال.

ولعل الأزمة الإنسانية المتفاقمة كانت وراء الضغوط الأمريكية على المسؤولين السعوديين لوقف الحملة لأنها لم تعد تحقق الأهداف المرجوة منها حسبما اوردت صحيفة «وول ستريت جورنال» والتي قالت إن الإدارة أرسلت رسائل خاصة حذرت فيها من تطور النزاع إلى حرب حدودية ولم يعد يقدم نتائج.

ونقل عن مسؤول بارز قوله «كلما استمرت الحرب قلت الأهداف المتوفرة للضرب ومعها تزيد معدلات الأضرار الجانبية». وكانت الإدارة قد توصلت بنهاية الإسبوع إلى أن الهجمات على الحوثيين بدأت تؤدي إلى نتائج عسكية خاصة الغارات التي لم تصب الهدف.

ويقول مسؤولون أمريكيون إن السعوديين قد حققوا جزءا من أهدافهم العسكرية خلال الغارات ولكن ليس كلها. ويقول مسؤول آخر بالتأكيد لم يتم وقف الحوثيين أو صدهم»، ولكن السعوديين أرسلوا رسالة تحذيرية للحوثيين وحلفاءهم ودمروا طائرات وأسلحة أخرى كان يمكن أن تستخدم لضرب السعودية.

لم يتبق أهداف
وبحسب «واشنطن بوست» لا تزال الإدارة الأمريكية تواصل تقديم الدعم اللوجيستي والإستخباراتي ولكن مسؤولا قال إن العملية وصلت لمرحلة لم تعد تقدم فيها نتائج إن لم تقدم نتائج سلبية خاصة الآثار الإنسانية.

ويقول مسؤولون آخرون إن السعوديين لم يعد لديهم أهداف ثابتة للضرب خاصة أنهم قرروا عدم إرسال قوات برية. ففي البداية كان من المهم استهداف الأسلحة الهجومية التي يستخدمها الحوثيون إلا أن الغارات وصلت لنقطة لم تعد فيها مؤثرة حسبما قال مسؤول آخر.

وفي الوقت الذي عبر فيه المسؤولون الأمريكيون عن قلقهم من تفاقم الأزمة الإنسانية ومقتل المدنيين إلا أنهم عبروا عن قلق من تأثير الغارات على حملتهم ضد تنظيم القاعدة الذي استفاد من الفوضى وسيطر على مناطق في حضرموت.
وأكد مسؤول أمريكي أن محاربة تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية «تظل أولوية الأمن القومى في اليمن» واعترف أن الفوضى التي نشأت على الأرض عقدت من مهمة قتال القاعدة.

وترى الصحيفة أن دعم الولايات المتحدة للعملية السعودية جاء من أجل تطمين الرياض أن المفاوضات النووية مع واشنطن لن تؤدي إلى تحول في تحالفات واشنطن في المنطقة. وفي الوقت الذي يشارك فيه الأمريكيون السعوديون القلق حول الدور الإيراني ودعمهم للحوثيين إلا أن الأمريكيين لا يرون أن طهران تسيطر على الحوثيين. فبحسب مسؤول فقد قرر الحوثيون التحرك نحو العاصمة صنعاء في إيلول/ سبتمبر وقرروا التحرك جنوبا لملاحقة الرئيس هادي رغم نصيحة الإيرانيين لهم بعدم فعل ذلك.

وفي تقييمه للعملية التي مضى عليها شهر كتب إيشان ثارور في «واشنطن بوست» قائلا إن السعوديين ربما غيروا اسم العملية لكن الواقع على الأرض لم يتغير. وقال إن السعوديين قد لا يكون لهم تأثير على المرحلة المقبلة التي يقولون إنها ستركز على المساعدة الإنسانية وتحقيق تسوية سياسية خاصة أن هناك من يرى أن العملية العسكرية ربما تركت آثارا سلبية.
ويرى الكاتب أن الغارات الجوية وإن قللت منة مخاطر الحوثيين على السعودية إلا أنها لم تفعل الكثير من أجل تحقيق الإستقرار باليمن الذي يعيش حربا بين الحوثيين والحراك الجنوبي. فيما انهار الجيش اليمني وتفكك حيث تقف بعض ألويته مع الحوثيين. ومن هنا ففكرة إجبار الحوثيين على التفاوض تبدو ضعيفة.

ولا زالت قواتهم تحاصر مدينة عدن مما يعني أن السعودية قد تواصل الغارات عليها. وفي جانب آخر أشار ثارور إلى الكارثة الإنسانية والصحية التي يعيشها اليمن ومعاناة القطاع الصحي وعدم قدرته على مواجهة التحديات اليومية التي تفرضها الحرب. كما وأشار إلى منجزات القاعدة التي تحقق مكاسب حتى قبل الغارات السعودية. لكن أهم آثار العملية هي أنها زادت في الإنقسام الذي يعيشه اليوم بين الشمال والجنوب.
وقد علق أنتوني كوردسمان، من معهد الدراسات الإستراتيجية والدولية قائلا إن «التحديات الإستراتيجية للحروب في الدول الفاشلة يجب أن تعالج الأسباب التي أدت لتحولها لدول فاشلة أو أن تصبح نفسها حروبا فاشلة».

امتحان للأمير
لكن الحرب في اليمن تعتبر بمثابة امتحان لوزير الدفاع الشاب الأمير محمد بن سلمان الذي يعتبر صانع قرار الحرب والسلام. وستترك نتائج الحملة أثارها عليه وربما ستحدد إرث والده الملك سلمان حسبما يرى المعلق سايمون هندرسون ومدير برنامج الخليج والطاقة في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى. ورغم أن الكاتب ينشغل كثيرا بالطريقة التي صعد بها الأمير محمد لمجال التأثير في المملكة من خلال منصب وزير الدفاع، ورئيس الديوان الملكي والمجلس الاقتصادي ويعزو هذا لعلاقة الأمير مع والده الذي يقربه إليه.

ويشير إلى تصريحات المرشد الأعلى للثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي الذي وصف السعودية بالدولة التي يحكمها عديمي الخبرة، في إشارة للأمير. لكنه يعود ويقيم الحملة على الحوثيين حيث يرى أن القليل تحقق. فالحوثيون لم يتمكنوا من السيطرة على عدن وأتباع هادي أضعف من سيطرتهم على العاصمة والمدن الرئيسية التي يسيطر المتمردون الحوثيون عليها، فيما يوسع تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية من عملياته ويتحرك بحرية في شرق البلاد. ويقول هندرسون إنه من غير الواضح فيما إن كان الأمير محمد سيتعامل مع الوضع بعد وقف الغارات كفرصة للتوصل لتسوية دبلوماسية أم أنه سيحاول مضاعفة عدد القوات التي يستخدمها واستخدام القوات البحرية ووحدات من الجيش لإلحاق الهزيمة بالحوثيين.

ورغم الإعلان عن مشاركة قوات «الحرس الوطني» في العملية فمن المستبعد شن هجوم بري داخل اليمن بعد اعتذار الباكستان عن المشاركة وامتناع مصر الواضح عن تحويل دعمها الدبلوماسي إلى دعم عسكري.

ويرى هندرسون أن فشل الأمير محمد بن سلمان في تحقيق أهداف العملية العسكرية قد يجعله ضحية سياسية، ولو حدث هذا فقد يجد الملك سلمان نفسه أمام ضغوط لإحداث تغييرات جذرية.

قدرات عسكرية
ورغم النتائج المتضاربة، على الأقل حتى الآن، حول عملية عاصفة الحزم إلا أن قدرة السعودية على شن عمليات جوية متواصلة ولمدة شهر تظهر تظهر قدرة المملكة على شن حملة عسكرية طويلة ومعقدة حسبما يرى ياروسلاف تورفيموف من صحيفة «وول ستريت جورنال».

وقال إن الرياض وخلال العقود الماضية أنفقت مليارات الدولارات على شراء أسلحة متقدمة جعلت الأعداء والأصدقاء يتساءلون عن جدوى الإنفاق العسكري هذا. واتضج الأمر في العملية في اليمن. فلأول مرة تقود السعودية منذ عام 1934 تحالفا عسكريا عانى من نكسة عندما رفضت باكستان الحليف التقليدي للرياض المشـاركة فـيه.
ورغم كل هذا فقد أثبت السعودية ـ على الأقل من الجو- مصداقيتها العسكرية كقوة إقليمية قادرة على منع توسع التأثير الإيراني في المنطقة. ويرى ريد فوستر من مجموعة أي أتش أس للاستشارات الدفاعية «لقد برأت القوات الجوية ساحتها بشكل جيد»، مضيفا أن سلاح الجو السعودي يحصل على خبرات جديدة «ولو كنت مراقبا إيرانيا لشعرت بالقلق من تزايد القدرات السعودية».

وأثارت الحملة التي حظيت بدعم شعبي فورة وطنية جعلت الكثيرين يقترحون من التحرك بعد التخلص من الحوثيين إلى سوريا. فقد كتب خالد الدخيل المعلق السعودي المعروف «يجب وقف المجازر في سوريا ويجب رحيل النظام».
وأضاف أن القرار الصحيح الذي يجب أن تتخذه دول الخليج مع مصر وتركيا والأردن هو الإطاحة بالنظام السوري. وقبل ذلك فيجب أن تنهي السعودية ما بدأته في اليمن. صحيح أن بعض الألوية التابعة لعلي عبدالله صالح انشقت عنه لكن الهدف النهائي وهو إعادة هادي لم يتحقق. وينقل عن معلقين سعوديين تأكيدهم أن الحملة حققت أهدافها. وعن الإنجاز السعودي في الجو ينقل عن العميد العسيري قوله «لقد أنفقنا المال لتحديث قواتنا لاقتناعنا أن الردع هو عماد الاستقرار في المنطقة».

وقال «لم نكن لنقبل وجود ميليشيا بصواريخ سكود وطائرات وقوات قتالية وبدون صفة سياسية وهو بالضبط ما كان الإيرانيون يحاولون عمله مع الحوثيين وقريبا من حدودنا». وبسبب قلة عدد الضحايا فقد أثبتت العملية الجوية شعبية بين المواطنين السعوديين وارتفعت أسهم الملك سلمان بن عبد العزيز. ونقل عن الداعية محسن العواجي قوله «أصبح لدينا أخيرا سياسة خارجية مستقلة وقرار اتخذ من أجل ردع المحاولات الإيرانية لاختراق المنطقة أو التدخل في شؤون الدول العربية».

وقال «غالبية السعوديين، أقول باستثناء بعض الشيعة يدعمون الملك سلمان في هذه الحرب بسبب تصرفات إيران».
وينقل عن البروفيسور أسعد الشملان من معهد الدراسات الدبلوماسية إن اليمن حالة خاصة لم يكن أمام السعودية إلا التدخل العسكري، خاصة أنه لا يمكن التسامح مع وجود قوة مؤيدة لإيران على الحدود السعودية. ويرى أن الحل العسكري كان ضرورة.

تقرير: ابراهيم درويش/ القدس العربي

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: