عبد اللّطيف دربالة: صدّق أو لا تصدّق النهضة تعيّن كمال اللطيّف رئيسا لكتلتها بمجلس نواب الشعب.. !! (مقال رأي)

كتب رئيس تحرير جريدة عين عبد اللطيف دربالة مقالا هاجم فيه تعيين نور الدين البحيري على رأس كتلة النهضة في البرلمان الجديد:

 

صدّق أو لا تصدّق: النهضة تعيّن كمال اللطيّف رئيسا لكتلتها بمجلس نواب الشعب.. !!

خفايا ومخاطر تعيين نور الدين البحيري رئيسا لكتلة حزب حركة النهضة في مجلس نواب الشعب وأسرار علاقته الخفيّة بكمال اللطيّف..

الدور الذي سيلعبه نور الدين البحيري لإضعاف كتلة حركة النهضة وتحييد دورها كقوّة معارضة أمام حكم نداء تونس..

عين ـ تونس
اختارت حركة النهضة القيادي بالحزب نور الدين البحيري رئيسا لكتلتها بمجلس نواب االشعب، بعد أن اقترح مجلس شورتها ثلاثة أسماء هم البحيري وعليّ العريّض ومحرزية العبيدي، قبل أن يزكّي المكتب التنفيذي البحيري في انتظار المصادقة النهائيّة من مجلس الشورى مرّة أخرى حسب بيان الناطق الرسمي باسم الحركة اليوم.
ويأتي هذا التعيين ليعكس عمق التخبّط والاضطراب الذي تشهده حركة النهضة، وعجزها تماما عن النقد الذاتي والإصلاح، لتعقّد وتشعّب هياكلها، وصعوبة اتّخاذ القرار داخلها، وكثرة التوازنات وصراع الأجنحة فيها..

الفاشل في وزارة العدل
كان نور الدين البحيري يعدّ أحد أبرز الوزراء الفاشلين في حكومتي الترويكا بقيادة النهضة، الأولى والثانية، ففي حكومة حمّادي الجبالي تقلّد منصب وزير العدل، غير أنّه لم يترك أيّ بصمة بالوزارة، ولم يقم بأيّ إصلاح جدّي فيها، ولا سعى لإعادة هيكلتها وتطويرها وتطوير مرفق القضاء، في ما عدا عزل حوالي 80 قاضيا بطريقة بدت في ظاهرها سعي لمقاومة الفساد داخل القضاء، وفي باطنها مآرب أخرى عديدة…
غير أنّ نور الدين البحيري لم يكن لديه أيّ برنامج للمحاسبة وفتح ملفّات نظام بن علي، ولو فعل لذلك لتمكّن من تفكيك كامل منظومة الديكتاتوريّة وتعطيل لوبيّات الفساد السياسي و المالي بطريقة تؤدّي إلى تفكيك كامل المنظومة القديمة وإبعادها تماما عن الحياة السياسيّة وعن التأثير في الإعلام والاقتصاد والإدارة والأمن والقضاء، وذلك بالقانون وبالعدل والإنصاف. لكنّ البحيري لم يفعل، ولم يكن يريد أن يفعل (…).

علاقة وطيدة بكمال اللطيّف
اتّضح بأنّ نور الدين البحيري تربطه علاقات وطيدة وخطيرة برجل الظلّ والأعمال النافذ كمال اللطيّف الذي يدير لوبي فعّال استطاع من خلاله أن يسيطر على الدولة دون أن يكون صاحب منصب رسميّ فيها.
وبات من الثابت في معلومات مؤكّدة لجريدة “عين” أنّ نور الدين البحيري يعمل بتنسيق كامل مع كمال اللطيّف، وأنّ اللطيّف نجح في الحقيقة في اختراق حركة النهضة من خلال القيادي فيها وصاحب النفوذ الواسع في مجلس شورتها نور الدين البحيري، إضافة إلى بعض القيادات الأخرى في النهضة..
واتّضح أنّ علاقة اللطيّف بالبحيري تعود إلى عهد بن علي، حين تقرّب اللطيّف من شخصيّات المجتمع المدني والمعارضين السياسيّين لبن علي مثل أحمد نجيب الشابي وحمّه الهمّامي وغيرهم الكثير..
وبعد الثورة سيطر كمال اللطيّف على مقاليد الدولة من وراء الستار، ودفع بنور الدين البحيري إلى تنفيذ سياسته باعتباره يمثّل أقوى حزب شعبيّ في ذلك الوقت. واستطاع اللطيّف من خلال البحيري أن يحيّد حركة النهضة في الكثير من المواقف المهمّة، وأن يفرض توجيهها في الطريق الذي يخدم أهدافه بتحريك أصابعه الخفيّة فيها كلّما احتاج لذلك معوّلا أساسا على خدمات صديقه نور الدين البحيري، مع إبقاء علاقتهما في طور السريّة لعدم التشويش، خاصّة مع الحساسيّة القصوى لقيادات النهضة اتّجاه اللطيّف لكونه لا يخفي تآمره ضدّها.

أسرار خطيرة
ويبقى امتلاك كمال اللطيّف بعض الأسرار الخطيرة والخفيّة التي تخصّ شخصيّة وتاريخ نور الدين البحيري، هي المفتاح الأساسي في تعامل الرجلين وكنه علاقتهما…

البحيري هو من أنقذ كمال اللطيّف في قضيّة التآمر على أمن الدولة
بلغت خدمات البحيري لكمال اللطيّف أوجّها في قضيّة التآمر على أمن الدولة الشهيرة التي كاد أن يقع فيها إيقاف كمال اللطيّف من القضاء على ذمّة التحقيق، لولا أن قام البحيري بإنقاذ صديقه وشريكه في السياسة كمال اللطيّف مستعملا نفوذه كوزير للعدل حينها، ثمّ كمستشار سياسي لدى رئيس الحكومة عليّ العريّض في مرحلة ثانية.
ومن الثابت (وقد سبق لنا نشر تفاصيل ذلك في مقال سابق في الإبّان) أنّ نور الدين البحيري هو الذي تدخّل لدى قاضي التحقيق وقوّات الأمن التي حاصرت منزل كمال اللطيّف عشيّة يوم سبت منذ أشهر عديدة من أجل تطبيق بطاقة جلب قضائيّة صادرة عن قاضي التحقيق المكلّف بالقضيّة، وتوقيفه عبر إلقاء القبض عليه بالقوّة العامّة من طرف رجال الأمن، لولا أنّ البحيري استغلّ منصبه، باعتباره الرجل الثاني في الحكومة بعد رئيسها عليّ العريّض، لإعطاء الأوامر لقوّات الأمن بالإنسحاب، وتمّت تسوية الموضوع مع قاضي التحقيق.
ومن المعلوم أنّ نور الدين البحيري عندما كان وزيرا للعدل كان يعدّ قانونا رئيسا للنيابة العموميّة، وكان يمكنه أن يبادر بتوجيه الإتّهامات والبحث في قضيّة كمال اللطيّف منذ البداية بطرية محترفة وجديّة يمكن أن تؤدّي فعلا إلى جمع أدلّة ماديّة وملموسة إمّا على براءته أو على إدانته، لكنّ البحيري تعمّد “تمييع” و”تعويم” القضيّة وتناولها بطريقة غير مؤسّسة قانونا دون أي بحث جدّي لإنقاذ اللطيّف وعدم إثبات أيّ تهمة عليه حتّى ولو كان متورّطا..
كما أنّ نور الدين البحيري وبوصفه وزيرا للعدل كان بإمكانه أن يلعب دورا محوريّا في توجيه قضيّة اغتيال شكري بلعيد وكشف الكثير من التفاصيل والحقائق التي قد تورّط جهات قويّة داخليّة وخارجيّة في الموضوع، أو ترفع الاتّهام عن حزبه، لكنّه كعادته آثر التكتّم و”تعويم” القضيّة رغم أنّ حزبه النهضة أصبح هو موضوع الاتّهام..

الأيدي الخفيّة للبحيري واللطيّف في النهضة
طوال أشهر بدت الكثير من قرارات النهضة غير مفهومة ولا منطقيّة وتناقض تماما مصلحتها السياسيّة الظاهرة، دون أن يدرك الكثيرون، وخاصّة من أبناء النهضة نفسها، أنّ أيادي خفيّة تلعب بمصالح الحركة، وبمصالح الدولة أيضا، لحساب مصالح أشخاص وأفراد وحتّى لفائدة مصالح أحزاب وجهات سياسيّة أخرى…
وقد حرص نور الدين البحيري على التوغّل أكثر في حركة النهضة ومدّ شبكة علاقاته داخل مجلس شورتها حتّى أصبح صاحب النفوذ الأوّل في المجلس، ويتصدّر الترشيح لأيّ منصب، ويؤثّر في توجيه أيّ قرار يتّخذه مجلس الشورى..
وبالرغم من أنّ نور الدين البحيري يعدّ أكثر الشخصيّات إثارة للجدل والشكوك في أعماله وقراراته وتصرّفاته وما يشاع عنه، فإنّه أصبح ومنذ أشهر طويلة أقلّ قيادات النهضة تعرّضا لهجومات وانتقادات الإعلام، رغم الهجمة الشرسة للإعلام على النهضة وحلفائها، ويرجع ذلك أساسا إلى أنّ صديقه كمال اللطيّف يوجّه غالبيّة ذلك الإعلام بل ويتحكّم فيه، وهو الذي يوفّر للبحيري الحماية ويفرض على الجميع عدم التعرّض له إلاّ في مناسبات محدودة وبطريقة غير مؤثّرة..
كما ثبت من خلال استخراج كشف مكالمات كمال اللطيّف في قضيّته الشهيرة الخاصّة بالتآمر على أمن الدولة أنّ عديد المكالمات الهاتفيّة جمعته بنور الدين البحيري، ولم ينكر البحيري نفسه تلك المكالمات في تصاريح إعلاميّة محاولا تبريرها بمجرّد تبادل للتهاني في بعض المناسبات (!!). غير أنّ الواقع أنّ المكالمات الهاتفيّة بين كمال اللطيّف ونور الدين البحيري يبلغ عددها ربّما المئات، بعضها تمّ من أرقامهما المعروفة لهاتفيهما المحمولين، وبعضها تمّ عبر بعض الهواتف الأخرى منها خصوصا الهواتف القارّة للوزارة ورئاسة الحكومة، إضافة إلى مكالمات جرت عبر الهاتف المحمول لأحد مساعدي البحيري، ومكالمات أخرى عبر هواتف محمولة باسم أشخاص آخرين للتمويه..

النهضة ليست آخر من يعلم
الغريب أنّ شقّا كاملا في حركة النهضة وبعض القيادات أصبح على علم كامل بالموضوع، وعلى قناعة تامّة بأنّ نور الدين البحيري هو رجل كمال اللطيّف عدوّهم اللّدود إالذي عمل كلّ ما في وسعه لإخراج النهضة من الحكم وإفشال حكومتها واستغلال لوبيّاته في الأمن والإدارة والقضاء والإعلام لمحاصرتها والتضييق عليها.. وبالرغم عن ذلك فإنّها تركت لنور الدين البحيري هامش الحركة بتعلاّت مختلفة منها عدم الرغبة في تقسيم الحركة، أو عدم الرغبة في فضح الحركة بإظهار أنّ أحد كبار قياداتها قد يكون يعمل لحساب أحد ألدّ أعدائها ويسعى إلى الإستيلاء على قيادة الحركة شيئا فشيئا لتطويعها نهائيّا لفائدة المنظومة القديمة والتوافق معها حول أشكال للحكم لا يكون دورها فيه إلاّ هامشيّا، مع المحافظة على سيطرة كمال اللطيّف عليها والحالة تلك، وهو الذي يسعى دائما إلى الحكم ليس مباشرة ولكن من خلال أحزاب وكيانات وشخصيّات سياسيّة أخرى يريد تحريكها كالدمى لإشباع نهمه للسلطة والسيطرة..

تحييد كتلة حركة النهضة بالمجلس وإضعافها كقوّة معارضة
يثير تعيين نور الدين البحيري مخاطر عديدة خاصّة إذا ما تموقعت حركة النهضة في المعارضة، إذ قد يعمل البحيري على تحييد قوّتها وإضعافها كحزب معارض، ويساعد المنظومة القديمة من خلال الحزب الحاكم الجديد وهو نداء تونس على تمرير كلّ القوانين الهامّة التي يرغب فيها وقد تقوّي سيطرته على مقاليد الحكم وتهدّد الديمقراطيّة والحريّات العامّة، ولا سيما مثلا قوانين مكافحة الإرهاب وغسيل الأموال المتوقّع إعادة مناقشته وتمريره في مجلس النواب القادم، بعد أن شرع المجلس الوطني التأسيسي المتخلّي في مناقشته قبل الانتخابات ثمّ انقطع عن ذلك.
ومن المعلوم بأنّ مشروع قانون مكافحة الإرهاب المذكور كان كارثة قانونيّة بأتمّ معنى الكلمة ووفقا لجميع الحقوقيّين ومنظمات المجتمع المدني المحايدة، وهو بصيغته تلك قد يؤدّي إلى عودة الدولة البوليسيّة التي يتقاسم السلطة فيها الأمن والقضاء على طريقة نظام بن علي. وفي الوقت الذي أدركت فيه عديد الأحزاب ومنها حركة النهضة خصوصا مخاطر تمرير ذلك القانون وتمّ بالفعل إسقاط الكثير من فصوله وتعديل عدد آخر منها، كان نور الدين البحيري وللغرابة يسعى بكلّ قوّته بالتعاون مع سمير ديلو إلى تمرير ذلك القانون بأيّ ثمن، وحثّ كتلة النهضة في المجلس حينها برئاسة الصحبي عتيق على الإسراع بالإنتهاء من المصادقة عليه رغم كلّ المآخذ…

إنّ تعيين نور الدين البحيري كرئيس لكتلة حزب حركة النهضة بمجلس نواب الشعب هو في الواقع وعمليّا بمثابة تعيين كمال اللطيّف شخصيّا رئيسا لكتلة النهضة.. وستثبت الأيّام ذلك لاحقا.. لكن غالبا بعد فوات الأوان..!!!

02-12-2014 13-19-22

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: