عرض كتاب للمفكر منير شفيق| إتفاق أوسلو وتداعياته

إن سؤالا طبيعيًّا للواقع قبل سؤال مجموعة التفاوض الفلسطيني حول إنجازات اتفاق الخطيئة السياسية المسماة “أوسلو”، سيجعلهم يقرون داخليًّا بالحسرة والبؤس الذي ألقوا شعبنا الفلسطيني في غياباته عن سبق إصرار وتعمّد، وهم بذلك يظهرون غير معتبرين بالتاريخ ولا بالجغرافيا، ولا بدلائل الواقع وحركة الشعوب.. إن “أوسلو” وبعد عشرين عامًا تضع هؤلاء – الذين لم يمثلوا إرادة الفلسطيني المناضل الحر – على مقصلة التاريخ.. فهل يتداركون أنفسهم قبل أن يدركهم الواقع!

في كتابه “اتفاق أوسلو وتداعياته” يحاول المفكر منير شفيق تسلط الضوء على الاتفاق بعمق وتحليل، وقد حاول “المركز الفلسطيني للإعلام” أن يضع بين يدي القارئ ملخصًا لأهم ما جاء في هذا الكتاب القيم.

 خلفية الاتفاق

في خلفية اتفاق أوسلو ينبغي الإشارة أصلا إلى أنّ كلاً من الكيان “الإسرائيلي” وأميركا وروسيا وعددٍ من الدول الأوروبية اتجهوا لصنع تسوية على أساس الشروط “الإسرائيلية”، وإلا فلا تسوية. وفي المقابل أظهرت أغلب الحكومات العربية، ومعها قيادة م.ت.ف. ضعفًا لا مثيل له في الرضوخ للضغوط الأميركية بشكل استمرّ حتى الوقت الراهن.

 تلخيص أوسلو

– بقاء الاحتلال “الإسرائيلي” والسيادة “الإسرائيلية” على فلسطين كلّها، بما في ذلك قطاع غزة وأريحا.
–  الانسحاب من القطاع وأريحا، هو انسحاب الجيش من المناطق الآهلة بالسكان حيث الانتفاضة والمقاومة، وتسليم الأمن فيها للشرطة الفلسطينية.
–  إعفاء الاحتلال من الاصطدام بالفلسطينيين، مع بقائه مسيطراً على الوضع عموماً، وممسكاً بكلّ النقاط الاستراتيجية على كلّ الحدود.
–  أعطي الجيش “الإسرائيلي” حقّ العودة إلى احتلال كلّ منطقة سكانية تحت الحكم الذاتي إذا فشِلت السلطة في المحافظة على أمن الاحتلال “الإسرائيلي” فيها ومنها.
– تسليم إدارة الحكم الذاتي شؤون التعليم والصحة والبلديات والسياحة، وهو إعفاء للاحتلال من الإنفاق على تلك المجالات التي هي الجانب السلبي بالنسبة إلى كلّ احتلال.

أسئلة محرجة؟!

الذين وقّعوا الاتفاق، أو أيّدوه، لم يستطيعوا أن يقدّموا نقطة واحدة يعتبرون فيها أن الاتفاق تضمّن زوالاً نهائياً، أو تدريجياً، للاحتلال، ولو على بقعة واحدة، أو فيها استعادة لسيادة على أرض، ولو على شبرٍ واحد، ما الذي قدّموه في قضية القدس ومصيرها وقضايا العودة.

كلها يتم تأجيلها وإرجاؤها “للحل النهائي”، أي ترك مصيرها لما يمكن أن يتفق عليه الطرفان، دون أن تكون هنالك مرجعية ملزمة لزوال الاحتلال.!!

 المؤيدون سرابيّون..!

الذين أيّدوا الاتفاق، سواء أكانوا من الفلسطينيين أم من العرب، لا يملِكون سوى تسويغه بالأمل في أن يكون خطوة على طريق استرداد كلّ الحقوق، أو مرحلة لتطبيق قراري مجلس الأمن 242 و 338، وهو أملٌ أضعف من أمل إبليس في الجنة كما يقول المثل؛ لأن أي اتفاقٍ جديدٍ دائمٍ غير ممكن إلا بالموافقة “الإسرائيلية”.

كيف سيقنعوننا أن المجرّب الفاشل سينجح في استرداد السيادة على القدس والأرض، أو تفكيك المستوطنات، أو تحقيق انسحابٍ فعليّ من الأراضي التي احتلت عام 1967 على الأقل.

 البدائل السليمة!

الذين حاولوا الدفاع عن اتفاق أوسلو كانوا يحتجّون بالسؤال: “وما بديلكم؟”…

– أليس الاحتلال الوسخ المصطدم بالأهالي والمكلّف للعدو والمحاصَر والمقاوَم خيرًا من الاحتلال “النظيف” المدفوع الأجر والمعترف بشرعيته والمدعوم دولياً؟!
– أن يكون العدو مغتصباً خيرٌ من أن يُعترف بحقّه في الوجود. مع بقاء حقّنا في استخدام كلّ أشكال المقاومة للاحتلال والاغتصاب.
– أن نكون الضحايا أكرم من أن يكون عدوّنا هو “الضحية”.

وعندما دخل الشعب الفلسطيني في النصف الثاني من الأربعينيات، وخاض الصراع لمقاومة قيام الدولة “الإسرائيلية” أو للمحافظة على بقاء المقاومة متأجّجة، والقضية حيّة، واجه أوضاعاً أشدّ سوءاً مما يواجهه اليوم. وكان الجواب الصحيح دائماً هو التوجّه لمعالجة الخلل في الوضع العربي والإسلامي وليس في التسليم له تسليماً يضيّع القضية ويفتِك بها.

فلا أمل للفلسطينيين في مواجهة عدوّهم أو في معالجة قضيتهم، تحت أيّ ظرفٍ من الظروف، إلا في تصحيح الخلل، أما الانكفاء على الذات، والقبول بما يمليه العدو، فهو خطيئة ثقيلة بحقّ الشعب وحقّ القضية الأمة، بل لن يعالج شيئاً أبداً؛ ولن يكون سوى محطة هدوءٍ خادع لانحدارٍ جديد ونكبة جديدة.

فلسطين: ملحق “إسرائيل” الاقتصادي!

الجانب الآخر الذي يجب أن يسترعي الانتباه في اتفاق أوسلو، وربما كان من الناحيتين الواقعية والمستقبلية أشد خطورة وسوءاً من الجانب الأول، يتعلّق بالإلحاق الاقتصادي والاجتماعي وبتلك القائمة الطويلة من لجان التعاون الفلسطينية – “الإسرائيلية” التي نصّ عليها الاتفاق، وهي تمتد من شؤون الأمن إلى المياه إلى الطاقة إلى التنمية إلى التجارة إلى السياحة، وما إلى ذلك.

وهذه خطوة باتجاه امتداد النفوذ “الإسرائيلي” إلى البلاد العربية والإسلامية، ومظلة فلسطينية للتطبيع العربي – “الإسرائيلي” ولما هو أكثر من ذلك.

 ولاءات ببوصلة أوسلوية!

ويمكن القول إن الدول العربية عموماً، وحتى مصر إلى حدّ ما، تواجه الآن حالة تناقض مع الموقف الرسمي الفلسطيني، ويتلخّص جوهر المشكلة في قلقٍ عربي مشروع من الاتجاه الذي يمكن أن تأخذه العلاقات الفلسطينية – “الإسرائيلية” وفقاً لاتفاق أوسلو. وهنا تطرح إشكالية الولاء والمحاور، والتحالفات، فإذا كان الوضع الفلسطيني قد واجه في السابق الكثير من الإشكاليات والمشاكل المتعلّقة بالانحياز والولاء والمحاور والتحالفات في خضم التناقضات العربية – العربية، فإن اتفاق أوسلو أدخل الكيان “الإسرائيلي” طرفاً في جذب الوضع الفلسطيني إلى محوره.

 الشعب والاتفاق.. طباق وطلاق.!

إلا أنّ للشعب الفلسطيني سمتين ميّزتاه في عهد الاستعمار والغزو الصهيوني لبلاده: الأولى كانت ازدياد توتّر العداء في تكوينه ونفسيته وعقليته ضد الاستعمار والصهيونية أكثر من أيّ شعب عربي أو إسلاميّ آخر، وذلك بسبب تعرّضه المباشر للمعركة مع الصهيونية وما كلّفته من تضحيات ومشاقّ، وما أنزلت به من كوارث ونكبات، وقد أنمت هذه السمة في داخله تياراً جارفاً نحو الوحدة والتحرّر والتغيير على مستوى الأمة.

أما السمة الثانية، فقد لحِق بالشعب الفلسطيني من الأذى الجسديّ والنفسي والمعيشي والأمني من بعض أشقائه العرب، ما لم يتعرّض له أيّ شعب آخر، والأهم أن قضية فلسطين عانت الكثير من التفريط الرسمي العربي أو التقصير في المعالجة والاهتمام، وأحياناً التواطؤ من لدن البعض.

وجاء اتفاق أوسلو متصادماً تماماً مع السمة الأولى كما مع السمات العامة المشتركة كذلك، ولكنه جاء ليضرب على وتر السمة الثانية في محاولة لإثارة العصبيّة الفلسطينية ضد العرب حتى يسحب قوة الدفع من السمة الأولى؛ وهو ما واجهه الشعب بفهم وقوة.

 حسنة “أوسلو” اليتيمة!

الذين لم يجِدوا في اتفاق أوسلو ميزة إيجابية واحدة يمكن أن تسجّل له، يستطيعون الآن أن يخرجوا من هذا الإطلاق ويسجّلوا له ميزة واحدة، وهي أنه أقلّ سوءاً من اتفاق القاهرة؛ فقد أزال الأخير بعض الغموض المتعلّق بالانسحاب من أريحا وقطاع غزة، أو بالسيطرة الأمنية على الحدود والطرقات والمعابر والمستوطنات وما يمكن أن يكون عليه حال الحكم الذاتي في اتفاق غزة – أريحا أولاً. وجاءت هذه الإزالة من خلال محو كلّ كلامٍ عن انسحابٍ للاحتلال ولو من قطاع غزة وأريحا، أو على قيام حكم ذاتي له السيادة، في الأقل، على الخروج والدخول منه وإليه، وذلك حتى لا يكون حاله حال معسكر اعتقال كبير.

تقييم وتقويم!

أكثر الذين أيّدوا اتفاق أوسلو أقاموا حجّتهم على أن الطرق جميعاً سدّت، ولم يبقَ من بديلٍ غير الموافقة على مثل هذا الاتفاق. وكان عندهم كلام كثير يقولونه في انهيار الوضع العربي، أو الاختلال في ميزان القوى العالمي والإقليمي في مصلحة أميركا والصهيونية والكيان “الإسرائيلي”. أي إن القبول هنا بما حواه اتفاق أوسلو من شروطٍ يقوم على حالة من الاضطرار إلى حدّ انعدام الخيار الآخر. كذا زعموا وأقنعوا أنفسهم.

المطلوب الآن صيغة تقدير الموقف لإثبات توافر البدائل الأخرى، أو لتأكيد أنّ في الوضع العالمي والإقليمي عناصر كثيرة تسمح باختراق ما يبدو على السطح من اختلالٍ في ميزان القوى في مصلحة العدو، أو عليه أن يؤكّد الموقف المبدئي ويعلي من شأن روح التضحية والتمسك بالمثل والحق حتى في أسوأ حالات الاختلال في ميزان القوى.

 خطيئة م.ت.ف الكبرى!

ستثبت الأيام القادمة أن منظمة التحرير الفلسطينية أخطأت مرتين أساسيتين في إدارة الصراع: الأولى حين دخلت مشروع التسويّة، ولا سيما تحت شعار إقامة كيان فلسطيني – سلطة حكم ذاتي – دولة؛ لأنّ إقحام هذا الموضع قبل الانسحاب “الإسرائيلي” وتفكيك المستوطنات، وإنقاذ القدس، جعلته موضوع المساومة ، إن لم يكن على ثوابت وأساسيات تمسّ القضية الفلسطينية برمّتها ، ففي الأقل على حسابِ إنجاز دحر الاحتلال، وخصوصاً من القدس، وتصفية المستوطنات، ولا سيّما من القدس كذلك.

أما الخطأ الثاني، فالدخول في اتفاق أوسلو الذي مثّل هو وما استتبع من اتفاقات في القاهرة، صلحاً منفرداً أو القبول بالتعاطي الانفرادي بديلاً من وحدة الموقف التفاوضي العربي، وقد جاء هذا ناسفاً لخطّ ثابت طالما تبنّته م.ت.ف.، هو رفض الطريق الانفرادي والدعوة إلى وحدة الموقف. ولشدّ ما سمع الرئيس المصري السابق أنور السادات كلاماً جارحاً بسبب نهجه الانفرادي أو التفرّدي – ودعك من المحتوى!

 خاتمة

وبهذا كله يكون اتفاق أوسلو أبعد خطراً من هدر الحقوق الفلسطينية والعربية والإسلامية في فلسطين، وأبعد خطراً من بقاء الاحتلال والسيادة “الإسرائيلية” على كلّ فلسطين. إنه جسر لعبور “إسرائيليّ” إلى المنطقة، ولا حاجة إلى ذكر ما يحمله ذلك من شرّ مستطير على الأمة كافة، عقيدة ووجوداً وهوية وحضارة، بل ومصالح ومستقبلاً.

بل إن نّ أهل الحكم الذاتي الفلسطيني سيترحّمون في غدٍ على ما كانوا يبكون منه اليوم وأمس، ولا منقِذ إلا بالعودة إلى الثوابت والأساسيات لا من حيث الحقوق والمبادئ فحسب، بل أيضاً من حيث إدارة الصراع وتحديد الأولويات.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: