عماد الدين زنكي بين الإخلاص وتوقير الشريعة /مع د. راغب السرجاني


لعلَّ من المناسب أن نقترب أكثر من شخصية عماد الدين زنكي فنطَّلع على جوانبها وصفاتها وأهم مميزاتها، وهذا الاقتراب من شخصيته سيضع أيدينا على المفاتيح المهمَّة التي ينبغي لكل مصلح أن يتحلَّى بها؛ ولذلك فهي من أهمِّ النقاط في هذا البحث الخاصِّ بالحروب الصليبية؛ لقد جمع عماد الدين زنكي من الصفات ما يجعله يصلح أن يكون «نموذجًا» للحاكم المسلم؛ وصفات الخير فيه كثيرة، ولكن سنتناول في هذا المقال نقطتين، ثم نتابع بقية الصفات في مقالات أخرى، وهما:

أولاً:
الإخلاص والتجرد لله:
وهذه كانت صفة غالبة على كلِّ حياته رحمه الله، وبها كان يُنصر ويُمَكَّن، ولعلَّ القارئ يتعجَّب من ذكر صفة الإخلاص كصفة واضحة في حياة عماد الدين زنكي؛ لأن الإخلاص صفة قلبية، وهي بين العبد وبين الله عز وجل، ولا يطَّلع عليها عموم الناس، ولكنَّ الإخلاص له شواهد وعلامات، وكل هذه العلامات والشواهد رأيناها بوضوح في حياة عماد الدين زنكي؛ لذلك نشهد له بهذا، ونسأل الله أن يتقبَّل كل أعماله الصالحة.

فمن شواهد الإخلاص في حياته -مثلاً- ثباته على الفكرة طيلة أيام عمره؛ فقد جعل قضية إخراج الصليبيين من بلاد المسلمين قضية حياته، فبذل جهده في هذه القضية عشرين سنة متصلة هي مدَّة حكمه للمسلمين، هذا غير السنوات التي سبقت إمارته، والتي كان فيها يُشارك الأمراء السابقين في غزو الصليبيين وجهادهم.

إن الرجل الذي يتذبذب بين الإخلاص لله والعمل للذات والنفس، يُغَيِّر كثيرًا من قضاياه تبعًا للظروف، أما أن تمرَّ الأعوام تلو الأعوام وعماد الدين زنكي لا يتغيَّر ولا يتبدَّل، فهذا معناه أنه رجلٌ يعمل لله عز وجل.

ومن شواهد إخلاصه -أيضًا- تقديمه لمصالح المسلمين على مصلحته الشخصية؛ فقد خاطر كثيرًا بملكه الشخصيِّ في سبيل نصر المسلمين، وما أروع ما فعل حين وُضع في مأزق عسكري في أحد حروبه ضد الصليبيين سنة (532هـ= 1137م)، فقرَّر الاستعانة بجيوش السلطان السلجوقي مسعود، فقال له أحد المستشارين: إن هذا قد يُشَجِّع السلطان على ضمِّ حلب إلى أملاكه؛ فتضيع بذلك من زنكي. فقال عماد الدين زنكي: «إن هذا العدوَّ (الصليبيين) قد طمع في البلاد، وإن أخذ حلب لم يبقَ بالشام إسلام، وعلى كل حال فالمسلمون أولى بها من الكفار!»[1].

وهذه الرؤية الرائعة تختلف كثيرًا عن رؤية عموم الأمراء الذين رأيناهم في قصة الحروب الصليبية؛ حيث كان الأمير لا يُخاطر بالاستنجاد بأميرٍ آخر خوفًا من أن يتملَّك هذا الأمير الجديد كل شيء، بل لا يُمانع بعض الأمراء من الاستعانة بالصليبيين في سبيل الحفاظ على ملكهم؛ بل وأكثر من ذلك فقد دبَّر بعض الأمراء مؤامرات لقتل الزعماء المسلمين المجاهدين خوفًا من دخول إماراتهم تحت سلطة الزعيم المجاهد، وما أحداث قصة مودود منَّا ببعيد!

ومن شواهد إخلاصه -أيضًا- أنه كان يُخاطر بحياته في المعارك فلا يُقاتل في آخر الصفوف، أو بمنأى عن المخاطر، بل كان يتقدَّم الجميع، وكثيرًا ما يكون أقرب الناس إلى العدوِّ؛ ولقد فَرَش في ليلة من الليالي بساطًا كبيرًا، ووضع عليه الطعام، وكان محاصِرًا لإمارة الرها، فنادى في جيشه قائلاً: «لا يأكل معي على مائدتي هذه إلا مَنْ يطعن معي غدًا في باب الرها!»؛ أي أنه سيصل في قتاله غدًا إلى أقرب النقاط من الحصن، حيث سيُباشر محاولات كسر الباب بنفسه، وهذا سيجعله في مرمى سهام العدوِّ، وسيُعَرِّض حياته للهلكة، لكنه كان يفعل ذلك دومًا؛ وعندما قال كلماته هذه لم يتقدَّم إليه ليأكل معه غير أمير واحد، وصبي آخر لا يعرفه! فقد أحجم الجميع لمعرفتهم بإقدام عماد الدين زنكي ورغبته الصادقة في الشهادة، وقد قال الأمير للصبي الصغير: ما أنت وهذا المقام؟ فكأنه يستصغر شأنه، ويشكُّ في ثباته، فقال عماد الدين زنكي: «دعه؛ فإني أرى -والله- وجهًا لا يتخلَّف عني!». وقد كان وثبت الصبي معه[2]!

ومن شواهد إخلاصه -أيضًا- اجتماع الناس على حبِّه؛ فقلوب العباد بين أصابع الرحمن عز وجل، وقد رأينا اجتماع أهل البلاد المختلفة على حُبِّه، ورأينا اجتماع الوزراء والقضاة وعلماء الدين على هذا الحبِّ أيضًا، واجتماع حبِّ الناس له بهذه الصورة دلالةٌ على حبِّ الله له، والله لا يُحِبُّ إلاَّ المخلصين له.

روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلانًا فَأَحْبِبْهُ. فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبُّوهُ. فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ»[3]. فإذا رأيت حاكمًا قد وُضع له القبول في الأرض فأحبَّه الناس، فهذا علامة على إخلاص هذا الحاكم وحُبِّ الله له.

ومن شواهد إخلاصه -أيضًا- أن الله عز وجل نصره في معظم لقاءاته مع الصليبيين، والله عز وجل لا ينزل نصره إلا لأحبابه وأنصاره ومَنْ أخلصوا له، والآيات في هذا المعنى كثيرة؛ ومنها على سبيل المثال: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ}[الحج: 40]، ومنها: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ}[آل عمران: 160]، {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}[المائدة: 56].

ومن شواهد إخلاصه أخيرًا حسن الخواتيم؛ فسوف نرى أنه سيُقتل في ميدان الجهاد، فهذه الخاتمة في هذا الميدان هي من أسعد الخواتيم، وهي أمنية الصالحين، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد عن عمر الجُمَعِيِّ: «إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ». فسأله رجل من القوم: ما استعمله؟ قال: «يَهْدِيهِ اللهُ عز وجل إِلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ قَبْلَ مَوْتِهِ، ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَى ذَلِكَ»[4].

فهذه بعض الشواهد على إخلاصه، وهي سرُّ تفوُّقه وتميُّزه، فإن الله كان معه في كل خطواته، فمع نشأته يتيمًا ووحيدًا فإن الله سخَّر له مَنْ يتولَّى شئونه، ويرعى أموره حتى صار إلى ما صار إليه.

ثانيًا:
توقير عماد الدين زنكي للشريعة والدين:
وهذا أمر واضح في حياته؛ فقد حرص على إقامة الحدود الشرعية في كل المناطق التي يحكمها، وكان يلتزم بحكم الشريعة ويُلزم بها الناس، وما أكثر المواقف في حياته التي كان يجمع فيها الفقهاء ليأخذ رأيهم في المسألة! وكان يُعطِي العلماء في إمارته منزلة عظيمة؛ قال ابن الأثير عن القاضي بهاء الدين الشَّهْرُزُوري: «إن عماد الدين زنكي كان لا يصدر إلا عن رأيه»[5]. أي: رأي الشَّهْرُزُوري، ومثل هذا الكلام قيل في معظم العلماء الذين عاصروا عماد الدين زنكي، وقد استقدم عماد الدين زنكي العلماء من كل مكان، وأوكل إليهم رعاية أمور الناس، بل أوكل إليهم تربية أبنائه[6]؛ فخرج أبناؤه على الصورة البهية نفسها وأكثر، وخاصةً نور الدين محمود وسيف الدين غازي.

ولعلَّ مما يُؤَكِّد حُبَّه للدين أنه سمَّى أولاده كلهم بأسماء مرتبطة بالدين؛ فأولاده هم: سيف الدين، ونور الدين، وقطب الدين، ونصرة الدين؛ وهذه -والحمد لله- كانت سمة عامَّة في هذا الجيل؛ ولذلك كتب الله له النصر، فآق سنقر سمَّى ابنه عماد الدين، ووُلد في هذه الفترة -أيضًا- صلاح الدين الأيوبي، وكان القاضي لعماد الدين هو بهاء الدين، وكان نائبه هو نصير الدين، وهكذا؛ وهذا على خلاف الفترة السابقة لهذا الجيل، حيث كانت أسماء الملوك والأمراء ترتبط بالدولة والملك؛ ولذلك كثرت حينها الأسماء مثل: شرف الدولة، وجناح الدولة، وعضد الدولة، وبهاء الدولة، وتاج الملوك، وشمس الملوك، وما شابه ذلك من أسماء تدلُّ على التمسُّك بالحكم لا بالدين.

ومع هذا التوقير الشديد للعلماء فإن عماد الدين زنكي ما كان يبخل بالنصح والإرشاد للعلماء بقدر طاقته، وما أروع ما قاله لهبة الله بن أبي جرادة، وهو من العلماء الأجلاء، عندما ولاَّه قضاء حلب حيث قال له: «هذا الأمر قد نزعتُه من عنقي، وقلَّدْتُك إيَّاه، فينبغي أن تَتَّقِيَ الله»[7]! وهذا من شدَّة توقيره للشريعة والدين، حتى أصبح آمرًا للعلماء أن يتقوا الله.

[1] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/303.
[2] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/331.
[3] البخاري: كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة (3037)، ومسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب إذا أحب الله عبدًا حببه إلى عباده (2637).
[4] الترمذي: كتاب القدر، باب إن الله كتب كتابا لأهل الجنة وأهل النار (2142)، وقال: حديث حسن صحيح، وأحمد (17256) واللفظ له، وابن حبان (341)، والحاكم (1257) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال الألباني: صحيح. انظر: (305) صحيح الجامع.
[5] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/243.
[6] ابن الأثير: الباهر ص97.
[7] ابن العديم: زبدة الحلب 2/274، 275

قصة الإسلام

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: