عمرة الأنصارية

كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله – بالبريد – إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم – بالمدينة -: أن انظر ما كان من حديث النبي – صلى الله عليه وسلم – أو سنة ماضية، أو حديث عمرة فاكتبه، فإني خفتُ دروس العلم وذهاب أهله.

فمن عمرة هذه التي خصها عمر بن عبد العزيز بحفظ الحديث؟

لقد انتقى عمر بن عبد العزيز رحمه الله العلماء القائمين بالتدوين، فأحسن الانتقاء، وخص أحاديث ذات أهمية خاصة، وخص عمرة بالذات لما جُمع فيها من صفات لا تكاد موجودة في امرأة تعاصرها، من فقه وعلم بالحديث النبوي الشريف، وضبط روايته وفهمه، وملازمتها لأم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، وأخذها الحديث عنها، وهذا مما زاد في رصيد عمرة في عالم الرواية وعالم الحديث.

إذن هي: عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة بن عُدُس، الأنصارية النجارية، المدنيّة، الفقيهة، وجدُّها من قدماء الصحابة، وهو أخو النقيب الكبير أسعد بن زرارة رضي الله عنهم.

عمرة في حجر عائشة:

نشأت عمرة في حجر عائشة – رضي الله عنها – وقد حباها الله حافظة قوية جعلتها التلميذة النجيبة التي حفظت أحاديث أم المؤمنين عائشة وروت عنها، فكانت بذلك سيّدة نساء التابعين، حيث كانت المحدثة العالمة الفقيهة الثقة الحجة، ويؤيد ذلك ما ورد بأن القاسم بن محمد قال للإمام الزهري: أراك تحرص على العلم، أفلا أدلك على وعائه؟

قال: بلى، قال: عليك بعمرة بنت عبد الرحمن، فإنها كانت في حجر عائشة – رضي الله عنها- قال الزهري: فأتيتها فوجدتها بحرا لا ينزِف، ويعود الفضل في هذه التربية الفريدة لأمنا عائشة – رضي الله تعالى عنها – التي أثرت الدنيا بسادات العلماء، وعلماء السادات من الصحابة والتابعين رجالا ونساءً.

ولم تتوقف عمرة في روايتها على أستاذتها عائشة – رضي الله عنها – فحسب، بل حدثت أيضا عن أم سلمة أم المؤمنين، وعن أختها لأمها أم هشام بنت حارثة بن النعمان الأنصارية، وعن حبيبة بنت سهل، وأم حبيبة حمنة بنت جحش، وكلهن صحابيات فاضلات – رضي الله عنهن وأرضاهن – كما حدثت عن الصحابي رافع بن خديج الأنصاري – رضي الله عنه -، وحدث عن عمرة عدد من أكابر التابعين وعلمائهم مثل: ابنها أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن، وحفيديها: حارثة ومحمد ابني محمد، وابن أختها القاضي أبي بكر بن حزم الزهري، وآخرين.

نماذج من مرويات عمرة:

من مروياتها في الفقه والسيرة ما رواه يحيى بن سعد عنها أنها قالت: سمعت عائشة – رضي الله عنها – تقول: ) خرجنا مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لخمس ليال بقين من ذي القعدة، ولا نرى إلا أنه الحج، فلما دنونا من مكة، أمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من لم يكن معه هديٌ إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة أن يحلّ (، قال يحيى بن سعد: فذكرت هذا الحديث للقاسم بن محمد فقال: أتتك والله بالحديث على وجهه.

 أقوال العلماء في عمرة:

وقد شهد لعمرة بالثقة في الرواية عالمان من ذوي الثقة والحجة وهما: يحيى بن معين، والعجليّ.
فقد قال يحيى بن معين: عمرة بنت عبد الرحمن ثقةٌ حجةٌ.
وقال العجلي: مدنيةٌ تابعيةٌ ثقةٌ.
وقال ابن عيينة أيضا: أثبت حديث عائشة حديث عمرة والقاسم وعروة، ووصفها الزهري بأنها بحر من العلم لا ينضب.
وأما المؤرخون وكتب التراجم، فقد طاب لهم أن يثنوا على عمرة بما هي أهله، قال عنها ابن العماد الحنبلي: الفقيهة الفاضلة عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، نشأت في حجر عائشة، فأكثرت الرواية عنها، وهي العدل الضابطة لما يؤخذ عنها.
وأثنى عليها الإمام الذهبي بقوله: كانت عالمةً، فقيهةً، حجةً، كثيرة العلم – رحمها الله.ظا23411_535735079777704_654783801_n

عاشت عمرة رحمها الله في المدينة المنورة، تنيرُ الناس بما أفاء الله عليها من العلم إلى آخر حياتها، وفي يوم من أيام سنة ثمان وتسعين من الهجرة توفيت عمرة بنت عبد الرحمن، ودفنت قرب البقيع بالمدينة المنورة، رحم الله عمرة، وجعل قلوبنا عامرة بطاعته وذكره، إنه سميع عليم.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: