“عمق الأزمة بين إتحاد الشغل و حكومة مهدي جمعة ” .. بقلم الناشط السياسي فراس العيني

كثيرة هي المشاكل الاقتصادية و الاجتماعية في تونس، لا يكاد يخلو قطاع من القطاعات من أزمة من الأزمات أو مشكلة من المشكلات، من القطاع العام إلى القطاع الخاص، من الموظفين و الأجراء إلى رجال الأعمال و الصناعيين و كبار و صغار التجار من العمال و الفلاحين إلى الأساتذة و المهندسين و الأطباء و المحامين من الطلبة و التلاميذ إلى العاطلين عن العمل و من السلك الخاص إلى السلك المشترك.

تنتقل الأزمة بين مختلف القطاعات من الصناعة إلى الفلاحة و الخدمات من قطاع الطاقة إلى قطاع السياحة و الترفيه و الرحلات، كذلك القطاعات التي تعلن الدولة أن اقتصادها مرتكز عليها تعاني أيضا من المشاكل و الأزمات العويصة فهي لا تختلف كثيرا عن حال القطاعات التي تعيش تهميشا من طرف الحكومات المتعاقبة على تونس، و بين كل هذا و ذاك ينقسم الوعي بين انتهاج طريقة ترقيعية و إصلاحية للخروج تدريجيا من هذا الوضع السيئ إلى وضع أقل سوء و بين انتهاج طريقة انقلابية شاملة تغير الوضع تغييرا جذريا بعد الوعي على استحالة إصلاحه.

نشأ الإتحاد العام التونسي للشغل على يد فرحات حشاد و محمد الفاضل بن عاشور و الحبيب عاشور في شكل رؤية و تصور معين لعملية إصلاحية ترقيعية للخروج تدريجيا من هذا الوضع و كابدوا من اجل ذلك -هم و من خلفهم- الإستعمار و الأجواء الباردة و الساخنة التي مرت بالبلاد مع بورقيبة و وزرائه و بن علي و عائلاته و يأخذ الكفاح أشكالا مختلفة  كالكفاح ذو التوتر العالي و الكفاح الرخيص الذي جعل الإتحاد في وقت من الأوقات مدجنا، معلبا و مطواعا بيد السلطة إلى أن جاءت الثورة و أخرجت الإتحاد من حالته الطبيعية كمنظمة نقابية و إتحاد لمختلف النقابات في مختلف القطاعات إلى مساهم في الحكم و وضع الحكومات بل حتى رسم السياسات، لسنا هنا لنحاكم الإتحاد و نحلل تاريخه السياسي الطويل و وضعيته الحالية و آفاقه المستقبلية -رغم أن هذا الموضوع صار مفروضا على كل مهتم بالشأن العام- و لكن نحن بصدد الحديث عن آخر ما يمر به الإتحاد العام التونسي للشغل في أزمته الأخيرة مع الحكومة، هذه الأزمة التي طفت على السطح في شكل إضراب لنقابة التعليم الثانوي و في شكل تصريحات هجومية من طرف قيادات الإتحاد على حكومة مهدي جمعة، هذه الحكومة التي تعتبر وليدة تزاوج بين إتحاد العمال و إتحاد الأعراف و حصيلة ما كنا ذكرناه من مساهمة المنظمة النقابية مساهمة مباشرة و حقيقية في وضع الحكومات.

بدأت الأزمة بمطالبة الإتحاد للحكومة بالإيفاء بوعودها و تنفيذ ما اتفقوا عليه حين أعلنت المركزية النقابية تمسكها بمطلبها القاضي بفتح مفاوضات فورية للزيادة في أجور الموظفين وأعوان وإطارات القطاع العام والذين يتجاوز عددهم في قطاع الوظيفة العمومية وقطاع الشركات والمنشآت والدواوين العمومية الـ800 ألف عون منهم أكثر من 600 ألف عون في الوظيفة العمومية لتتسارع الأحداث و تصل إلى حد الإضرابات و لعل أبرزها إضراب نقابة التعليم الثانوي و ما صحبه من لي ذراع بين الحكومة و الإتحاد و تصريحات وصلت إلى اتهام مهدي جمعة بالعمل عمدا لتعطيل تنفيذ المطالب المتفق عليها و ذلك لسبب رفض إتحاد الشغل ترشحه للانتخابات الرئاسية.

هذا ما بدت عليه الأزمة في خطوطها العريضة و لكنها في الحقيقة أكثر عمقا و تشعبا، فالإتحاد العام التونسي للشغل كمنظمة نقابية تظم مختلف النقابات في مختلف القطاعات تعيش تصادما داخليا و منهجيا بين الدور النقابي و الدور السياسي الذي يلعبه الإتحاد فهذا الأخير لا يمكن له أن يعارض بنفس الشراسة و بنفس القوة حكومة كان هو طرفا رئيسيا في تنصيبها، فقد وقع الإتحاد في تناقض في المواقع و الأدوار بين دور الراعي للحوار الوطني و بين طرف نقابي اجتماعي، بين دور المساند للحكومة و الضامن لنجاحها و استمرارها و بين مفاوض و مناكف لها. و من هنا نفهم أن المنظمة النقابية تقف أمام خيار صعب و هو العودة للعمل النقابي الصرف أو المواصلة في هذه الحالة المتناقضة منهجيا و تنظيميا ليكون الخاسر الوحيد هم المعولون على هذه المنظمة ككفيل لحقوقهم و مدافع عنها.
و مما يزيد الأمر تشعبا أن حكومة مهدي جمعة قد صارت تحمل صفة حكومة تصريف أعمال و هو الذي يساعد من تخفيف أعباءها و يحررها من الوعود الكثيرة التي أبرمتها مع الإتحاد مما أوصل حسين العباسي إلى درجة ترجي مهدي جمعة خلال لقاء تم بينهما حيث قال له: “يهديك يرحم بوك ما ترحّلوش الأزمة للحكومة الجاية”، و هذا يدخل في إطار الحسابات السياسية الضيقة لحسين العباسي الذي لا يريد أن يقلق حكومة نداء تونس فهو قد مهد لذلك من خلال تصريح له لبعض وسائل الإعلام  يعترف فيه أن الحكومة القادمة لا يمكن مطالبتها بشيء  إلاّ بعد ستة أشهر على الأقل من توليها الحكم، ستة أشهر تذكرنا بالهدنة الاجتماعية التي طالب بها المنصف المرزوقي حين توليه للرئاسة قبل 3 سنوات و كان جواب حسين العباسي حينها إضرابات أقامت الدنيا و لم تقعدها. و من جهة أخرى فإن مهدي جمعة لازال إلى حد الآن يماطل مستغلا في ذلك عامل الوقت و مرحلة الانتخابات التي تطلب مزيدا من الاستقرار و الهدوء مما يجعل أي إضراب في وضعية الإدانة و الاستهجان و صمام أمانه في ذلك أن الاتفاقات التي أبرمها مع حسين العباسي لم يكن منصوصا عليها في خارطة الطريق التي جاء جمعة لتنفيذها.

أما عمق هذه الأزمة فيفهم من خلال كواليس الدورة ال29 لتظاهرة “أيام المؤسسة” التي انطلقت يوم الجمعة 5 ديسمبر و التي ينظمها، سنويا، المعهد العربي لرؤساء المؤسسات بالقنطاوي بسوسة التي حضرها رئيس الحكومة مهدي جمعة رفقة وفد وزاري إضافة إلى حضور وداد بوشماوي رئيسة منظمة الأعراف ومحافظ البنك المركزي و حسين العباسي. وسجلت هذه الدورة، التي التأمت تحت شعار “المؤسسة ورأس المال البشري، إنتاجية وتبادل، حضور 1000 مشارك من 30 بلدا، من مسؤولين سياسيين بارزين وممثلين عن مختلف مؤسسات التمويل تعرض حسين العباسي خلال هذه الندوة إلى انتقادات كبيرة من رجال أعمال بارزين و صناعيين مؤثرين كما حصلت مشادة كلامية حادة بينه و بين منصور معلى الذي يعتبر أحد المشرفين على هذه التظاهرة  كما سجل الإعلام عجز العباسي عن الإجابة عن أسئلة وداد بوشماوي الغير بريئة خلال المناظرة التي تمت بينهما خلال هذه التظاهرة إذ تمحورت الأسئلة حول “المرونة الآمنة” على حد تعبير وداد بوشماوي في التعامل مع المستثمرين و اتهامها ضمنيا إتحاد الشغل بإهمال العاطلين عن العمل و اقتصار اهتمامه بالشغالين.
من خلال ما حصل في هذه التظاهرة و من خلال ملامح المرحلة القادمة  يبدو أن المساحة السياسية المريحة التي اكتسبها إتحاد الشغل من حيث التأثير على الحياة السياسية بمختلف الأدوار التي يلعبها متجهة نحو التقلص خاصة و أن العائدين إلى الحكم هم من دأبوا على جعل الإتحاد مطواعا بيد السلطة و هم من لم يعتادوا على هذا الدور الذي يمارسه و يرون أنه أصغر حجما من أن يكون مؤثرا في اتخاذ القرارات و رسم السياسات كما أنهم تربوا سياسيا على الصفقات التي كان يعقدها بن علي مع عبد السلام جراد من أجل إسكات الأصوات المحتجة على رداءة الوضع و احتواء حالات الاحتقان و الغضب.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: