عندما بدأ الإسلام غريبا …

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء) رواه مسلم ، وحين سأل الأصحابُ رضي الله عنهم : مَن هم يارسول الله ؟ فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : ( هم أناس صالحون قليل في أناس سوءٍ كثير ) ، وفي لفظ آخر : ( يصلحون ما أفسد الناس من سُنَّتي ) . فنفوس الذين حاربوا الإسلام في عهد النبوة هي نفسها هذه النفوس التي تحارب الإسلام اليوم ، ونرى فيها الملحد المشرك والمفسد الفاسق والختَّار  الخبيث ، ومافي قاموس أسماء أهل الأهواء أسماء وصفات ، هؤلاء هم  الذين أشهروا أسلحتهم في وجه عودة الإسلام من جديد ، واستعانوا لغزل المكائد والمؤامرات بمنوال أعداء الإسلام في مشارق الدنيا ومغاربها . فجاؤوا بأفكارهم وضلالاتهم ، وأصدروا الكتب التي تتحدث عن فشل الإسلام ــ بزعمهم ــ في قيادة الأمة ، وفشله في مشروع الإدارة السياسية للمجتمع ، وما إلى ذلك من مغالطات ليست ذات قيمة ، لولا هؤلاء المروجون لها من أبناء جلدتنا أهل الخبث والفجور والفساد في الأرض .

الإسلام سينتصر ، أجل سينتصر الإسلام رغم كل الأحقاد والمؤامرات ، ولسوف يستمر سقوط مابقي من الأيديولوجيات المخالفة لفطرة الناس ، ولسوف تتوارى هذه الوجوه الكالحة …  عن حقيقة التغيير الذي حقَّق الانتصارات على النفوس التي فرَّطت في جنب الله ، وعلى الأعداء والمرتدين في ميادين المنازلات التي تحتدم في معظم بقاع بلاد المسلمين اليوم . إن مكر هؤلاء الأعداء قديم جديد ، وفاتورته واحدة بالنسبة للأمة فيما أصابها من البلاء والشدائد والتنكيل ، ولكن تبقى الحقيقة الأبدية الخالدة ( وينتصر الإسلام … ) ، ومكر هذه النخب المزيفة المترهلة إلى تباب ، يقول عزَّ وجلَّ : ( وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) 54 / آل عمران ،  ربما لايخطر على بال هؤلاء الظالمين أنفسَهم أن الله لايهمل الظالم ولا الباغي ولا عدوَّ الإسلام ، وإنما يمهلهم  لحكمة هي عنده وهو العزيز الحكيم ، ولكن لابد من ساعة الانتقام الإلهي ، والأمة اليوم تعيش في ليل دامس من القهر والظلم والتنكيل ، ولقد أصاب هذا البلاء الرجال والنساء والأطفال وحتى العمران ، وليس للأمة العائدة إلى الله إلا الله سبحانه وتعالى ، وهاهي الأمة تجأر وتجأر وتجأر … تنادي ربَّها أن يغيثها : ( فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ) 195 / آل عمران . ولا نشك أبدا في أن فرج الله قريب مهما أظلم الدرب ، وادلهمت الآفاق . إن هذه النخب ومَن وراءها من البطَّالين يعملون ليل نهار لاستئصال جذور الإسلام ، وطمس معالمه وآثاره في هذا الكون ، وإلغاء صوته النَّدي الأزلي حتى لايُسمع ، وبالتالي يريدونها علمانية فاجرة لادين ولا أخلاق ولا قيم ، ولكن هيهات …  (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ ) 8 / الصف .

يُخيَّل لأعداء الإسلام أن ما أحدثوه من فوضى ، وما قدَّموا من أكاذيب وألاعيب قد ينهي قَدَرَ الله الذي لامردَّ له ، وربما غرَّتهم نفوسهم الأمارة بالسوء أن يجيشوا الناس على القيادات الإسلامية لإرباك المسيرة ، وزعزعة النقلة النوعية للأمة نحو تجديد مجدها في ظلال القرآن الكريم ، وفي مغاني سُنَّة النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فاتهموا المسلمين بالإرهاب ، وألصقوا بهم صفة التعصب ، وأنهم أعداء مايسمَّى بالديمقراطية ، وأنهم فاشيون ونازيون ومتطرفون ورجعيون ، وحار أولئك الأشرار الفجار في أمر انبعاث هذا الإسلام العظيم ، وكيف يهدمون صرح الشريعة الغراء ، وقد فاتهم أنهم جاهلون بحقيقة هذا الدين ، وأنهم محجوبون عن فضل الله ، وأنهم عميٌ لم يروا أن أنوار الوحي مازالت تملأ أركان الكون الفسيح ، وأن هذه الأنوار مازالت جذاها تتقد في صدور أبناء الأمة الأبرار  ، الذين ماغرَّتْهم مظاهر التطور  وثورة المعلومات ، ومافي السياسة والاقتصاد والثقافة من فلسفات ، إن الإسلام يمنح الأمة القدرة على استخدام كل جديد مفيد ، ويهديها إلى سبل الرشاد والسعادة التي تبحث عنها الأمم ، لقد مرَّت الأمة بعهود مظلمات هيمن فيها الباطل ، فبدت وكأنها كبت وعجزت عن إقامة مالها من حق في الحكم الصالح  والتعبير الصالح الذي ترضاه جموع المسلمين . هذا الحكم وهذا التعبير الذي يمتلك أسمى الخصائص وأرقى القيم التي لايمكن أن يتلاشى خيرُها على مرِّ القرون ، إنه الدين الرباني الثابت الحصين الباقي إلى آخر عمر الحياة الدنيا . والتواصل المديد عبر حقب الزمن لهذه القيم لم ينصرم أبدا ، ولم يغب عن قلوب الخلق ، فهو السرُّ المكنون في أعماق الفطرة الإنسانية المؤهلة للاندفاع نحو الأعلى ، ونفض غبار الغفلة والوهن ، فرصيد الأمة الإسلامية من هذا السرِّ العظيم فعَّال ومؤثِّر ، ولا قيمة لفترات الركود التي مرَّت بها الأمة من حيث تأثيرها على كنه الحقائق التي يحملها هذا الرصيد  ، فهذا السرُّ النَّديُّ أحياها بعد ركودها وغفلتها ، ولا أقول بعد موتها ، لأن الأمة لم تمت ، فدينها في صدور أبنائها يجدد حرارة الإيمان ودفء اليقين ، والأمة تعارض حكم الطغاة والمستبدين وهي صامتة في بعض الأحايين ، ولكنها لا ترضى بغير إسلامها في الحكم ، ولذا تراها اليوم وقد هبَّت بشيبها وشبابها ورجالها ونسائها وأطفالها ، لاتقول للظالم اخسأ ياعدو الله وحسب ، ولكنها أعلنت عليه الحرب لأنه حكم بغير ما أنزل الله ، ولم تركن له لأن الملك لله والأمر لله ، ولو كره المرجفون . إذ ليس لهؤلاء الباغين بعد هذا الذي اقترفته أيديهم من جرائم وكبائر وإفساد من صرف ولا عدل ، وأين لهم أن يتوبوا وقد عميت أبصارهم وبصائرهم ، وليس لهم بعد أن حاربوا الله من فدية يفتدون بها أنفسهم من سخط الله عليهم : ( وَإنْ تَعدلْ كلَّ عدلٍ لايؤخذ منها ) . فأرغم اللهُ أنوفهم ، وسيستأصل بِخَفِيِّ لطفِه وقدرته شأفتهم ، فهؤلاء هم الذين غفلوا عن حق خالقهم عليهم ، وأدبروا عن هَدْيِ نبيِّهم صلى الله عليه وسلم ، ونبذوا قيم الإسلام العزيزة وراء ظهورهم ، ولم يقيموا للقرآن الكريم مكانا في صدورهم ، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم قال لحذيفة بن اليمان رضي الله عنه حين سأله عن العمل أيام الفتن : ( اقرأ كتابَ الله واعمل بما فيه ) وكررها ثلاث مرات ، ولهذا باءَ هؤلاء الفاسقون  بغضب الله وخسروا الدنيا والآخرة ، وذلك هو الخسران المبين . وبقي أهل الحق من أبناء الأمة يناجزون في غربتهم أعداء الأمة ، ويحفظون معالم الدين رغم طغيان المعاصي والآثام ، فهم أتباع النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وهم على عهده ووعده ، وعلى ماتركهم عليه من الهدى والنور : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيّنَ لَهُمْ ) 4 / إبراهيم . إن أسباب ضعف الأمة وهوانها في هذا العصور المتأخرة ماهو إلا نتيجة إدبارها عن أنوار البيان النبوي ، ومن هنا جاءت الغربة لهذا الدين وأهله ، حيث تسلط أهل الشر والفساد والفجور على مقاليد الأمور ، وشعر الحكام ــ الذين أبعدوا قيم الإسلام وتشريعاته ــ بركون الأمة وهوانها ، فشجعهم ذلك على الاستبداد والاستكبار والظلم الذي تعاني منه الأمة ، وبالمقابل شعر الصالحون المرابطون على ثغور الإسلام بالغربة المريرة ، وهم يعانون من سجون الطغاة ومشانقهم واستهتارهم بكل الفضائل والقيم ، وهم يعلمون علم اليقين أن هذه الغربة قدرهم فعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال : (إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، وهو يأرز إلى المسجدين كما تأرز ـ أي ترجع ـ الحية إلى جُحرها ) رواه مسلم وغيره. وهانحن نقول مرة أخرى : إنَّ هؤلاء البغاة الجناة لايبصرون إلا ماصوَّرتْه لهم شهواتهم وأهواؤهم وخياناتُهم ، فتناسوا أن عين الله لاتنام ، وأنه جلَّ وعلا ينتقم من الظالم في عاجله وآجله ، وتلك حكمة الله في حياة الناس في الابتلاء والنجاة : ( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً ) 138 /البقرة ،

لابد لهذه الغربة من أن تزول ــ بمشيئة الله ــ فرحمة الله أقرب للعبد المؤمن من كل قريب ، ولا بد لهؤلاء الغرباء من فتح ونصر ، وذاك هو وعد الله : ( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ  إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ  وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ )   171/172/173 / الصافات ، لايستطيع أحد أن ينكر ثقل الأهوال والرزايا التي صُبَّت على الأمة في بعض أقطارها ، ولا يستطيع أحد أن يتغافل عن وحشية الحاقدين في قتل الآمنين وتدمير بيوتهم على رؤوسهم ، وربما أصاب اليأس بعض الناس لِوطأة ما يعانون من إرهاب العصابات الحاكمة في بعض البلدان ، ويأتي لنا ولهؤلاء جميعا قضاء الله في  نداء الابتلاء : ((أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مسَّتهم البأساء والضراء وزُلزِلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب)، وعلينا أن نعلم جميعا وبكل الثقة واليقين أن نصر الله آتٍ آتٍ آت … مهما استنسر البغاث ، وعربد الأشرار ، ألم يقلْ ربُّنا سبحانه وتعالى : ( حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنُجِّي من نشاء ولا يُرد بأسنا عن القوم المجرمين)، سيأتي النصر ــ إن شاء الله ــ وسيفرح المؤمنون ، وسينال المجرمون ماوعدهم جبَّارُ السماوات والأرض ، فلتصبر الأمة على لأوائها وشدَّاتها ، ولتصبر على قتلاها وجرحاها وأسراها ، ولْتصبر على الحق الذي من أجله تجاهد وتكابد : ( لا تزال طائفة من أمتي قائمين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك ) رواه أحمد والطبراني ، وحين سأل أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم : وأين هم يارسول الله ؟ قال : ( ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس ) . ألا فَلْتبشر الأمة بالفرج ، فإنَّ حقيقةَ هذه الأحاديث عزاءٌ لأبناء الأمة المجاهدين المجالدين ، وفيها نداء نبوي لطيف لإعادة مزايا وشيم الصالحين إليهم ، وفيها بشريات أكيدة لِما يتطلع إليه المسلمون في هذا الزمن : ( إن الله زوى لي الأرض  ــ يعني ضمها وجمعها ــ  فأوريت مشارقها ومغاربها وإن ملك أمتي سيبلغ لي ما زوي لي منها ) رواه مسلم .

شريف قاسم

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: