عندما يحضر الروس تحضر معهم مصالحهم ( بقلم الدكتور محمد ضيف الله)

عندما يحضر الروس تحضر معهم مصالحهم ( بقلم الدكتور محمد ضيف الله)

أن يأتي العسكر الروسي فمعناها إقدام الأسد على الفعل الموحش ببلاده ألا وهو استدعاء الاحتلال الأجنبي وربما إلى أجل غير مسمى إذا اعتبرنا أن الروس لا يهدفون من وراء مجيئهم مقايضة الغرب بخصوص ملف أوكرانيا. يبقى أن الأسد لم يكفه للمحافظة على عرشه أن يواجه المظاهرات بالسلاح ويحول ثورة سلمية إلى حرب أهلية، عرضتها إلى كل أصناف التدخلات الأجنبية من بلدان صغيرة وكبيرة، قريبة وبعيدة وقدوم آلاف الإرهابيين الذين شوشوا على الثوار ثورتهم، فها هو يسمح للروس في نهاية المطاف بإقامة قواعد عسكرية في بلاده.
استدعاء التدخل العسكري الروسي، يعكس عجزا عن حسم الحرب الأهلية ذات الأبعاد الإقليمية الدائرة رحاها في سوريا. ولا يقتصر العجز على الجيش السوري وإنما أيضا هو عجز حلفائه الإيرانيين وميليشيا حزب الله الذين بدا حرصهم في كثير من الأحيان موجها إلى حماية الطائفة العلوية/ الشيعية. وعلى أية حال فإن ظهور داعش والجرائم التي ترتكبها كانت أهم الأوراق التي استغلها نظام الأسد لتغيير المعادلة الميدانية في اتجاه دفع القوى الإقليمية والدولية إلى التوجه لمقاومة هذا الخطر الذي يهدد الجميع، وبالفعل فإن داعش كان لها الفضل في التقريب بين أمريكا، الشيطان الأكبر وإيران، محور الشر، وتجسد تقاررهما سواء بالعراق أو سوريا، وهاهم الروس أيضا يدخلون على نفس الخط.
لكن، ينسى البعض كما هو واضح أن روسيا ليست الاتحاد السوفياتي، وأن زمن الحرب الباردة ولى وانقضى، وهم بالنتيجة يتوهمون أن الروس جاؤوا لترجيح كفة التوازن العسكري في المنطقة لفائدة “قوى الممانعة” في مواجهة الكيان الصهيوني. والحقيقة أن الاتحاد السوفياتي لم يفعلها حتى عندما لم تكن له علاقات دبلوماسية مع تل أبيب، وأقصى ما فعله في زمن عزه هو أنه كان يبيع أسلحته لبلدان المنطقة ومن بينها سوريا، ونعرف نتائج الحروب التي دخلتها تلك البلدان في مواجهة الكيان الصهيوني. وعلى أية حال زمن السوفيات ولى وانقضى. وتدخل الروس في سوريا لن يؤدي -حتى ولو أرادوا- إلى التعويض الكامل لاهتراء القدرة السورية الذي تم خلال خمس سنوات من الحرب الداخلية.
ويكفي أن نذكر هنا بأن لروسيا جالية في الكيان العبري هي الأولى من حيث عددها ولها وزنها وتأثيرها السياسي الكبيرين. وقد ذكرها بوتين عند استقباله لناتنياهو حيث قال “لم ننس أبدا أن عددا كبيرا من المهاجرين (إلى إسرائيل) من الاتحاد السوفياتي السابق. وهذا له تأثيره الخاص على علاقاتنا الثنائية. وأن كل أعمال روسيا في المنطقة كانت دائما مسؤولة” (صحيفة إسرائيل اليوم، 22 سبتمبر 2015). وبالتالي لا يمكن أن نتوهم أن الروس سيتولون تعويض “قوى الممانعة” في مواجهة الكيان الصهيوني. أكثر من ذلك فإن بوتين وناتنياهو اتفقا على تكوين لجنة تنسيق للأعمال العسكرية في سوريا، بما يسمح “للجيش الإسرائيلي بالعمل في سوريا ولبنان إذا لزم الأمر، دون التعرض لخطر الاحتكاك غير المقصود مع الطائرات الحربية الروسية” (جريدة هآريتز، 23 سبتمبر 2015). ذلك ما هو ثابت، وهو ما يؤكد أن التدخل الأجنبي تصبح له دينامياته الخاصة التي تجعله يتصرف عوضا عن أهل البلاد سواء بموافقتهم أو بدونها. وتلك الديناميات لا تخدم إلا مصالح أصحابها.
محمد ضيف الله
25 سبتمبر 2015

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: