عندما يكيد الليبراليون العرب لأوطانهم /بقلم أنور مالك

عندما يكيد الليبراليون العرب لأوطانهم /بقلم أنور مالك

 

مع كل حادثة إرهابية يكثر الحديث عن المناهج التربوية الإسلامية التي صارت في نظر البعض من العلمانجيين والليبرالجيين العرب هي التي صنعت تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” المسمى اختصاراً بـ “داعش”، وقد بلغ جلد الذات منتهاه عند كثير من هؤلاء حتى صرنا نترقب منهم الدعوة لحذف بعض النصوص القرآنية- والعياذ بالله- بعدما صاروا يطالبون بحرق كثير من المراجع الدينية الإسلامية.

هذا ليس بالغريب عن الليبرالجيين العرب الذين يدّعون الوطنية ويزايدون على غيرهم بالمواطنة، فمعاداتهم للدين تدفعهم لاستغلال الفرص من أجل التحريض عليه وتخويف الناس منه، ولن يجدوا فرصة مثل التي يقدمها تنظيم “داعش” بوحشيته التي صارت عابرة للحدود والقارات.

كما أن هذا ليس بالجديد؛ فقد سبق وتكرّر مع تنظيمات سابقة ومنها “القاعدة”، ومع هجوم 11 سبتمبر/أيلول 2001 هبّ الليبرالجيون والعلمانجيون العرب للتحريض على الدعاة والعلماء والجمعيات الخيرية الإسلامية في الغرب والشرق، بل تجاوز كثيرون حدود الوطنية، وصاروا يحرضون أمريكا على التدخل في أوطانهم لمطاردة فلول “القاعدة” وتجفيف منابعها الفكرية والمالية وضربها في معاقلها.

الليبرالجيون العرب يستهدفون المملكة العربية السعودية كثيراً ليس بسبب طبيعة حكمها أو لحسابات سياسية تتعلق بمواقفها الخارجية أو معارضة لسياسة داخلية، بل هو عداء صريح لمنهجها الديني، فهي الدولة الوحيدة في العالم الإسلامي التي تحتكم للشريعة الإسلامية، وحافظت على عقيدة التوحيد، وأعطت نموذجاً يختلف تماماً عن غلوّ أصحاب العمائم السوداء، سواء كانوا في إيران أو دولة “داعش”.

ظل الليبرالجيون والعلمانجيون يترصَّدون لأي حادثة إرهابية في العالم كي يصبّوا نار غضبهم على المناهج التربوية في السعودية خاصة، فلم تعد معركتهم من أجل الاختلاط وحرية المرأة وسيلة ناجحة في مجتمعات قبلية محافظة لا يمكنها أن تحقق لهم مبتغاها، ليس تديناً فقط بل أيضاً من باب العادات والتقاليد والأعراف، فوجدوا ضالتهم في أخطر تحدٍّ صار يواجه العالم وهو الإرهاب.

صار في نظر هؤلاء أن الإرهابيين تصنعهم المناهج التربوية الدينية، وأن الدعاة والعلماء هم من يحرّضون على الإرهاب تحت اسم الجهاد، وأنه لا يمكن القضاء على ظاهرة الإرهاب إلا بعلمنة ولبرلة المجتمعات الإسلامية على مقاس غربي معين.

غير أن الحقائق على وجه الأرض ليست كما يدعي الليبرالجيون العرب، والمشكلة أساساً تكمن في جهل المتشدّدين الذين يلتحقون بتنظيمات إرهابية، فهم لا يعرفون عن الدين شيئاً، وتستغل جهات استخباراتية متمرسة جهلهم من أجل توريطهم في إرهاب صار سلعة رائجة لتحقيق مصالح هذا وذاك.

لولا الجهل والتلاعب بعواطف دينية، ما تحزّم شاب في مقتبل العمر بحزام ناسف وتسلل في وسط مسافرين أو أناس بمقهى أو مطعم أو بالشارع ثم يفجر نفسه كي يقتلهم ويسجل هدفاً لمصلحة تنظيم مشبوه يعيش قادته في سراديب بالعراق.

لو لم يكن الجهل بقيم الإسلام ما قام هؤلاء بقتل أقاربهم في عمليات استعراضية لا لشيء سوى أن يقال إن تنظيم “داعش” صار موجوداً في كل مكان، وهو الذي سيشكّل تحدياً كبيراً للدول ويكلفها جهودًا وأموالاً طائلة من أجل حماية أمنها القومي.

في هذا السياق نضرب المثل بأمرين هامين من أمور عديدة، كثيراً ما يتجاوزها الليبرالجيون والعلمانجيون العرب لحاجة في أنفسهم، لأنها لا تخدم تحريضهم على المرجعية الدينية للدول الإسلامية.

الأمر الأول:

تتحدث الأرقام عن أن الكثير من مقاتلي تنظيم “داعش” قدموا من دول عربية وغربية، حسب وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) التي كشفت أن عدد عناصر التنظيم في العراق وسوريا يراوح بين 20 ألفاً و31 ألف مقاتل كثير منهم قدموا من الخارج.

فيما رجح رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب الأمريكي النائب الجمهوري مايك روجرز، أن يكون عدد من يحملون الجنسية الأمريكية في صفوف داعش بالمئات وليس 100 كما تتحدث جهات رسمية في الولايات المتحدة.

آخر إحصائية تتحدث عن الدول التي يأتي منها عناصر التنظيم، توضح أنه في مقدمة الدول العربية نجد تونس بـ 3 آلاف شخص، وتليها السعودية بـ 2500 شخص، الأردن 2089، المغرب 1500، لبنان 890، ليبيا 556، مصر 360، العراق 247، الجزائر 200، فلسطين 114، الكويت 71، قطر 70.

أما في الدول الغربية فنجد فرنسا في المقدمة بـ 1300 شخص ثم روسيا بـ 800، بريطانيا 700، ألمانيا 400، تركيا 400، أستراليا 270، بلجيكا 250، الشيشان 186، كازاخستان 150، السويد 150، هولندا 100 وإسبانيا 100 شخص.

من خلال هذه الأرقام نجد أنه نحو 80 بالمئة من العناصر الوافدة على “داعش” هم من الذين تخرجوا في مدارس علمانية، وبينهم من لم يدرسوا العلوم الشرعية أصلاً.

الملاحظ أيضاً، أن نسبة وجود الأشخاص الذين تخرجوا في المدارس السعودية الإسلامية نحو 18 بالمئة، ونسبة الذين تخرجوا في مدارس علمانية لكنهم يدرسون التربية الإسلامية مجرد مادة عابرة مثل بقية المواد التعليمية الثانوية الأخرى نحو 20 بالمئة، في حين أن الذين لم يدرسوا أيَّ شيء يتعلق بالدين الإسلامي في المدارس نحو 61 بالمئة.

وهذا يعني أن الذين يلتحقون بتنظيم “داعش”، أغلبيتهم تخرجوا في مدارس علمانية ولم يتعلموا الدين في مدارسهم، فهل تتحمل هذه المناهج التربوية مسؤولية حرمان أبناء المسلمين من تعلم دينهم الصحيح في المدارس حتى لا يكونوا عرضة للتعليم الخطأ عبر مواقع الإنترنت؟

هل وجب أن يطالب المهاجمون للمناهج التربوية الإسلامية بضرورة إدراج العلوم الشرعية في هذه المدارس حتى لا يتخرج منها جهلة بالدين يدفعهم جهلهم إلى قتل الناس؟

لماذا لم نسمع ليبرالجية العرب، خاصة الذين يعيشون في الغرب، يحمّلون المناهج التربوية الفرنسية مسؤولية تخريج جيل متشدد يلجأ إلى مواطن النزاع وصار يستهدف حتى الأمن القومي في الدول التي ولد فيها هؤلاء المتطرفون وتربّوا على أرضها ودرسوا بمدارسها؟

إن الأرقام التي تقدّم في كل مرة عن نسبة الالتحاق بتنظيم “داعش” وغيره من المنظمات الإرهابية، تؤكد أن المشكلة في الجهل الحقيقي بالإسلام وليس في معرفته والالتزام به على بينة وبصيرة، وهو ما يتناقض مع أطروحات الليبرالجيين العرب الذين صار ما يهمهم سوى التحريض على قيم أمتهم وأوطانهم فقط.

الأمر الثاني

المدارس الغربية تمنع أي مظهر من مظاهر الدين كالخمار، وكل ذلك لتظل مدارسهم محافظة على قيم العلمانية المطلقة، ونجد الليبرالجية العرب يتباهون بهذه المدارس التي يتخرج منها علماء في الطب والفيزياء، ولكنهم لا يتحدثون عن مدارس إسلامية لها إنجازات كبيرة، وللعلم أن أحسن مدرسة ثانوية في فرنسا كلها من حيث التفوق والإنجازات، هي مدرسة إسلامية توجد بمدينة ليل في الشمال الفرنسي.

الحادثة الأخيرة في بلجيكا ألقت بظلالها مرة أخرى على قضية المسلمين في الغرب، وظاهرة التطرف التي صارت تشغل بال الساسة والمثقفين والمفكرين والإعلاميين وأجهزة الاستخبارات، حيث إن ما جرى فيها شيء مهم للغاية، حيث إن مدبر الهجوم الإرهابي على مطار وميترو بروكسل وقبله هجمات باريس، المدعو نجيم العشراوي درس في مدرسة العائلة المقدسة الكاثوليكية.

حيث قالت فيرونيكا بيلغريني، مديرة هذه المدرسة الموجودة في ضاحية شايبريك، إن العشراوي “كان طالباً نموذجياً ومنضبطاً” أثناء دراسته الثانوية.

وأضافت بلغريني، في تصريحات صحافية: “لا أعرف ماذا جرى له، لكنه حصل على شهادة الثانوية العامة في 2009، بنجاح وتفوق وانضباط، وكان مساره الدراسي طبيعياً حيث إنه لم يكرر أي سنة”.

المدارس الكاثوليكية تابعة للكنيسة ولكن لا يدرّس بها القساوسة بل معلمون عاديون، ومادة الدين المسيحي هي عبارة عن فلسفة فقط ولا يوجد فيها دعوة إلى النصرانية أو أيّ شيء من هذا القبيل، كما أنها تختلف عن المدارس الأخرى التابعة للحكومة، حيث تعرف المدرسة الكاثوليكية بالتشدد الأخلاقي، فلا نرى فيها ما يجري في غيرها خصوصاً في العلاقات بين الجنسين.

هذا المتشدد الداعشي لم يدرس في مدرسة إسلامية، ولا بمدرسته علمه دعاة ورجال دين قدموا من الدول الإسلامية، ترى كيف تحول إذن من شخص عادي إلى متشدد ينتمي إلى تنظيم هو الأكثر دموية في العالم؟

أين الخلل بالضبط الذي دفع هذا الشاب وغيره ممن درسوا بمدارس غير دينية إلى أن يتحولوا إلى قنابل بشرية تقتل الأبرياء؟

هل هؤلاء درسوا في مدارس السعودية حتى نسمع ونرى ليبرالجية العرب يحرضون على المناهج التربوية الإسلامية السعودية؟

لو نتحدث إلى كل الدواعش لوجدناهم لا يحقدون على دولة في العالم مثلما يجري مع السعودية، وبذلك يلتقون مع تنظيمات متشددة إيرانية تؤمن أن مواجهة السعودية أولى بكثير من مقاومة “إسرائيل”، وهذا الذي اعترف به حتى حسن نصر الله زعيم منظمة “حزب الله” الإرهابية.

كيف يتهمون السعودية بصناعة الإرهاب وكل الإرهابيين يحاربونها من اللحظات الأولى لتجنيدهم فكرياً وتنظيمياً؟

إن المشكلة الحقيقية التي يعاني منها أبناء المسلمين في الغرب هو حرمان أبنائهم من التعليم الديني، فيوجد من يعملون على استدراك هذا النقص من خلال تسجيل أبنائهم في مدارس إسلامية، سواء كانت دراستهم الرسمية فيها أو حصص إضافية إلى جانب دراستهم في المدارس الغربية، وهناك من لا يهتمون بهذا الأمر، مما يجعل الطفل يعيش متناقضات في طفولته بين عائلة مسلمة ومدرسة يجد فيها ثقافة أخرى تتناقض مع قيمه في كثير من الأحيان، وحين يكبر يجد نفسه يبحث عن تعلم الدين بطريقته ولا يجد سوى مواقع النت.

أمر آخر مهم وخطير أن السجون التي يكون فيها أبناء المسلمين في الغرب، تحوّلت إلى أوكار لصناعة التطرف والغلو وغسيل العقول بفكر تكفيري، وهذا ما تحدث عنه الكثيرون في الغرب، بل صار يشغل أجهزة الأمن كثيراً، فأغلب من نفذوا عمليات إرهابية كانوا مسجونين، وتشير معلومات أمنية إلى أن تطرفهم بدأ من الزنازين التي دخلوها في قضايا السرقة والنصب والاحتيال والضرب والسطو والتحرش، وغير ذلك من جرائم الحق العام.

حتى المراكز الإسلامية التي موّلتها دول خليجية أكثرها تحوّلت إلى التجارة ومصدر ثروة للقائمين عليها، لذلك لا تؤدي مهمتها التي أنشئت من أجلها، بل صارت أوكاراً للصراعات الحزبية والإيديولوجية والمذهبية والفكرية، وحتى الولاءات لأطراف خارجية، مما أثر كثيراً على دورها في توعية أبناء المسلمين وتربيتهم.

يتضح مما تقدم أن حرمان أبناء المسلمين من تعلم الدين الصحيح في المدارس له آثاره السلبية على حياتهم، وهو العنصر الأساسي الذي يساهم مساهمة فعالة في تشدّدهم وتحوّلهم إلى إرهابيين يقتلون أبرياء بطرق بشعة للغاية.

متى نسمع ليبرالجية العرب يطالبون بتغيير مناهج دراسية في الغرب لتدارك قضية حرمان المسلمين من تعلّم دينهم بطريقة صحيحة؟

طبعاً هذا لن يحدث فمشكلتهم مع الدين وليس الإرهاب الذي مارسته أطراف مختلفة وديانات متعددة، ويكفي أن قتلى البشر على مدار القرن الماضي هو 102 مليون إنسان، قتل منهم المسلمون نسبة 2% فقط و98% قتلهم المسيحيون، حسب دراسة لجامعة متشيغن الأمريكية صدرت في 2014.

جلد الذات الذي يمارسه ليبرالجية وعلمانجية العرب يساهم في صناعة أجيال متطرفة، فهم يطالبون بمراجعة المناهج التربوية ليس بتصحيح الخطأ وسد النقائص، بل في نظرهم أن تعلم الناس للدين وعقيدته الصحيحة سبب الإرهاب، وهذا غير صحيح تماماً لأن عدم تعلم المسلمين للدين الصحيح هو الذي يدفعهم إلى التدين الخاطئ، وذلك هو لبّ المشكلة.

الخليج أونلاين

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: