غزة أبعد من “مسافة السكة” ( بقلم محمد ضيف الله )


المشير عبد الفتاح سعيد حسين خليل السيسي قال منذ كان “مجرد” وزير دفاع لجمهورية مصر العربية، وكرر ذلك بعد أن صار رئيسا لها في زي مدني وبقلب عسكري، إن الجيش المصري لا يستغرق أكثر من “مسافة السكة” إذا طلبت منه أية دولة عربية التدخل لحمايتها. وها غزة عرضة للعدوان الصهيوني منذ عدة أيام، ولكن لا حياة لمن تنادي، فالمشير لم تهزه النخوة الناصرية التي يتوهمها فيه أنصاره، ولم نر خير أجناد الأرض يخف إلى نصرتها، وهذا يمكن تفسيره في نظري بإحدى الفرضيات التالية:
*الأولى أن لا أحد من الفلسطينيين طلب من السيسي التدخل، لا السلطة الفلسطينية ولا الحكومة المقالة في غزة، وكيف يمكنهم أن يفكروا في ذلك وهم يرونه يُحكم الحصار عليهم بعد أن حطّم الأنفاق واتهمهم بتهديد الأمن القومي المصري. وبالتالي فلا هم طلبوا منه التدخل ولا هو استجاب لهم.
*الثانية أن البلدان المعنية بالعرض العسكري المصري هي بلدان الخليج العربي دون غيرها، ليس فقط لقدرتها على الدفع بالحاضر وبالبترودولار، وإنما أيضا مقابل ما وصل السلطة المصرية من أموالهم ودعمهم السياسي والإعلامي والدبلوماسي، أما غزة -من هذه الزاوية- فليس لها ما تدفعه حتى ولو كان من الأوكسيحين، أضف إلى أنها تحت حكم حماس الموصومة بالإرهاب تبعا لعلاقتها بالإخوان المسلمين..
* الثالثة أن المشير يبيع كلاما للمستهلكين وللمروجين، ولا تبعة لما يقوله على أرض الميدان، والمعنيون سواء من تتوجه إليهم أو ضدهم النجدة العسكرية المصرية الافتراضية، يعرفون جيدا أن الجيش المصري، وإن أفلح في تقتيل المتظاهرين في الساحات العامة، فهو غير مستعد لأية مواجهة عسكرية في ساحات الوغى وغير قادر عليها أصلا. والدليل على ذلك أن قائده الأعلى الحامل لرتبة مشير لم يخض قتالا قط، خارج جهاز المخابرات.
إلى ذلك من الواضح أن غزة لم تكتف بتكذيب كلام المشير السيسي عن مسافة السكة، وسكتها الأقرب إلى “أم الدنيا” من أي بلد عربي آخر، وإنما أيضا كذبت البروبغندا المصرية التي تخون حماس وتنزع عنها الوطنية وتعجب من وصفها بالمقاومة بل وتعتبرها مجرد صناعة صهيونية. فإذا بها صامدة أمام آلة الحرب لأكثر الجيوش تنظيما وتسليحا وتدريبا في الشرق الأوسط، بينما يقف خير أجناد الأرض في مفترق طرقات القاهرة يراقبون حركة المرور ويتوجسون من رفع الشعارات المعادية للسلطة الانقلابية.
إلا أن الأهم من ذلك أن غزة تعطي درسا تطبيقيا في كيفية الصمود رغم قلة الإمكانيات البشرية والمادية ومحدوديتها، وإذ أن سلاحها الأمضى تشبثها بالحق وبالأرض، فإن المستفيدين المتفرجين عن بعد يدركون من الآن فصاعدا أن الانتصارات التي حققها العدو كانت بنسبة النصف تتحقق أولا في مستوى المعنويات، ثم يستكمل الباقي ميدانيا، أما غزة فليس لها إلا أن تنتصر.
محمد ضيف الله المروج، 12 جويلية 2014

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: