غزة تكشف.. ( بقلم الدكتور محمد ضيف الله )

مرة أخرى، غزة تحت النار، ولكن حتى اللحظة لا مظاهرات ولا “فلسطين عربية”، ولا هي “قضية مركزية”. لا مواقف رسمية ولا تدخلات من أجل إيقاف العدوان. الموقف يبدو أنه محرج للجميع للناصريين الجدد كما للإسلاميين الجدد، كما للمزايدين عليهم سابقا يمينا ويسارا.

غزة أيها الصامتون خبرت من تجاربها السابقة كيف تصمد وتبقى شامخة. وفي كل مرة يقصد العدو أسوار منازلها الهشة تنحت اسمها في التاريخ الطويل، لتقرأ أسطورتها على الأجيال القادمة وتكتب ملحمتها كلمة كلمة. مدينة يحاصرها الأعداء من الجهات الخمس، ويطوقونها أرضا وبحرا وجوا، ولم يبق لهم إلا قطع الأوكسيجين على أطفالها الرضّع أو على شيوخها ومعوقيها المتعبين، مثلما يقطعون عليها الخبز والدواء والكهرباء والسولار، إلا أنها تصمد في وجوههم جميعا، وتطور قدراتها على الدفاع الذاتي، مثلما تعري وجوه أعدائها على الجبهتين واحدا واحدا وتسقط أقنعتهم واحدا واحدا.

الشعوب وحدها لها الحاسة السادسة في قراءة مسار التاريخ، وغزة لها حاسة قوية في هذا المجال. وأما المواقف المبدئية أو الثورية أو الصحيحة أو الصلبة أو الإنسانية أو القومية، فيجب أن تتوفر الفرصة لاختبار أصحابها. لأنه من السهل أن نصوغ كلمات جميلة أو جيدة، ومن السهل الخطابة في جمهور من الموالين أو المنافقين أو السذج والغُفّل والمخمورين، ولكن ها هو ميدان شاسع يتوفر أمامهم لاختبار الخطباء والكتبة ومن يعتبرون أنفسهم أصحاب المواقف والمبادئ الصلبة.

في المرة الفارطة كشفت المدينةُ عورات حكام البدو، آل سعود نموذجا، كيف يخونون ويقايضون بالأوطان من أجل أن يحافظوا على ما بين أيديهم من ثروات الجزيرة، أولاد قراد الخيل. وها مرة أخرى غزة عرضة للنار من أمامها والجوع من ورائها، تتلقى على هامتها حمم النار، والمدافعون عنها مصنفون في قائمة الإرهاب الدولي، من واشنطن إلى مكة أم القرى مرورا في نفس اللحظة بتل أبيب والقاهرة المعزية. وجرحاها ينزفون حتى يتأكد قبح الحكام البدو مرة أخرى ومرات.

وها غزة تكشف هذه المرة زيف المواقف الثورية التي كنا نتوهم أنها لا تشوبها شائبة، وها خط الممانعة والمقاومة من طهران إلى بغداد (هههه) إلى دمشق إلى الضاحية الجنوبية، الصمت المطبق، ما الفرق بين من يقتّلهم الحاكم الممانع ومن يقتّلهم العدو الصهيوني؟ وما الفرق هنا بين قادة الممانعة وقادة الصهاينة؟ سوى أن هؤلاء يقتّلون الأطفال وأولئك يفعلون مثلهم، ما هو النعت الذي يمكن أن يسعهم دون الكذابين؟ وما هي الصفة التي تنطبق عليهم أقل من الكذابين؟ أولاد قراد الخيل.

وها خليفة المؤمنين، يشحذ صوته، ويختبر نبراته، ليفرض البيعة على الأمة من المحيط إلى المحيط الآخر، باستثناء غزة. فهي خارج دار الخلافة. موقف جدير بسقوط قناع رديء الصنع. أولاد قراد الخيل. انكشف أمركم جميعا. لا حق لكم في فرصة ثانية لتستعرضوا علينا نبراتكم الصوتية الكاذبة. خسئتم أيها الكذابون!

محمد ضيف الله

المروج، 8 جويلية 2014

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: