غلاء الأسعــــار من نتائج المنطقية للنظام الرأسمالي..! (بقلم أســـامة بن رجب)

سم الله الرحمان الرحيم يقول الحق تعالى في كتابه العزيز: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى،و مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) سورة طه 123_124 “اللهم يـــارب أرخص أسعارنا” ..
هذا الدعاء الذي ملأ خطب الجمعة و ملأ أفواه الرجال هو الشكوى لله العزيز..شكوى من أسعار أصبح تضاعُفها العادة و استقرارها الإستثناء..حتى أصبح هذا الدعاء ومألوفا و أصلا في خطب الجمعة و لا يغادر دعاء المصلين في صلواتهم ولا مناجاة النساء في خلواتهم .. مع دخول شهر الخير شهر رمضان يزداد الطلب على المنتجات الغذائية و يزداد معه التذمر المعهود من غلاء أسعارها وهذا يترتب عليه آثار سلبية على الناس ويتسبب في حالات غير مرغوب فيها في المجتمع خاصة و إن هذا الظلم الاقتصادي للنظام العلماني المطبق علينا يشمل جميع أبناء المجتمع بخلاف الظلم السياسي الذي يقتصر على الواعين العاملين على التغيير من أبناء الأمة. وفي تونس و بقية الدول القائمة في العالم الإسلامي ما يجب ملاحظه أن هذه الزيادة في الأسعار تُثقل كاهل الناس الذين يرزحون تحت وطأة السياسات الظالمة والجبايات الباهظة والضرائب المرتفعة فتزداد معاناة الناس وفقرهم في الوقت الذي تتحدث فيه الحكومات عن تنمية واستقرار.
فالغلاء والاحتكار، واستئثار قلة من الناس بالمال في المجتمع، وغرق كثرة من الناس في الديون، والجوع، ولهاث الإنسان وراء لقمة العيش، كل هذه من سمات النظام الرأسمالي العلماني، فجوهر النظام الرأسمالي يقوم على دفع الناس إلى الصراع على المال ولقمة العيش، وعلى تمكين من تقوى عندهم دوافع التملك والسيطرة من الاستحواذ على ما يستطيعون من الأموال، ولو كان ذلك على حساب ظلم الآخرين، أو استعبادهم، أو إفقارهم أو قتلهم..
ويمكن إجمال الأسباب في هذا النظام الاقتصادي السقيم ضمن النقاط الآتية:
1_ الأزمات الاقتصادية المصطنعة الناتجة عن سياسات الدول الرأسمالية الجشعة تبحث دائما الدول الكبرى خاصة بريطانيا أمريكا و فرنسا التي تنطلق سياساتها الاقتصادية داخليا و خارجيا من المبدأ الرأسمالي الذي يهدف إلى ضمان أكبر ربح من الثروات و الأموال و إن كان ذلك على حساب الشعوب , شعوب البلدان الكبرى و شعوب المستعمرات ..مستعمرات أبى حكامها إلا أن يجعلوا أنفسهم خدام مطيعين لغرب حاقد ملهوف على خيرات الأمة و ثرواتها و لنا في الحكومات المتعاقبة على بلادنا خير مثال بدأ ببورقيبة مرورا ببن علي ثم السبسي و العريض و إنتهاءا بجمعة بريطانيا دون أن ننسى جبالي “الإسلاميين”.. لذلك تلجأ الدول إلى افتعال الأزمات ورعايتها من أجل تحقيق أكبر قدر من الأرباح، مثل هزّات الأسواق المالية التي كانت تفتعلها بعض الشركات الكبرى في آسيا، وتحقق من وراء ذلك أرباحاً طائلة، وتترك خلفها بلاداً مدمرة اقتصادياً كما حدث في جنوب شرق آسيا في تشرين أول سنة 1997م. فهذه الأمور تؤثر في ارتفاع الأسعار، لأن هزات الأسواق تتسبب في أزمات مالية داخل الدولة مما يدفع الدولة لتعويض النقص الناتج عن طريق الضرائب ورفع الأسعار، وكذلك انخفاض قيمة الغطاء المالي العالمي مثل الدولار يؤدي إلى رفع قيمة السلع والخدمات لتفادي الخلل الناتج، وكل هذا يكون من عرق الناس وتعبهم وعلى حساب أجورهم اليومية، وعلى حساب مدخراتهم.
2_ النظام الربوي الناتج من صميم المبدأ الرأسمالي هذا النظام الذي يبيح للفرد التملك و تنمية ماله بأي طريقة كانت بتلعة الحرية .. نعم هي حرية التملك ولسائل أن يسأل “كيف يؤثر هذا في الأسعار؟” نقول إن الربا المترتب على الأموال المستغلة في المشاريع الاقتصادية، يرجع في نهاية المطاف على كاهل المستهلك، فصاحب المصنع الذي اقترض من البنك يريد أن يسدد القرض، وربا القرض الذي يزداد في كل شهر يتأخر فيه عن السداد فيجعل من زيادة أسعار منتوجاته الحل الأقرب و الأسهل لضمان مداخيل أكثر تجعله يُسرع في سداد قروضه و هذا مباح من قبل الدولة لأن لا دخل لها في التحكم في عملية إحتكار السلع أو التسعير في حد ذاته بداعي “حرية السوق” و تلك الشعارات التي لاطالما تغنى بها المضبوعين بالثقافة الغربية و يرون فيها المنقذ الوحيد للشعوب وها قد بان بالأدلة أنها مهلكة لكل شعوب العالم . هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فإن الأموال التي يجمعها البنك أو المؤسسات الربوية الأخرى تسهل عملية الاحتكار للمشاريع الكبيرة بسبب الربا. لأنه لا يستطيع أن يقوم على الاقتراض لمبالغ كبيرة إلا الرأسماليون الكبار، وبالتالي لا يستطيع أن يقوم بالمشاريع الكبيرة إلاّ هؤلاء، وهذا يؤدي إلى سياسة التحكم في سعر السلع المنتجة.
3_القروض الضخمة التي تأخذها هذه الأنظمة العميلة إن ما تتبعه الحكومات المتعاقبة و كل حكام البلاد الإسلامية من سياسيات اقتراض من الدول الغربية يتحمل كاهله في نهاية المطاف الشعب .. نعم فأعلم يا إبن الشعب الفقير البائس أن كل دينار قرض تقترضه الدولة تتحمل أنت مسؤولية سداده ..فمن نتائج سياسات الاقتراض، فتح أسواق تلك الدول للدول المقرضة وبالتالي ضرب الصناعات المحلية، والتسبب في كساد اقتصادي، ورفع أسعار السلع والخدمات، لجمع ما يلزم لسداد ربا الديون المستحقة في كل عام، ورفع الضرائب على كاهل أبناء الشعب… وقد تلجأ بعض الدول إلى خفض قيمة عملتها نتيجة ضغوطات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وهذا يتسبب في زيادة سعر السلع والخدمات وبقاء الأجور على ما هي عليه.. وهكذا أخي العزيز تجد نفسك تتحمل وزر حكام خونة فبإتباع سياساتهم يزداد الفقير فقرا و المحتاج احتياجا !!
4_ نهب ثروات البلاد من قبل الغرب المستعمر فلطالما حرص حكام بلادنا على جعل أنفسهم “كلاب حراسة” على أبواب كبرى الشركات البريطانية و الفرنسية التي تنهب ثرواتنا على سبيل الذكر لا الحصر “بريتش قاز” و “بترو فاك” و غيرها من الشركات التي اتخذت من تونس أرض عقبة أرضا خصبة لسرقة ثروات طبيعية أنعم الله بها علينا فعوض أن يستغل ابناء البلد هذه الثروات حيث تشرف الدولة على إستخراجها و إستغلالها إما ببيعها و هذا ما سيوفر مداخيل ضخمة للدولة تقلل من إرتفاع أسعار المنتوجات المعروضة في السوق أو تشرف الدولة على إستغلالها بإستخدام ناتجها في الصناعات الكبرى و هيكلة مصانع للمتنوجات الصناعية الضخمى و بالتالي لا نبقى تحت رحمة مصانع الغرب و ننتج صناعات محلية تكون طبعا أقل سعرا بما أن المادة الخام و الطاقة الضرورية من نتاج ثرواتنا و كذلك تفتح مجال لتشغيل الألاف من الشبان الذين ذاقت بيهم الدنيا وهم يبحثون على مورد رزق..
هذه لمحة على بعض الأسباب التي جعلت من الأسعار في تضاعف متزايد و ما زيد الطينة بلة هو تلك المحاولات البائسة التي تقوم بها الحكومة ..التي تتدعي معالجة هذه المشاكل إما بالزيادة في الضرائب أو بالتقليص في الأجور أو برفع الدعم على بعض المواد الإستهلاكية .. فبئس ما يفعلون !! فالدولة بوصفها راعية لشؤون الناس كان عليها ان تُعالج الاساس الاقتصادي الذي تنشأ عنه مثل هذه الإضطرابات في السوق فتعمل على الا تكون البلد سوقاً استهلاكية فقط وذلك بتوجيه السياسة الاقتصادية لإنتاج السلع محلياً حتى لا يكون الناس تحت رحمة السوق العالمي. ولا يتم معالجة ارتفاع الاسعار بزيادة الرواتب وهذا ينعكس فقط على فئة من الناس ويستثنى الفئة الاكبر, وقد يحل المشكلة لصنف من الاحتياجات فقط ولذلك فهو حل مرفوض ولم يقل به الشرع الاسلامي ولا يتم كذلك معالجة ارتفاع الاسعار بالإقتراض من صندوق النقد الدولي لان هذه المؤسسة ذراع من اذرع الاستعمار الغربي والذي عادة يفرض على الدول المدينة رفع الاسعار وحفظ الرواتب مما يؤدي الى ايجاد فجوة اكبر بين الحاكم والمحكوم ولذلك فإن الاقتراض من صندوق النقد الدولي يُغرق الدول بالديون والارتباط بالدول الاستعمارية وزيادة الاسعار. أمر آخر لا يقل أهمية و هو السيولة فإن وفرة السيولة بين ايدي فئة قليلة من الناس يؤدي الى التضخم ورفع الاسعار لذلك يجب امتصاص هذه الاموال ليقل النقد فيقل الطلب لتدور دورتها ولا تبقى في يد قلة من الناس, لذلك شرع الاسلام احكام الزكاة والصدقة والوقف والوصية التي من شأنها ان تساهم في امتصاص السيولة من مرتفعي ومتوسطي الدخل لتضعها في يد محدودي الدخل من الفقراء..
إن طريق الخلاص هو تطبيق نظام عادل مستقيم يخلّص الناس من كل هذه الآفات الاقتصادية.. نظام يحرم الربا تحريماً قاطعاً، ويحرّم جميع مظاهره في المؤسسات العامة والخاصة، وبالتالي يقضي على مسألة تكدّسِ الأموال بأيدي فئة من الناس، وانحصار المشاريع الكبيرة بأيديهم، وكذلك يخلص الناس من مآسي النظام ألربوي في كافة المجالات الاقتصادية نظام يحافظ على ثروات الأمة من الضياع والسرقات المنظمة فيحافظ على المال العام وعلى المال الخاص من أي عبث. نظام يقوم على مساعدة الناس اقتصادياً ورعاية حاجاتهم، بدل الاقتراض من الدول الكبرى على أكتافهم، ثم تحميلهم أعباء الربا المترتب على هذه الديون، ويجعل من بلادهم مسرحاً مستباحاً لاقتصاد الدول الكبرى؛ في فتح الأسواق، وفي خصخصة الشركات، وفي تخفيض قيمة النقد وغير ذلك من مآثمٍ ومآسٍ اقتصادية تجرّ على البلد الويلات والدمار..
نظام يمنع الأذى عن الناس في لقمة عيشهم، وحاجاتهم الأساسية، فيمنع الاحتكار للسلع والخدمات بكافة صوره وأشكاله نظام يرعى شؤون الناس في أمور الاقتصاد، فلا يدع مجالاً للاستفراد في الأسواق، وإذا ما غابت سلعة من السوق لأي سبب حرص على جلبها من الأسواق الأخرى، سواء أكان ذلك من الداخل أم الخارج، فيمنع بذلك الغلاء الفاحش الخارج عن مسألة العرض والطلب والمنافسة الصحيحة.
نظام يسعى باستمرار لرفع مستوى الناس الاقتصادي فيؤمّن الحاجات الأساسية لجميع أفراد الرعية فرداً فرداً دون استثناء، ويسعى لرفع مستوى الناس في الحاجات الكمالية كذلك بأقصى قدرٍ مستطاع، ويعمل على إيجاد سياسة من التوازن الاقتصادي بين أفراد الرعية، بحيث لا يشعر البعض بالحرمان من الحاجات الكمالية وبحبوحة العيش فيعيش أناسٌ في القصور الفارهة، وأناس عند حد الحاجات الأساسية فقط، أو لا يحصّلونها.. يقول الله تعالى في كتابه العزيز: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [الروم 41]، وقال: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) 21 رمضان 1435 هجري الموافق ل23/07/2014

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: