” ..فبحيث حملة #وينو_البترول أرعبت عصابة السراق و العملاء ” … بقلم الأستاذ رضا بالحاج

إثر حملة “أين البترول؟ أين الثروات؟” الذكية المباغتة التي تجاوزت الإعلام الرسمي و نشرات أخباره الباهتة و منوعاته المائعة و نقاشاته المتعجرفة.. إثر هذه الحملة العارمة اهتز و ارتج أصحاب الشركات الناهبة و أجمعوا أمرهم و قرروا المواجهة لحماية مصالحهم و لو بسفك الدماء و لو بإدخال البلاد في حرب أهلية.. و لو باستقدام الآلة العسكرية و لو بتغيير الحكومات و تعكير الأجواء السياسية.. و هذا طبيعي و متوقع من هذه الشركات لأن النظام الرأسمالي في منهجيته التوحش و الإجرام و الإستعمار حتى النخاع.. و لكن الذي يلفت الانتباه و يصدم و الذي يصيب الواحد منا بالغثيان هو اصطفاف كثير من السياسيين و الإعلاميين و أشباه المثقفين و بسرعة قياسية و بطريقة مخزية مع ناهبي الثروات، يتكلمون باسمهم و يلتمسون لهم الأعذار و يذكرون بمزاياهم على البلاد، و تبعا لذلك يعفون الدولة و يُنزّهونها-و هي اعترافاتهم السابقة دولة الفساد- ينزهونها عن الكذب على الشعب و عن التواطؤ مع الناهبين و يعفونها من التفريط و الخذلان.. قال علي العريض رئيس الوزراء الأسبق ردا على ندوات أقمناها في الجنوب عن ثروات تونس المنهوبة:”لا وجود لفساد في قطاع الطاقة البتة”، و ضمنيا قال”ابحثوا عن الفساد في اللحوم و المعلبات و الشكلاطة و الحلوى، أما النفط فلا”.. و قال مثل ذلك رئيس الوزراء اللغز مهدي جمعة أكثر من مرة، و بالطبع و التأكيد قالت أفظع من ذلك منقذة البلاد و العباد وداد بوشماوي رئيسة اتحاد الصناعة و التجارة!!
تعجب لصنيع هؤلاء المرتزقة النجباء بين يدي الغرب المتحسنين و المتحصنين بالصفة “المدنية و الحداثية” و الذين لا ذمة لهم و لا كرامة و لا شهامة و لا حتى حياء.. تعجب من ذلك و تقول في نفسك:”فعلا نجح الاستعمار في زرع العملاء في كل مكان”.. نجح في جعل الخيانة و النفاق وجهة نظر أنيقة مثقفة!!
**أول غراسة العملاء كانت في التعليم و لاسيما الجامعات للتحكم في برامج التعليم و ضمان إخراج المثقف المنبت ثم المثقف التابع لهم.. المثقف الذي لا يرى وجاهة له و لا قبولا و لا احتراما و لا حظوة إلا بمقدار تمثله الثقافة الغربية و حفظها و استعراضها و استحضارها.. ما يخلق في المثقف عقدة النقص و الإستحياء من انتمائه الطبيعي.. و على هذا القياس تُنجز أغلب الدراسات الجامعية العليا و تبنى المواقف و الآراء.. و هؤلاء اليوم في ما يتعلق بموضوع الثروات الحساس -إلاّ ما رحم الله- في غربتهم و عزلتهم يعمهون.. في أبراجهم من طابق إلى طابق يعرجون.
**ثاني غراسة العملاء كانت في الإعلام و ما أدراك ما الإعلام الذي يخرقه الغرب في بلادنا على مرأى و مسمع من الجميع بدعوى التأهيل و التدريب و التعاون الفني و نقل الخبرات و من أشنع الأمثلة على ذلك ما تفعله “BBC” مع التلفزة الوطنية و ما يفعله مفوض السفارة الفرنسية مع إعلامنا الرسمي و شبه الرسمي.. قال لنا بعض الصادقين من العاملين في مجال الصحافة و الإعلام “إن تدخل الأجنبي يومي و فاضح و يدعو إلى القرف و بلا أدنى حياء”.. أما عن الإذاعات فحدث و لا حرج تتكفل ببعضها شركة فرنسية واحدة تمويلا و توجيها و العنوان و الغطاء إشهارات و إعلانات مفوترة.. و على هذا المقياس يقع اختيار الإعلاميين و المحاور و المشاركين و المساهمين في صناعة الرأي العام و خط التحرير.
** ثالث غراسة العملاء هي في الوسط السياسي و ذلك بالإستدراج و التوريط و بالترغيب و الترهيب و بصناعة القيادات، و ما “فريدوم هاوس” سيئة الذكر و أخواتها إلاّ سقيفة يؤهل فيها السياسيون و يلقنون فيها الدروس و الطقوس، و الأسماء المتورطة في تونس مكشوفة بالمعلومة أو بالإستنتاج.
هذه الطاقات الثلاثة المعطلة المخطوفة في الأغلب الأعم -إلا ما رحم الله- لم تعد في صف حركة الأمة الطبيعية بل صارت كابحة لها و معرقلة و هي و للأسف تصطف اليوم مع الذين يتسترون على الناهبين و الظالمين و الفاسدين بل إن هؤلاء لا يدخرون جهدا في محاربة المخلصين و التشكيك في نواياهم.
من هم المتورطون تحديدا في التستر على النهب العالمي لتونس؟
1- من جاء بسائر الحكومات بعد الثورة و لاسيما حكومة مهدي جمعة التي لم يكن أمرها توافقا البتة.. مهدي جمعة الذي دُعي إلى بريطانيا برعاية وداد بوشماوي و أخضع لمساءلة كالتلميذ و قدم تعهدات و التزامات للحفاظ على مصالح الغرب و لاسيما في مجال الثروات و الطاقة، ثم وقع اسقاطه على المشهد السياسي في بهتة من الجميع و هو المعروف بأنه وكيل عن شركات كبرى عالمية للنفط.. و فعلا وقع إدارة هذه المرحلة بأعلى درجات الإصطناع و المغالطة و كان الإرهاب هو الأداة الأولى للتمويه ما مكن لمهدي جمعة و فريقه من التجديد و التمديد للشركات الناهبة في مخالفة صريحة لكل القوانين و للدستور الجديد.
2- منتحلو صفة الإسلاميين: هذا الفريق من السياسيين الجدد مثل فعلا كارثة على البلاد و العباد، إذ كانت قياداتهم مستعدة لتقديم أي ثمن للغرب ليرضى و ليكونوا من أهل الحكم و محيطه.. و قد طوعوا الإسلام العظيم بدلالات الحق و العدل فيه لرأسمالية متوضئة، و بذلك أصبح الإسلام في خطاب هؤلاء و استعمالاتهم مجرد إمضاء و توقيع على جرائم الرأسمالية الفكرية و الواقعية التي استنزفت تونس و استضعفتها لعقود.. و هذا الإنخاراط في تبرير سيطرة الغرب و نهبه أكده لي قيادي في هذا التيار الموصوف بالإسلامي إذ قال لي:”نعيش سيادة هشة منقوصة و علينا مسايرتها و مداراتها”.. و بهذا التمشي المتنازل فقد هذا التيار نهائيا صفة الكفاح و النضال فضلا عن التحرير و التأسيس و أصبح الإسلام (و حاشاه) سمحا لينا سهلا مخففا ملطفا مطواعا ذلولا لكل رَكوب رأسمالي.. و ها هو راشد الغنوشي في نفس اليوم الذي يخرج فيه الناس للشارع يطالبون بالمحاسبة و فتح ملفات الثروات يصرح في تطاوين أن من يقول بأن تونس فيها موارد طاقية هو من دعاة الفوضى! الله الله !! بيع للهمة و الذمة و للأسف.
3- اليسار الرجعي الرأسمالي الإقطاعي(نعم..بهذه التسمية المسيخة الغريبة): هذا التيار في الأغلب الأعم يشهد توبة و تصالحا بل إنصهارا مع اللبرالية الرأسمالية و تبنى مقولاتها و ادعى فيها سبقا و فلسفة و صار مجرد مخلب لرجال الأعمال و الإرادة الدولية.. يعيش الغربة ثلاثا:
أ- الغربة الأولى عن مبدئه و منهجه، إذ لم نعد نسمع منهم عن الصراع الطبقي و الحتمية التاريخية بل نسمع عن السلم الاجتماعي و التوافق و المصالحة و سائر المصطلحات اللبرالية المائعة.
ب- الغربة الثانية هي غربة هذا التيار اليساري عن الرأسمالية التي هرع إليها و تشبه بها تائبا، إذ أنه يناقض كل المقولات اللبرالية مع كل مأزق لأنه مسكون بالعنجهية و الدكتاتورية فنراه يؤيد الإنقلابات و يرفض حكم الأغلبية و لا يعرف من الحالة الشعبية إلا الشعارات و “خالتي مباركة”.
ج- الغربة الثالثة هي غربة هذا التيار عن الإسلام الذي انتحل الإنتماء إليه اضطرارا بعد مادية جافة و علمانية إلحادية لعشرات السنين و رغم ذلك ظل هذا التيار بمقياس الإسلام و عند المسلمين حالة شاذة منبوذة و كلما أمكنه نفث السموم على الإسلام و المسلمين فعل و لم يتردد و لم يتخلف بطريقة الدس و الانتهازية.. و في كلمة صار اليسار في أغلبه الخادم الخدوم الذي فقد الطابع الكفاحي و صار حريصا على القبول الرأسمالي و ضماناته و شفاعاته و لهذا نراه اليوم ينأى بنفسه عن حملة المحاسبة على الفساد الرأسمالي و النهب الدولي للثروات.
4- التيار الرأسمالي اللبرالي و هو بطبعه أيديولوجيا و منهجيا و واقعيا و كيل و تابع للنظام الرأسمالي العالمي و حريص على إرضاء الغرب في الصغيرة و الكبيرة ولا يتصور فكرا إلا من الغرب ولا قوانين إلا من مدارسه و جامعاته و لا سياسة إلاّ ضمن دوائره.. و هذا التيار بطبعه منغمس في الفساد الدولي و المحلي إلى الأذقان و تربت عنده قسوة و عجرفة جعلته مستعدا لكل أنواع الإجرام.. و من يمثلون هذا التيار جن جنونهم اليوم بمجرد ذكر المحاسبة في الثروات و نمثل لهم “بمحمد العكروت” الرئيس المدير العام للشركة التونسية للأنشطة البترولية (ETAP)، الذي طلع علينا بكثافة في جل القنوات التلفزية هذه المدة مرتبكا مرتعدا و مبررا بكل وقاحة نهب الثروات نافيا نفيا قطعيا وجود الفساد في قطاع الطاقة.. و صفحات وجهه و فلتات لسانه تكشفه و تفضحه (لا حاجة لنا “بعدّاد مراقبة” للانتاج النفطي فنحن نتعامل مع المستثمرين “بالثقة”!! )

ما هي السيناريوهات المتوقعة بعد أن اشتدت المحاسبة؟
1- هذه الشركات الناهبة التي استضعفت تونس و وجدتها لقمة سائغة بلا أدنى منازعة قد تعمل على بث الفتنة في البلاد كتحريك النعرات الجهوية أو القبلية و قد تسلحها كما فعلت في نيجيريا.
2- قد تقوي هذه الشركات منسوب الإرهاب عابر القارات لإلهاء البلاد و العباد بالدفاع عن النفس بحكم غريزة حب البقاء، و قد تجعل هذا الإرهاب فظيعا جدا و متواترا إلى درجة إدخال البلاد في متاهة تحرج المناضلين لاسترداد الثروات و تنقص من زخم التحركات الشعبية.
3- قد تقدم هذه الشركات بعض الفتات متمثلا في بعض الخدمات للقرى و المدن على سبيل الهبة و المنة بطريقة تدوس كرامة الناس و سيادة البلد لتُموّه و تمتص الغضب.. فتهدي مثلا بعض المرافق الصحية و المعدات الطبية المتطورة و قد تُعَّبد بعض الطرق و المسالك، و قد تفتح مدرسة هنا أو هناك بطريقة مذلة و دون استئذان الدولة أو اعتبارها، كما فعلت بتروفاك في قرقنة بإسنادها بعض المنح للشباب المعطل عن العمل.. قد تفعل ذلك كي لا يسترد أهل البلد حقهم كاملا بوصفه حقا لا منة و لا هدية.. و هذا الأسلوب المخزي في الإختراق له أمثلة عديدة في تونس نذكر أحدها: أليس من العار على السلطة أن تسمح لنادي “روتاري” الماسوني ذائع الصيت بتولي إيصال الماء الصالح للشراب إلى أحد أرياف القيروان في الأسبوع الفارط؟؟.. و مثل ذلك كثير، فأي اختراق هذا و أية مذلة و هوان.. علما أن مثل هذه الأعمال الخيرية ممنوعة عن الجماعات الإسلامية بزعم أن هذه الأعمال من اختصاص الدولة حصرا.
4- قد تعلن هذه الشركات من خلال عملائها انسحابها شكليا من تونس و من ثم إرباك الجميع و إعلان أزمة اقتصادية في البلاد، يتحمل وزرها حسب الإعلام المأجور أصحاب حملة “أين الثروات؟”.. و هكذا يجبر الجميع على الرضا بالأمر الواقع و القبول بالحد الأدنى و معاشرة الفساد باعتباره ضرورة اقتصادية.
5- قد تمارس هذه الشركات من خلال وكلائها أو بصفة مباشرة حملة تصفية و اغتيالات لأبرز المكافحين و الداعين لاسترداد الثروات و ذلك بالإغتيالات الصامتة و الغامضة لردع الجميع، و هذا الإحتمال موضوع على طاولاتهم و هو قيد النظر.
6- قد تسير هذه الشركات في أسلوب الشرذمة و التشتيت بجعل الملف مجموعة قضايا و مجموعة مراحل و سياقات مختلفة و معقدة و من ثم يقع الإلهاء و التضليل و شراء الوقت و تصبح الحملة المدوية لمحاربة الفساد مجرد مناكفة بالأرقام و الأرقام المضادة.
7- قد يقع التوصل في شكل تنازل و بإخراج مسرحي إلى إقرار لجان للمراقبة و المتابعة و التحقيق و ضمان الشفافية المزعومة مع المحافظة على الوضعية الراهنة للتبعية و النهب لتراوح القضية مكانها.

** و أخيرا نؤكد أن تأميم الثروات هو في ظاهره عمل ثوري و إيجابي و لكنه في الحقيقة خطير لأن رأس المال في العالم أجمع و من باب أولى في تونس هو أقوى من الدولة و في صورة تولي الدولة أمر الثروات فإن هذا سيوقعنا في بيروقراطية معقدة يعشش فيها نوع جديد من الفساد يكون فوق النظر و المحاسبة.. و انظر بارونات الفساد من البترول المؤمم في الجزائر و تحالفه المرعب مع الفساد الدولي.. و قبل هذا و بعده فإن الإسلام العظيم جعل الثروات الباطنية و المعادن التي لا تنقطع ملكية عامة أي أنها ملك للأمة تتولاها إدارة خاصة، و لا تدفعها الدولة في نفقاتها الواجبة و العادية لرعاية الشؤون بل يكون مردود هذه الثروات للناس جميعا وفق آلية خاصة و بحصص مقدرة.. و هذا أمر في غاية التميز و الجدوى في النظام الإقتصادي الإسلامي الذي ينتظره العالم أجمع بديلا عن جهنم الرأسمالية.
**نحن نبارك هذا المسعى الثوري الذي أربك الضعفاء و العملاء و الجبناء و قد كان لحزب التحرير شرف الإنطلاق فيه منذ الأيام الأولى للثورة بتكرار و عناد و جدارة، و في نفس الوقت نحن نعلم أن غرف الظلاميين الظالمين المغلقة و أن مطابخهم العفنة تشتغل صباح مساء لتضع الخطط و المؤامرات بكل قسوة و غلظة لإحباط العزائم و منع تحرر هذا الشعب و سائر الأمة و نحن نعلم أن المشرفين على هذه الخطط القذرة في تونس هم ثلاثة عملاء لا يملكون من تونس إلا مضمون الولادة.. و لكن ليعلم الجميع أن هذا الزمن هو زمن الأمة تسترد فيه بإذن الله ثروتين:
– الثروة التشريعية بالإسلام المعطلة المقموعة، و خيرها للإنسانية جمعاء.
– الثروة الباطنية و السطحية و البحرية و الجوية و هي من نعم الله مختطفة منهوبة حرمت منها الأمة تحت حكم أنظمة علمانية وليُّها الغرب.

31 ماي 2015
الأستاذ رضا بالحاج -الناطق الرسمي لحزب التحرير-

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: