10698418_730662790346252_4170452386980461589_n

فرنسا … راعية الثورة المضادة في تونس …بقلم زياد عطية

في كل ثورات العالم عبر التاريخ تنشأ  ما يسمى ب”الثورة المضادة” التي تعمل بالأساس على إجهاض مسار الثورة الحقيقي و تكون عائقا أمام تحقيق أهدافها و تكون عواقبها سيئة  على واقع الدول  ، و الثورة التونسية لم تخرج عن هذا  السياق الثوري – التاريخي  التي دعمتها الديمقراطية العرجاء ، و عملت أطراف عدة ضمن الثورة المضادة داخلية و خارجية في تونس  ، و من نتائجها أن أعادت خارطة المشهد و التركيبة السياسية  لصالح أحد أذرع المنظومة الاستبدادية السابقة حزب حركة نداء تونس و انتخاب الباجي قائد السبسي رئيسا للبلاد .                       

فالطرف الرئيسي الخارجي ،  الذي لعب دورا سلبيا و تأثيرا واضحا على المشهد  و كان أحد الدعائم الأساسية للثورة المضادة ، هي دولة فرنسا القوة العلمانية بالاتحاد الأوروبي  التي أستعمرت تونس لطيلة 75 سنة  تمكنت من بسط نفوذها في تلك الفترة و فتحت المجال لها الى اليوم لمواصلة استعمارها غير المباشر بفعل اتفاقيات النهب و السرقة لخيرات و ثروات البلاد أمضيت خلال حكم الراحل بورقيبة من ثم تم تدعيمها مع نظام بن علي ، و كان لسقوط بن علي تأثيرا بالغا على فرنسا التي تهددت مصالحها و تغيرت موازين القوى و  المشهد السياسي لصالح الإسلاميين الذين لم تتعامل معهم فرنسا سابقا  و وجدت نفسها في موقف جديد مغاير عما كان سائد مع الصحوة الإسلامية التي شاهدتها تونس ، الشئ الذي أجبر الفرنسيين على تغيير مخططاتهم تجاه تونس  .                                                     

و  بعد تشكل حكومة جديدة  توافقية لأول مرة في تاريخ تونس و العمل بنظام الترويكا بدأ عرقلة المشروع الوطني ينمو  شيئا فشيئا من قبل أطراف داخلية مهدت لفرنسا العمل بجدية مرة أخرى قصد افتكاك الثورة و تغيير مسارها الحقيقي ، فتعددت إضرابات و اعتصامات الاتحاد العام  التونسي للشغل التي حققت رقما قياسيا ، فالاتحاد الذي كان اتحاد متماسكا  و مناضلا أيام الاستعمار في صف الحراك الشعبي تغير هدفه نحو العمل السياسي و مساندة أزلام نظام بن علي  و أعترف أمين عام الاتحاد حسين العباسي قائلا ” عملنا سياسيا من أجل إسقاط نظام حكم الترويكا ” ، و نشطت  من جانبها وسائل الإعلام المحلية  بشكل مكثف ضد الثورة بزعامة بيادق المنظومة السابقة .                    

  هذه الظروف الداخلية مهدت لاشتغال ظروف خارجية و ظهور طرف خارجي متمثل في دولة  و هي فرنسا ، لتكون اثر ذلك المتحكم الأساسي في الثورة المضادة و دافع رئيسي نحو تغيير المشهد السياسي لصالح ذراع المنظومة السابقة من أجل إعادة مصالحها و المحافظة على الاتفاقيات التي تم عقدها منذ سنوات الاستعمار و تم المصادقة عليها  خلال حكم الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي . و رغم انسحاب الباجي قائد السبسي من العمل السياسي حسب تصريحه أثناء  تسليمه الحكم لصالح حركة النهضة ابان انتخابات المجلس التأسيسي  غير أن تحركاته بعد ذلك أثارت شكوك لدى التونسيين و قد  كثف من زياراته الى فرنسا ، قبل أن يعلن عن تأسيس حركة نداء تونس  صحبة مجموعة من الشخصيات المعروف بعملها الدولي  خارج تونس و أصحاب التاريخ الأسود  من أمثال الطيب البكوش ، لزهر العكرمي ، منذر بلحاج ، بشرى بلحاج حميدة ، محسن مرزوق … و رغم حداثة تأسيس الحركة في تلك الفترة غير أنها وجدت تمويلا ضخما  من قبل الفرنسيين و عبر الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند عن ارتياحه آنذاك معبرا كون “نداء تونس ستكون مستقبل الأحزاب السياسية في تونس و سنعمل على دعمها “.                                         

و استنجد الرئيس الجديد الباجي قائد السبسي خلال الأزمة السياسية في تونس بعد قضية اغتيال المعارض اليساري شكري بلعيد بفرنسا و طلب منها التدخل و مواجهة التطرف و مساعدتها في العمل السياسي و النشاط في خطاب أثار ضجة لدى أصحاب النفوس الثورية و تغافلت عنه وسائل الإعلام التونسية . و هو الشئ الذي يؤكد التعاون و التكامل القائم بين الدولة الفرنسية و حزب حركة نداء تونس الذي تعتبره حامي مصالحها اليوم في تونس .

و كانت ردود فعل الدولة الفرنسية في الكثير من المواقف إزاء الوضع التونسي تصب لصالح المعارضة و بالخصوص نحو حركة نداء تونس التي تراها الأصلح لقيادة البلاد و دعتها الى دخول ما سميت ب”حكومة الاتقاد الوطني ” ، اذ كانت  في مجملها  مواقف ضد عمل حكومة حركة النهضة ، و هاجمت  الرئيس السابق المرزوقي ، فقد أشارت جل التقارير الإخبارية الى الدور الذي لعبته فرنسا كشريك أساسي و أولي في المرحلة الانتقالية بتونس من أجل إسقاط حكومة الترويكا .                                                                                                                                

أن تصنيف تيار أنصار الشريعة بتونس كتنظيم إرهابي ليس عمل داخلي فردي فحيب له كانت هناك ضغوطات أيضا خارجية ، و لا يستبعد أنه جاء اثر ضغط قادته فرنسا للتصدي للصحوة الإسلامية و الحد من عودة التعاليم الدينية و العلوم الشرعية  و شجعت بكثافة على سياسة الاعتقال العشوائي ضد أنصار التيار السلفي بدون أي موجب أو تهم و العمل على رفض الخيمات الدعوية ، و يأتي ذلك في إطار المحافظة على سياسة النظام العلماني  السابق ، اذ عبرت وزارة الخارجية الفرنسية عن ارتياحها من هذه القرارات و حثت الحكومة على مواصلة إصدار قرارات  بنفس النهج. 

و يتلقى الإعلام التونسي تشجيعات و حوافز مالية لتغيير الخط التحريري لصالح طرف معين  ، و هو ما تحدث عليه بعض السياسيين حول تبادل المال السياسي الفاسد من ذلك قناة نسمة الفضائية التي يملك مالكها نبيل القروي علاقات مشبوهة مع أطراف فرنسية و  كان أحد ممولي حملة الباجي قائد السبسي في الانتخابات الرئاسية .

و تعد فرنسا الدولة الراعية للحوار الوطني مع الاتحاد العام التونسي للشغل  و حققت هدفها في إسقاط الحكومة و تعيين حكومة جديدة فهي التي فرضت شخصية مهدي جمعة ليكون رئيسا للحكومة في أخر جلسات الحوار ، و لعبت من بعد ذلك هذه الحكومة  دورا سلبيا في تغيير المشهد السياسي و اتخاذ قرارات وصفت بالخطيرة ، و قال القيادي المعروف و النائب في المجلس التأسيسي عبد الرؤوف العيادي ” إن الحوار الوطني وقفت ورائه أطراف خارجية و على رأسها الاتحاد الأوروبي و خاصة فرنسا ” .                                                                                

و تعتبر فرنسا أولى الدول التي هنئت الشعب التونسي بكتابة الدستور و المصادقة عليه ، و كانت حاضرة يوم توقيع رئيس الجمهورية السابق الدكتور محمد المنصف المرزوقي على الدستور ، و حضورها كان رسميا في التأسيسي و ألقى الرئيس فرنسوا هولاند كلمة في الغرض .                                                                                  

و ضمن قضايا الاغتيال ظهرت روايات تؤكد تورط أطراف فرنسية في اغتيال المعارض اليساري شكري بلعيد ، بعد أن تم العثور على وثائق تجسس لشخصيات فرنسية قبيل عملية الاغتيال و وجود علاقات بين المورطين في القتل مع أطرافا  فرنسية ، و  عرض برنامج “الصندوق الأسود” على قناة الجزيرة تورط رجل الأعمال التونسي المعروف بفساده و نهبه  كمال اللطيف و هو الذي يملك رأس مال خارجي كبير منها بفرنسا و كثير التنقل بين تونس و هذه الدولة  . و تبقى فرنسا الطرف الرئيسي لتونس في المبادلات التجارية  إذ تتجه إليها 1/3  الصادرات التونسية و تأتي منها حوالي ¼ الواردات  و هو ما يؤكد كون الاقتصاد المحلي التونسي مرتبط أساسا مع هذه القوة العلمانية  التي سعت أيضا الى كسب ود الساسة و هو ما تم  ، لتصبح الشريك الأول اقتصاديا و سياسيا .   

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: