فضل “المخلوع” على أهل تونس بقلم محمد هنيد

قُلْ ما شئت في “بن علي” فلن تُجانب الصوابَ فقد كان طاغية مستبدا لا يرحم وهو في ذلك لا يشذ عن الخصائص الفارقة التي تميز الحاكم العربي في النظام الجمهوري المزيف الذي يُخفي تحته أبشع الأنظمة العسكرية الدموية.

“بن علي” كان في الحقيقة وكيلا استعماريا بائسا يعمل لصالح لشركات النهب العالمية وللقوى الإمبراطورية التي تتحكم في مصائر العالم ومصائر الشعوب التي ابتليت بوَرم الدكتاتورية.

الوكيل “بن علي” جيء به لخلافة “العجوز بورقيبة” الذي انتهت صلاحيته وهو الوكيل الاستعماري الأول الذي وضع الأسس الحقيقية لدولة الاحتقار الاجتماعي والطائفية الجهوية وأرسى دعائم نظام التمييز الجغرافي بين العمق التونسي الفقير والضواحي المترفهة.

لكن رغم كل عيوبه فإنه من الظلم التقيمي أن لا نرى في الرجل فضلا على أهل تونس خاصة اليوم والبلاد تعيش أعمق أزماتها السياسية الناجمة عن تعفّن الوضع السياسي وانتشار التقاتل الحزبي بين مكوناتٍ صنعها جهاز “بن علي” وعمِل طويلا على ترويضها، وإن أعظم فضائله على شعب تونس هو نجاحه الكبير في ترويض النخب التونسية السياسية منها وغير السياسية حيث دجّنها فأحسن تدجينها.

فمنذ فجر “التحوّل المبارك” ـ كما سمى “بن علي” انقلابه على العجوز ـ أدرك الرجل بحسه البوليسي الاستخباراتي المتيقظ طبيعة النخب التونسية وقابليتها الكبيرة للتدجين والإيجار وذلك لسببين أساسيين:

أولهما، أنها لا تملك مشروعا اجتماعيا أو حضاريا أصيلا بل هي تستورد مقولات جاهزة وأنساقا نظرية صُنعت خارج نطاق مجالها المعرفي ونبتت في تربة بعيدة، مما يجعلها غير قادرة على النمو ولا على الإثمار في التربة التونسية الاجتماعية.

بناء عليه فإن الفكرة القومية أو الفكرة الماركسية أو المقولات الليبرالية والعلمانية بل حتى تلك المقولات الدينية المستغلقة وكل الأطر الأيديولوجية لم تجد إلى الأرض الفكرية التونسية سبيلا قويما، في الوقت الذي لا تزال فيه أغاني الحياة التي صدع بها أبو القاسم الشابي ترنّ في أذن التونسيين جميعا.

لم تقُد شعاراتَ ثورة الحرية التونسية خطاباتُ ماركس ولا شعاراتُ عبد الناصر ولا فحيح الحداثة الكاذبة بل كان شعارُ الأحرار: “إذا الشعب يوما أراد الحياة”.

أما السبب الثاني، فهو حجم العداء الذي تحمله النخب التونسية لبعضها البعض من ناحية أولى، ولكل مخالف لها من ناحية ثانية، فالاستعداء والقابلية للاستعداء هي السمة المميزة للنخب السياسية التونسية خاصة الإيديولوجية منها. هذا السبب الثاني هو الذي رسّخ في ذهن “بن علي” أنه في مأمن من تكتل النخب التونسية أو من قدرتها على التجمّع والتجميع مهما بلغت حدة القمع التي سيمارسها طوال السنوات العجاف من حكمه العسكري.

إن وقوف “العسكري الهارب” مبكرا على هذين الخاصيتين الفارقتين للنخب التونسية هو الذي جعله ينجح خلال فترة وجيزة في تدمير الحياة الثقافية والفكرية في تونس بشكل عجز عنه بورقيبة “المستبد المتنور”، ونجح فيه “المستبد الأخرق”.

هذا الفعل التدميري ظهر عبر تجربتين:

تتمثل الأولى في تحوّل الجامعة التونسية خلال التسعينات إلى فضاء للتناحر السياسي بين مختلف الدكاكين الأيديولوجية التي تؤثث السوق السياسية التونسية ويتردد صداها في أروقة الحرم الجامعي.

هذا “التحول المبارك” قاده بوليس “بن علي” السياسي الذي تحول في الجامعة إلى كتائب متحركة تقود بنفسها التحركات الطلابية ضد هذا الفصيل أو ذاك، خاصة بعد تصفية الإسلاميين بالحديد والنار في مطلع التسعينيات، ولقد قاد “طلبة البوليس السياسي” مشروع “بن علي” لتدمير الحياة الفكرية والسياسية في نواتها الجامعية، وكوفئ الجماعة خاصة من القوميين واليساريين بمناصب إدارية رفيعة بعد إتمام المهمة.

أما التجربة الثانية فتتمثل في محرقة الإسلاميين خلال نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات وكانت هذه المحرقة – التي قاد “بن علي” جزءا منها عندما كان وزيرا لداخلية بورقيبة – هي المهمة الدولية التي من أجلها رُشح “بن علي” لرئاسة تونس من قبل القوى الاستعمارية.

لقد نكل “بن علي” بالإسلاميين مستعملا التيارات السياسية الأخرى كمخالب متقدمة لتصفية خصومه الأخطر، فمثلت النخب المتسلقة أداة الرئيس الهارب لتمزيق القطعة الأكبر من الطيف الفكري التونسي المعارض لعصا الاستبداد.

لقد كان أعداء الإسلاميين ينتشون طربا لتصفية الإسلاميين وهم لا يعلمون أنهم ما كانوا غير أداة رخيصة في يد جلاد الشعب للاستفراد بالوطن وتشتيت قواه الحية، ففي الوقت الذي طورد فيه الإسلاميون خارج البلاد وزج بهم في غياهب السجون كانت نخب الاستبداد من القوميين واليساريين والليبراليين والعلمانيين تتسلم جوائزها عبر التوظيف في جامعات نوفمبر أو عبر البعثات الدبلوماسية أو الوظائف الرفيعة في مفاصل ودهاليز الإدارة التونسية.

لقد أبدع “بن علي” في تشكيل كل الأدوار التي قامت بها النخب التونسية من أجل التمكين له ومن أجل منع الحرية وتأبيد الاستبداد تحت شعارات كاذبة من شعارات الدكاكين الإيديولوجية، كالوحدة العربية والتقدمية ومحاربة الرجعية والاشتراكية والصراع الطبقي والحداثة وحرية المرأة.

اليوم، وبعد أن نجحت جماهير المسحوقين في إسقاط “بن علي” تعود نخب الاستبداد التونسية لصراعاتها القديمة على حساب الوطن وعلى حساب دماء شهدائه وتعود لتعطل مسارا انتقاليا عسيرا لثورة لم يشاركوا فيها ولا خططوا لها ولا قادوا صفوفها، إنما ثورة صَنَعت ما كانوا يوهمون الجماهير بأنهم عاملون عليه في حين أنهم لم يكون إلا عصا الاستبداد الضاربة وجذوره التي ترفض أن تموت.

إنّ فَضْل “بن علي” على أهل تونس كبير في أن فهم زيف نُخبهم ودجّنها تدجينا وإنّ فَضْل شعب تونس الفقير على نُخب “بن علي” أكبرُ بكثير لأنه أسقط شرط وجودهم وكشف زيفهم وهدّم المعبد الذي يتعبدون في محرابه.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: