فلسفة الصلاة

       ” إن الأمة الإسلامية مع أن قسما منهم لا يؤدون الصلاة الا أنهم يتطلعون أن يكون رؤساؤهم صالحين أتقياء حتى لو كانوا هم فسقة ، بل أن أول ما يبادر أهل الولايات الشرقية مسؤوليهم هو سؤالهم عن صلاتهم ، فأن كانوا مقيمين لها ، فبها ونعمت ويثقون بهم ، والا فسيظل الموظف المسؤول موضع شك وارتياب رغم كونه مقتدراً في أداء واجباته ” (1).

    ويذكر الأستاذ النورسي  حادثة شاهدها بأم عينه ليبين للنواب أهمية إقامة   الصلاة ، فيقول :

    ” ولقد حدث في حينه اضطرابات في عشائر (بيت الشباب) فذهبت لا ستقصي أسبابها ، فقالوا : ان مسؤولنا القائمقام لا يقيم الصلاة ويشرب الخمر ، فكيف نطيع أوامر أمثال هؤلاء المارقين من الدين .. هذا علماً إن الذين قالوا هذا الكلام هم أنفسهم كانوا لا يؤدون الصلاة بل كانوا قطاع طرق !) (2)

        أثر بيان الأستاذ النورسي هذا فيهم ، فأقبل ما يقارب ستين نائبا من النواب الى أداء الصلاة حتى أن مسجد بناية مجلس الأمة لم كافيا للمصلين فانتقلوا الى غرفة مجاورة أكبر منه .

        و ما أن  رأى (مصطفى كمال ) رئيس الدولة آنذاك هذا المشهد حتى أمتعض ، ولم يرضَ عن هذا البيان  وهو الذي كرر دعوة الأستاذ النورسي الى أنقرة مراراً لاستشهاره بعدائه للمحتلين الانكليز ولكون (أنقرة ) مركز حركة المقامة  فأستدعى (النورسي ) وجرت بينهما مشادة عنيفة ، وكان مما قاله (مصطفى كمال ) : لا ريب اننا بحاجة الى أستاذ قدير مثلك ، لقد دعوناك الى هنا للاستفادة من ارائك المهمة ، ولكن أول عمل قمت به لنا هو الحديث عن الصلاة ، لقد كان أول جهودك هنا هو بث الفرقة بين أهل هذا المجلس فأجابه ( النورسي ) مشيراً اليه بأصبعه في حدة :

–   باشا .. باشا .. أن أعظم حقيقة تتجلى بعد الإيمان هي الصلاة ، وأن الذي لا يصلي خائن ، وحكم الخائن مردود (3) .

     والنورسي تراه يؤدي الصلاة في أوقاتهـا في الحل والترحال . في يته  في الجبال في الوديان  في المحاكم . وكان يقول :

( أن وقت كل صلاة ، كما أنه بداية انقلاب زمني عظيم ومهم ، فهو كذلك مرآة لتصرف الهي عظيم ، تعكس الآلاء الإلهية الكلية – كالمرآة  في ذات الوقت . لهذا فقد أمر  في تلك الأوقات  بالصلاة  ) (4) .

(والصلاة في أول الوقت ، والنظر إلى الكعبة خيالا مندوب إليهما ، ليرى المصلي حول بيت الله صفوفا كالدوائر المتداخلة المتحدة المركز ، فكما أحاط الصف الأقرب بالبيت ، أحاط الأبعد بعالم الإسلام ، فيشتاق إلى الانسلاك في سلوكهم . وبعد الانسلاك يصير له إجماع تلك الجماعة العظمى وتواترهم حجة وبرهانا قطعياً على كل حكم ودعوى تتضمنها الصلاة .

     مثلاً : إذا قال المصلي (الحمد لله ) كأنه يقول كل المؤمنين المأمومين في مسجد الأرض : نعم صدقت  حيث يقولون جميعا : الحمد لله ، مثله ، – فيتضاءل ويضمحل تكذيب الأوهام ووسوسة الشيطان . وكذا يستفيض كل من الحواس واللطائف حصة وذوقا وأيمانا ، ولا يعوقها لم ؟ وكيف ؟ ففي أول الوقت تنعقد الجماعة العظمى للمتقين ، ولاتفـاق الصلوات الخمس في الأقوال والأركان لا يخـل اختلاف المطالع بخيال المصلي .. ولينظر المصلي وهو في مكانه الى الكعبة ، وهي في مكانها لا يجذبها اليه ولا يذهب اليها ليتظاهر له الصفوف ، ولا يشتغل بها قصدا للضرر ، بل يكـفي شعور تبعي . وما يدريك لعل القدر الذي لا يهمل شيئا من الأشياء يكتب بأشكال هـذه الصفوف المباركة المنتظمة في حركاتها سطورا على صحائف عالم المثال الذي من شأنه حفظ ما فيه دائماً) (5)

      ويروي تلميذه ( بايرام يوكسل ) ذكرياته عـن النورسي في بيان اهتمام أستاذه بأوقات الصلاة : ( كان يهتم كثيرا بأوقات الصلاة .. وحريصـاً عليها كل الحرص .. وأسوق هنا مثالاً :

     خرجنا يوما من (إسبارطة ) الى ( أميرداغ ) ولم يبقَ إلا خمس دقائق للوصول الى ( أميرداغ ) واذا بوقت الصلاة قد حان ، فنظر الاسـتاذ الى سـاعته فأقام بنا الصلاة . ولم يكن الأستاذ يبالي بالبرد القارس ولا بالمطر اذا ما حان وقت الصلاة . فكنا نؤديها في أوقاتها في الحل والترحال .

      وكان ( النورسي ) يقول :

      ان اكثر من مئة مليون شخص من كل أرجاء العالم الإسلامي يجتمعون في الجامع المعظم ويشكلون جماعـة كبرى لأداء كل صلاة في وقتهـا ، فكل فرد من هذه الجماعة يدعو للجماعة كلها بقوله : ( أهدنا الصراط المستقيم ) فهذه الآية الكريمة تصبح بمثابة دعاء وشفيع لكل فرد من أفراد الجماعة . نفهم من هذا عظم الثواب غير المتناهي والأخروي الذي يناله الفرد المؤدي صلاته في أوقاتهـا ، فالذي لا يشترك اذن مع هذه الجماعة لا يحصل على حظه من ذلك الثواب . مثله في هذا : الجندي الذي لم يجلب قصعته لأخذ طعامه من المطبخ الرئيس فلا يستلم أرزاقه المخصصة ، أي ان الذي لا يؤدي الصلوات في أوقاتها كأنه لا يأخذ أرزاقه المعنوية من القدر الرئيس في المطبخ المعنوي للجماعة الكبرى ) (6) . 

      واهتمام النورسي بالصلاة يأتي من أن الصلاة عماد الدين ، ( وإنها دعوة صانع الأزل الى سرادق حضوره خمس دعوات في اليوم والليلة لمناجاته التي هي في حكم المعراج   (7)   .

     وانها ( بذاتها راحة كبرى للروح والقلب والعقل معا . فضلا عن أنها ليست عملا مرهقا للجسم . وفوق ذلك فأن سائر أعمال المصلي الدنيوية المباحة ستكون له بمثابة عبادة لله ، وذلك بالنية الصالحة .. فيستطيع اذن أن يحول المصلي جميع رأس مال عمره الى الآخرة فيكسب عمرا خالدا بعمره الفاني ) (8) .

      وكان (النورسي ) عندما يكلم زواره الأصدقاء ويأخذ معهم أطراف الحديث يبادرهم بالسؤال التالي :

       – ( هل من مسجد في قريتكم ؟ وأي درس يدرس أئمة المساجد ؟ فإذا أجابه الزائر بأنه ليس لديهم مسجد ولا معلم يعلمهم كان يتألم كثيرا ويحزن . ويعجب مـن أمرهم كيف يعيشون في مكان ليس فيه مسجد ولا مرشد ) (9) .  لان في المساجد : ( توحيد قلوب الموحدين وجمع ألسنتهم في أمثال صلاة العيد والجمعة والجماعة ، بحيث يقابل هذا الإنسان عظمة خطاب المعبود الأزلي بجميع أصوات القلوب وأدعيتها وأذكارها ، بتظاهر وتظافر في اتفاق وتساند وتجاوب في وسعة كأن هذه الارض تنطق بنفسها وتصلي بأقطارها وتمتثل بأطرافها أمر : (أقيموا الصلاة ) النازل بالعزة والعظمة من فوق السماوات السبع ) (10) .

      وفي تجواله ونزهته في السهول والوديان والطرق كان يبين أهمية الصلاة للأشخاص الذي يقابلهم من عمال ومهندسين وأصحاب شركات وضباط وجنود  ورعاة .

      يذكر طلابه المقربين انه في أحد الأيام كانوا مع النورسي في ( فندق يلدز ) في (اسكي شهر) فجاءه عدد من عمال مصنع السكر .. فقال لهم :

      ( انكم اذا ما أديتم الصلاة فأن عملكم في المصنع سيتحول الى عبادة لكم ، لأنكم تقومون بعمل مبارك ألا وهو تأمين الاحتياجات الضرورية للناس ) (11) .

       وفي ( بارلا ) و (إسبارطة )  و ( أمير داغ ) كان يقول للرعاة الذي يلتقي بهم في السهول الخضراء وهم يرعون حيواناتهم في مروج بين الجبال والوديان والسهول :

      ( أنكم اذا  ما أديتم الصلاة في أوقاتها الخمسة خلال اليوم فان اليوم بكامله يصير بمثابة عبادة لكم لا نكم برعيكم هذا تقدمون خدمة كبيرة للبشرية ، فان انتفاع بني البشر من اصوافها ولحومها وحليبها والبانها هو بحكم عبادة لكم ، فلا تؤذوا إذن هذه الحيوانات البرية النافعة ) (12) .

      وفي احد الايام قال للعاملين في مركز توزيع الكهرباء في ( اكريدر ) :

      ( أن لهذا الكهرباء فائدة عظيمة للأمة فاذا ما أديتم الفرائض فأن جميع أعمالكم تتحول الى عبادة وتجارة أخروية ) (13).

       وقد قال يوماً الى بستاني في ( بارلا) :

       ( ان تركت الصلاة المفروضة ، فأن جميع ثمار سعيك وعملك في هذا البستان ستنحصر في نفقة دنيوية تافهة دون أن تجنى فائدتها وبركاتها . ولكن أن صرفت وقت راحتك بين فترات العمل في أداء الصلاة ، التي هي وسيلة لراحة الروح ، ولتنفس القلب ، يضاف عندئذ الى نفقتك الأخروية وزاد أخرتك  مع نفقتك الدنيوية المباركة  مع ما تجنيه من منبع عظيم لكنزين معنويين دائمين وهما :

       الكنز الأول : ستأخذ حظك ونصيبك من ( تسبيحات ) كل ما هيأته  بنية خالصة من أزهار وثمار ونباتات في بستانك.

       الكنز الثاني :  أن كل من يأكل من محاصيل بستانك  سواء أ كان حيواناً او أنسانا أو شارياً أو سارقاً  يكون بحكم ( صدقة جارية ) لك ، فيما اذا نظرت الى نفسك كأنك وكيل وموظف لتوزيع ماله سبحانه وتعالى على مخلوقاته . أي تتصرف باسم الرزاق الحقيقي وضمن مرضاته ) (14) .

 

      وعن صلاة الاستاذ وتسبيحاته يحدثنا ( ملا حميد ) – الذي لازم النورسي في ( جبل أرك ) في جامع ( نورشين )في مدينة ( وان ) – :

    ( كنت أنشرح كثيرا عندما أصلي مقتديا بالاستاذ  ، كان قيامه للصلاة يزيد الإنسان رهبة وخشوعا . وكان يرشدنا الى أن التسبيحات والاذكار عقب الصلاة انما هي بحكم نوى للصلاة وبذورها . وكان يسـبح ويذكر الله بصوت رخيـم حزين ، فعندما يقول ( سبحان الله .. سبحان الله ) كنا نسمعه يصدر على مهل من أعماق أعماق قلبه . انني شخصا لم أر مثل الاسـتاذ قط من يصلي ثم يسبح هذا الخشوع والحزن ، مع انني رأيت كثيرا من الشيوخ والعلماء ) (15)

      لقد كان النورسي يهتم كثيرا بالتسبيحات والاذكار عقب الصلاة ، وكان   يوصي طلابه وإخوانه الذين يظهرون تكاسلاً وفتوراً في قراءة الأذكار بعد الصلاة:

    ( أن تلك الأذكار الواردة عقب  الصلاة هي سُنة نبوية مطهرة ، وطريقة محمدية شريفة ، وهي اوراد الولاية الاحمديـة فأصبحت أهميتها – اذن – من هذه

الزاوية عظيمة ) (16) .

        والنورسي واقتداءً بالرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم ) والداعين الى طريق الحق ، فأنه كان يقوم لصلاة التهجد كل ليلة . لأن صلاة التهجد ، هي الزاد والمنار في الطريق الشاق الطويل الذي يسلكه السالكون الى الله ، لكي يعصمه من وساوس شياطين الأنس والجن . ومن ضلالات الطريق . أنها لحظات انقطاع هذا الإنسان عن كل حول وقوة تربطه بهذه الدنيا الفانية وبأي محبوب فان .. أنها لحظات تعطي للقلب انساً وطمأنينة وراحة وتسكن الروح فيها . والتهجد في الليل ( يذكر بضرورته ضياء لليل القبر ، ولظلمات  عالم البرزخ ، وينبه ويذكر بنعم غير متناهية للمنعم الحقيقي عبر هذه الانقلابات ، ويعلن أيضا مدى أهلية المنعم الحقيقي للحمد والثناء ) (17) .

      يقول تلميذه وصديقه ( ملا حميد ) حول قيام النورسي لصلاة التهجد :

     ( كان الأستاذ) يقوم لصلاة التهجد كل ليلة ، وكنت أحيانا أراه وهو يصلي فلا

أستطيع النوم . وعندما كان يراني مستيقظا يقول لي : ما دمت مستيقظاً فتعال وشاركني في الدعاء . ولكنني كنت أجهل قراءة أي دعاء( المقصود: باللغة العربية) فكان يقول لي : سأدعو أنا وردد أنت بعدي : آمين . فأنا أدعو بدعاء سيدنا يونس  عليه السلام . وبدعاء أويس القرني وأطرق باب رحمة الله بهما . وكنت أغفو أحيانا أثناء الدعاء فكان ينظـــر الي ويقـول :  لقد كنت أنا أيضا مثلك .. ولكنك ستتعود )(18)

     ويحدثنا تلميذه ( بايرام يوكسل) ذكرياته حول أذكار النورسي في الليل فيقول :    ( كان الأستاذ ينام قليلا ، ويأكل قليلا جدا بحيث لا يكفي لإشباع  حاجة الإنسان الاعتيادي وكان يقول لنا : – النوم الفطري والطبيعي هو خمس ساعات في اليوم . وكان من عاداته – التي لم يتخل عنها طوال حياته المباركة – أن يقضي الليالي بالتسبيح والتهليل والدعاء والمناجاة والتهجد ، وكان على وضوء دائم ، وكان جيران الأستاذ في ( إسبارطة وبارلا واميرداغ ) يقولون لنا : حينما ننظر الى بيت الأستاذ في الليل نرى مصباحه الخافت مضاء ونسمع أنين أذكاره الحزين ودعاءه الرقيق ) (19) .

 

 

بديع الزمان النورسي

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: