فلسفة النّكران ( بقلم أبو محمد سفيان )

في أوائل السّتينات كانت مهنة الطّب شرفا إحتكرته العائلات المرموقة و الميسورة الحال، فلمّا جاءت دولة الإستقلال راهن بورقيبة – وهو إبن الطبقة الشعبيّة – على الإستثمار في التّعليم ليعطي الحقّ لكلّ مواطن و يشيع الإنتساب لمهنة الطّب لكلّ من يستحقّها، دفّة حديثي اليوم موجّهة للأطباء المنحدرين من تلك المناطق الداخليّة النائية و الواقعة تحت غيمة النّسيان.
تخيّل أيّها الطبيب المحترم المنحدر من تلك المناطق لو أنّ رجال التّعليم الأفاضل وقفوا في وجه بورقيبة في ذلك الزّمان و رفضوا أن ينتقلوا للعمل في المناطق الداخليّة و الأرياف.
تخيّل لو أنّهم تعلّلوا – كما تتعلّلون الآن – بقلّة التّجهيزات و البنية التّحتيّة، أكيد أنّك تتذكّر معلّمك أو أستاذك و هو آتٍ و قد شمّر على سرواله و يداه مثقلتان بحقيبته و حذاءه، أكيد أنّك في تلك اللحظة لم تكن تعلم أنّه في أحيان كثيرة كان يشتري على نفقته الخّاصة الأدوات ليودع فيك علمًا و زادًا ساعدك لتصبح ما أنت فيه الآن. لو رفض المربّون تعليمك في ذلك الزمان هل كنت ستتعالى على أبناء ربعك ؟
تخيّل الآن لو أنّ نفس هذا المربّي إضظرّته شيخوخته أن يتّجه إلى المستشفى، فلا يجد أحدا ممّن وهبهم زهرة شبابه ليعالجه ، سيموت كمدا لمجرّد الإحساس بأنّه زرع في أرض بور عجفاء لا تنتج إلا سرابا.
تخيّل لو أنّ شروطك في توفير المستلزمات و البنية التحتيّة لا يمكن تحقّيقها إلّا بعد أربعين سنة، ما هو مصير أهالي تلك المناطق التي في معظمها يسكنها أخوالك و أعمامك و جيرانك السابقون؟
جاء إضرابكم الأخير بستّة أيام كاملة لينزع عنكم برقع النّبل و العطاء الذي طالما إتّشحت به مهنتكم، فكشف الوجه الرأسمالي الحقيقي الذي كان متخفّيا، ذهب عنكم بريق ذلك الطبيب الذي كان همّه الوحيد رسم إبتسامة على شفاه مريضه و ترسّخ في أذهان النّاس صورة الطبيب الذي يرى مريضه على شكل محفظة النّقود.
هل كان حاجز التجهيزات و البنية التحتيّة عائقا أمام ألاف الأطباء الغربيّين الذين يجوبون إفريقيا السوداء ليقدّموا خدماتهم الجليلة للأطفال و المرضى، لم يقوموا بهذا الدور من باب الترف والبحث عن المغامرة كما يظن البعض، فالأطباء الكوبيون والعراقيون قاموا بهذا الدور في كل مكان من العالم.
سيلومني البعض على التّعميم، وأجيبهم بأنّني لا أعمّم و أعلم علم اليقين بأنّ هناك ألاف الأطبّة الشرفاء لكنّني أتحدّث عن السّواد الأعظم، خاصّة أنّ الهياكل الممثلة للقطاع تبنّت هذا الإضراب الجائر على المرضى بكل أنحاء البلاد.
كيف يمكن لطبيبٍ أن يجعل حياة مرضاه ورقة ظغطٍ على طاولة المساومات مع الدّولة؟
الآن فهمت ماذا تقصدون بكلمة البنية التحتية، إنّها المصحّات الخّاصة، تلك التي لا يمكنكم التّخلي عنها وعن الأموال التي تدرّها عليكم ولن تجدوها لدى معدمِي بني مطير أو أرياف القصرين .
في الغرب يفتخرون بمنظّمة ” أطبّاء بلا حدود ”
و نحن في أوطاننا نخجل من ” أطبّاء بلا ضمير”.

أبو محمد سفيان

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: