فن القيادة بالحب

ليس بحديث مرجم، ولا بجنون شاعر، ولا من خيال أديب؛ إنها الحقيقة، كالنهار وضوحاً، والشمس انتشاراً، والقمر صفاءً.

القيادة بالحب؛ قيادة النبي صلى الله عليه وسلم لدولته وسياسته لشعبه.. كان الحب هو القانون السائد، والعلاقة المتبادلة، والدافع الأبرز للامتثال والتنفيذ.

القيادة بالحب أسمى وأرقى أنواع القيادة؛ ولذلك كانت منهج أعظم وأنبل قائد عرفته البشرية صلى الله عليه وسلم، قاد به الدولة الإسلامية الأولى لتكون مرجعاً متكاملاً ومنهجاً راسخاً في سياسة الناس وقيادة المجتمعات، ورحم الله القائل «تضاءل مفهوم الحُبّ قبل النبي صلى الله عليه وسلم حتى كاد ينحصر في الغراميات وشعر الغزل، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم، جاء ليحوِّل مفهوم الحُبّ إلى فنّ من فنون القيادة.
أعجبني قول أبو الحسن الندوي: «أحبّ النبيُّ القومَ بكل قلبه، فأعطوه بكل قواهم». فكيف استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل من الحُبّ فنّ قيادة؟!!».

نعم.. جعل الحب فناً من فنون القيادة، فأعطاه لكل من حوله حتى كان يظن الواحد منهم أنه أحب الناس إليه مما يرى منه من معاملات الحب ورسائل الحب ففهم منها أنها تخصه وحده وأنه مقدم على غيره، حتى إن أحدهم ظن نفسه كذلك فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الناس أحبّ إليك؟ فكانت الإجابة الأولى والثانية والثالثة وعد غيرهم مفاجئة له فلم يُذكر فيهم وكان يظن نفسه الأول، فتوقف عن السؤال حتى لا يخسر الرهان.

إنه الحب الصادق الذي يشع فيملأ الآفاق ويأخذ كل من يصل إليه منه نصيباً وافراً، حُب يسع الجميع، وينعم بظلاله الجميع، حبٌ ظهر في حركات وسكنات القائد، حتى إنه عدل عن أمرهم بسواك، وعن تأخير صلاة لأفضل وقتها؛ خشية أن يشق عليهم، وخاف أن يفترض عليهم القيام، قيام الليل وما أدراك ما قيام الليل، فترك الإمامة بهم مع طلبهم وحرصهم عليه، ومع حبه للجهاد والغزو في سبيل الله إلا أنه ترك ما يحب حتى لا يلحق المشقة بأمته وأتباعه صلى الله عليه وسلم.

أحبهم وأحب لهم الخير حتى كاد يهلك نفسه خوفاً عليهم ألا يؤمنوا، وفي ذلك عاتبه ربه سبحانه وتعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ}[الكهف:٦] أي: قاتلها، وقال سبحانه معاتباً أيضاً {فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ}[فاطر: ٨].
يالله.. ما هذه المحبة؟! أحبَّ لهم الخير والهداية حتى كادت نفسه تذهب وكاد يقتل نفسه حزناً عليهم إذ لم يستجيبوا له، وأعلى درجات الحب أن يذهب المحب نفسه حزناً على من يحب.

من حبه صلى الله عليه وسلم لصحابته أنه كان يشق عليه ويعز عليه ما يلقون من العنت والتعب والمكروه، كما قال الله سبحانه وتعالى ذلك في وصفه {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْـمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}[التوبة: 128].

أعطى الحب للفقير حتى اغتنى به، وأعطاه للغني حتى زهد في ماله، وأعطاه للطفل وللشاب وللكبير، فكان للصغار أباً رحيماً، وللكبار أخاً كريماً، وللمرأة خصوصاً قريباً حميماً رؤوفاً، أعطى حبه الكبير لهم في كل حال، في البرد والحر والجوع والشبع، يأتيه قليل اللبن فيجمع له مَن في الصفة وهم بالعشرات لأنه يعلم من حالهم أنهم لا يجدون ما يقتاتون به.

نعم.. جعل الحب فناً من فنون القيادة، فيأتيه الشاب الراغب في الجريمة والمحب لها فيتعامل معه بالحب والرفق فلا يخرج من عنده إلا والجريمة أبغض شيء إلى نفسه. وتأتيه الأموال والغنائم العظام فيوزعها لهم ويعطي عطاء من لا يخشى الفقر ولا يستأثر لنفسه أو لقرابته منها بشيء دون المسلمين إلا ما خصه الله سبحانه به.

يأتيه الأعرابي غليظاً فيرجع إلى قومه قائلاً «أسلموا فقد جئتكم من عند خير الناس»، إذ أثر الحب فيه. ويبول الأعرابي البدوي في المسجد فيكاد القوم يهجموا عليه غيرة منهم على حرمة المسجد فلا ينقذه إلا حب النبي صلى الله عليه وسلم ورفقه به.

جعل الحب فناً من فنون القيادة فاطمأن الناس وبادروا بالتضحية والانقياد وتنفيذ الأوامر، فمتى ما شعر الناس بحب قائدهم لهم ورأوا منه مواقف وتصرفات تنبئ عن حب صادق؛ فإنهم سيقدمون ما يمكنهم لقائدهم حباً ووفاءً وتعاوناً وتضحية، فقد أحبوه حتى تهافتوا على بصاقه وتقاتلوا على فضل وضوئه وتقاسموا شعر رأسه.

قادهم بالحب الذي يعني العطاء الحسي والمعنوي والحرص عليهم ورفع المشاق عنهم وتسهيل ما أمكن من الصعاب لأجلهم واحترامهم وحماية حقوقهم وتلمس حاجاتهم والرفق في التعامل معهم وسماع شكواهم وحلها والاقتراب منهم وتفقد أحوالهم وزيارة مريضهم واتباع جنائزهم وملاطفة صغيرهم والتألم لآلامهم والفرح لفرحهم وإجابة دعوتهم ومشاركتهم في حياتهم.. كل هذا وغيره دون انتظار مقابل، فضلاً عن المطالبة به، ودون العتاب على تقصيرهم أو التذكير بمنجزاته وفضله عليهم صباحاً ومساء كأنما يمنّ عليهم.
القيادة بالحب التي أصلها {فبما رحمة من الله} وتربتها {رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} وثمرتها {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح:29].

قد يقول قائل الغرب «ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين» ولا رأيناه في قاداتنا المعاصرين، ويُؤمّن على ذلك مقلدهم ومنبهر بهرطقاتهم، فلِغُراب الغرب نقول «لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين»، ولمقلديهم: {فَإنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ} [الحج:46].

حاجتنا لقيادة نحبها في جميع الأصعدة السياسية والاجتماعية، بل الدعوية وغيرها؛ أشد من حاجة الأرض الميتة والهامدة لماء السماء، فإذا ما وجدناها اخضرت قلوبنا وتفتقت عقولنا ونمت أبداننا لنرتقي بعد ذلك في العلا مرتقاً صعباً ونتبوَّأ من المجد مبوأ عالياً، وتعود الأمة إلى موقعها الصحيح.

إنه حبٌّ يولّد حباً، ينبئك عن الحقيقة الغائبة والمنتظرة «خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ».

لقد كان الحب دثار وشعار قيادة النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم تحقيقاً لقول المولى عز وجل وحكمه سبحانه وتعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْـمُتَوَكِّلِينَ}[آل عمران:159].

نسأل الله أن يرزقنا قيادة نحبها وتحبنا فيه سبحانه وتعالى، ونسأله أن يجمعنا بحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يولي علينا أحب الخلق إليه.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: