10863618_764538706973296_1936602920_n

فوبيا-المرزوقي : بين الأخطاء الشخصية وتهويل الإعلام بقلم مختار الشيباني

(يقول الناشط الحقوقي الأمريكي مالكوم  إكس :

”وسائل الإعلام هي الكيان الأقوى على وجه الأرض. لديهم القدرة على جعل الأبرياء مذنبين وجعل المذنبين أبرياء، وهذه هي القوة. لأنها تتحكم في عقول الجماهير.“)

 
تتعاظم عزلة الرئيس التونسي الحالي منصف المرزوقي إعلاميا أياما قبل الدور الثاني من الإنتخابات الرئاسية التي وصل إليها صحبة معارضه الباجي قائد السبسي وتنغلق أمامه أبواب الإعلام الذي أوغل في شن الحرب عليه منذ تولي مقاليد الرئاسة ولم يتمكن من مهادنته منذ أن أخرج للعلن كتابه الأسود المليء بأسماء الصحفيين والإعلاميين الذي تلقوا أموالا لتمجيد النظام السابق، وهو ما جعل علاقة الرئيس المؤقت بالإعلام علاقة صراع دائم خدم مصالح أطراف سياسية أخرى إستفادت من هذه الحرب التي جعلت المرزوقي يصف بعض الإعلاميين بالفاسدين وهو ما زاد النار لهيبا آخر لإيقادها.

 
حرب الإعلام على المنصف المرزوقي جعلته يخسر الكثير، كيف لا والإعلام كفيل لوحده بإسقاط أمم وشخصيات مهمة وللتاريخ دروس كثيرة في هذا الصدد، وذلك أن الإعلام ما أن يضع شخصا تحت مرمى نيرانه لا يهنأ له بال حتى يدمره، وهذا ما جعل أغلب إعلاميي تونس لا يضيعون فرصة واحدة لنقد المرزوقي وتحليل أخطائه وإخراج كل كلامه من سياقه وحتى تحميله ما لا وزر له به، من ذلك التغافل عن أخطاء أي سياسي آخر والتركيز فقط على كل كلمة يقولها المرزوقي وتهويل معانيها وأبعادها وجعله مذنبا أمام الجميع، فعديد المواطنين تأثروا بهذه الحرب مع المرزوقي وأصبحوا يعانون فوبيا إنتخاب المنصف المرزوقي ففي مخيلتهم أن كل ما يبثه الإعلام صحيح وأنهم وحدهم يساندون المرزوقي وأنهم يحملون نظرة خاطئة عنه وكل ذلك بفضل ما يصوره لهم الإعلام التونسي وفي ذلك ضرب لمعايير وقيم الصحافة و خطأ فادح يرتكبه الإعلام في هذه المرحلة الهامة من تاريخ تونس.

 
صحيح أن أخطاء المرزوقي سوى في قراراته أو في تصرفاته وخطاباته كثيرة وأنه لم يتأقلم إلى حدود اليوم مع شخصية الرئيس ولا حتى السياسي بل بقى يعيش في جلباب الحقوقي والمعارض الذي يصدح بكل شيء ولا يحسب حسابا للتهويل والمبالغة خصوصا مع مركزه في الدولة وإعتبارا لحرية التعبير التي يتمتع بها الإعلام اليوم، صحيح أنه وبإعتراف أقرب مستشاري المرزوقي عدنان منصر  أنه لا يأخذ بنصائح المقربين منه في بعض الأحيان ويقول كلاما لا يحسب له حسابا لكن تلك الأخطاء لا تبرر أبدا إنحياز الإعلام ومغالاته في معاداة الرئيس المرزوقي لصالح سياسيين آخرين خصوصا أننا في خضم إنتخابات تاريخية أرادها الجميع أن تكون منافسة شريفة يأخذ فيها كل طرف حقه في التعبير عن طريق الإعلام وإيصال صوته وهو ما يجعل المواطن يختار بكل حرية، لا تحت ضغط إعلامي رهيب لتوجيه الرأي العام نحو مرشح معين و لإضعاف مرشح آخر.

 
لم يتوانى الإعلام في تونس يوما حسب ملاحظة الكثيرين في تهويل كل كلمة يقولها المرزوقي ولا في نقده، ليصل إلى حد تحريف كلامه وذلك ما حدث في أحيان كثيرة، فمن ذلك أن وصف المرزوقي لبعض الإعلاميين بالفسدة  تحول بفضل تغافل الكثير من الإعلاميين عن كلمة “بعض” إلى عناوين من قبل “المرزوقي يهاجم الإعلام ويصف الإعلاميين بالفسدة” ولتطالب نقابة الصحفيين المرزوقي بالإعتذار رغم علم الجميع أن المرزوقي تحدث عن بعض الإعلاميين وهي فئة موجودة بإعتراف الجميع وتستعمل الصحافة لأغراض دنيئة، في مقابل ذلك نجد أن المرشح الثاني للإنتخابات الباجي قائد السبسي يعيش وضعا مريحا في علاقته مع الإعلام فرغم تهجمه عديد المرات على الإعلاميين حتى بإستعمال الكلمات النابية إلا أن كل ذلك  لم يقم الدنيا كما قامت على تصريحات المرزوقي ودائما ما يتم المرور على اخطائه مرور الكرام وهو ما يجعل المواطن أمام مرشحين للرئاسة أحدهما ديمقراطي وديع يحترم الإعلاميين وآخر وحش لا يحترم الإعلاميين وذلك بفضل ما ينقله الإعلام بطريقة ذكية ما يجعل الحظوظ بين المرشحين غير متساوية.

 
للمتتبع أمثلة عديدة تساق في سياق الحرب التي تحدث بين المرزوقي والإعلام وفي تحليل ذلك تختلف الرؤى فبين من يرى أن الإعلام يلعب دوره في نقل الأحداث وتحليلها كما ينبغي وكما تشترط الأجندا التي يعمل لصالحها وبين من يرى أن الإعلام التونسي في صنف كبير منه يقود حربا مقدسة لصالح مجموعة معينة من رجالات النظام القديم و موجة أخرى تبرر عداء الإعلام للمرزوقي بتحالفه في يوم ما مع حركة النهضة الإسلامية و تؤكد ذلك بأن العداء إنطلق حتى قبل نشر الكتاب الأسود الذي أعتبر هجوما معاكسا من المرزوقي حسب نفس المحللين، لكن الحقيقة واحدة أن رئيس تونس الحالي- الذي لم يسجن في عهده أي صحفي رغم كيل الشتائم والنعوت ورغم عدم إستيعاب العديدين للفارق بين حرية التعبير وبين قلة الأدب – تبدو الحقيقة واحدة أن المرزوقي خسر الكثير من الناخبين بسبب هذه الحرب التي لم يربحها أحد قبله حتى رغم إعتماده على وسائل التواصل الإجتماعي للرد على تلك الهجمات ولإيصال صوته ومواصلة حملته الإنتخابية.

 

 

درس جديد من التاريخ تمنحه لنا علاقة المنصف المرزوقي بالإعلام في تونس يتمثل في أن للإعلام قدرة كبيرة على تغيير الواقع و رسم واقع آخر كما تشتهيه أجندتها وأن الحرب مع الإعلام حرب خاسرة لأي سياسي ولكن كذلك أن تونس تستفيد من هذه التجربة الوليدة في تونس، فأن ينتقد الإعلام مرشح الرئاسة الذي في نفس الوقت هو الرئيس الحالي ففي ذلك رسالة أن التجربة الديمقراطية على الطريق الصحيح حتى بتواجد هذه الأخطاء التي سنستفيد منها في المستقبل لنصل إلا المعاني الصحيحة لحرية الإعلام وللحياد والمصداقية.

 

مختار الشيباني

صحفي تونسي

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: