حمادي الغربي

فيلم- صراع- يروي الهولوكوست التونسية بقلم حمادي الغربي

قد ينفد حبر القلم و لكن جشون فيلم- صراع- و ألامه لا تنفد أبدا.
و ليس من السهولة بما كان أن تمحى مشاهد الفيلم من الذاكرة و كأنها نحتت على صفائح من الرخام النفيسة ناصعة البياض .
و لسوف يجد المشاهد التونسي الذي اكتوى بنار الاستبداد نفسه في كل مقطع من مقاطع الفيلم و سوف تسيل عينه دمعا من القهر و الغبن و يتحسر على السنين الفائتة التي لم يشعل فيها نار الثورة
تميز الفيلم بالمصداقية و لم يستعمل المخرج المؤثرات الخارجية المعهودة للتأثير على المشاهد إنما مصداقية الحدث و بساطة العرض كانتا كافيتين لإقناع المشاهد بواقعية الصورة و صدق الكلمة لتهز وجدانه و تزلزل كيانه لفظاعة المجازر و دفع السجين نحو الموت البطيء و المنظم و انتهاك حرمات الانسان و تدمير عائلات كاملة بصغيرها و كبيرها و تفكيك أواصر الأسرة التونسية الممدة و بحسب معادلة حسابية بسيطة ضربها المخرج السينمائي السيد منصف بربوش فإن الدمار و الخراب و الرعب حل بربع المجتمع التونسي أي ما يزيد على 2 مليون مواطن ، إذ الآلة البوليسية تنبش في كل نفس حية ، أو خيال مبدع ، أو حلم يعد بغد أفضل أو بحياة لا نكد فيها … و كم هم أولئك الذين يحلمون بغد أرحب ، فلم يسلم من نهش كلاب المخلوع جار طيب أو معين يلتمس الرحمة أو متعاطف مغلوب على أمره أو قريب يسعى لصلة رحم أو حبيب حبسه حابس .
يعتبر الفيلم وثيقة تاريخية تجرم نظام المخلوع لا أرده الله و شهادة ناطقة بالصوت و الصورة تحكي قصة شعب انتهكت حرماته و اغتصبت أعراضه و جوع أهله و شرد خيرة شبابه و رمى في السجن قيادات و إطارات و نخبا و مواهب كان الشعب التونسي في أشد الحاجة إليهم للبناء و التعمير و التنمية لا للحبس في زنزانات الموت و دهاليز الظلام … حقق الفيلم ما عجزت على إنجازه الأحزاب التونسية مجتمعة ، فقد أحيا روح الثورة و حرك مياه العدالة الانتقالية الراكدة و أشار بإصبع الاتهام للجاني الحقيقي من دون لبس و أعاد الاعتبار لأبناء الحركة الاسلامية و الاعتراف لهم بوسام شرف في مناطحة رأس الفساد و الصبر على البلاء .
جاب الفيلم العالم الأوروبي و الأمريكي بعدما تم منع عرضه في مهرجان قرطاج الدولي بتونس الوطن بعلة وهمية و لكن سبب المنع معلوم لدى المخرج و شباب الثورة و حرصا منه على الحفاظ على استقلالية الفن السابع اعتذر منصف بربوش للرئيس المرزوقي من عرض الفيلم في القصر الرئاسي حتى لا يسقط في التنافس الحزبي و تضيع القيمة الفنية للفيلم و تقذفه أرجل السياسيين المبتدئين الذين لا يعرفون للفن قيمة و لا للسينما مكانة .
نال الفيلم خارج تونس استحسان الجمهور المغترب و قيادات سياسية نشطة في العلاقات الدولية و دبلوماسيين محليين و دوليين و كاد أن يجمع رجال السياسة و الفكر الأوربيين على فتح تحقيق في انتهاكات حقوق الانسان بتونس و استغرابهم من بشاعة نظام كانوا يظنونه ديمقراطي يحترم المواثيق الدولية فاتضح بعد اندلاع الثورة ان الحديقة الخلفية لأوروبا ما هي إلا سلخانة آدمية و مختبر للبوليس السياسي يجري فيه تحاليله و أصناف تعذيبه على المساجين السياسيين و أبناء الحركة الإسلامية .
بداية الغيث قطرة … و فيلم – صراع – محفز على استمرارية الثورة و تعميم مجازر الهولوكوست حتى لا تكون حكرا على اليهود و دافعا لرجال الثورة لتحقيق العدالة الانتقالية و صرخة عالية و تنديدا دوليا بجرائم نظام المخلوع و اقتلاع اعتراف وطني بخطيئة البوليس السياسي و تحريم و تجريم الاعتداء على حرمة الانسان قولا و نصا و فعلا و شكرا للمخرج منصف بربوش و اخوانه من الممثلين و الفنيين على هذا العمل الجبار الذي يستحق التكريم التقدير و التحية .
حمادي الغربي

[ads2]

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: