في الذكرى الـ 79 لاستشهاد المجاهد عزّ الدين القسّام.. (مقــال/ رانيـا الذوادي)

مرّت عشرات السنون على استشهاد الشيخ المجاهد عز الدين القسام على أرض فلسطين المباركة لنجد أنفسنا نكتشف من سنة إلى أخرى و من حدث إلى آخر أن الطرح الصحيح للقضية هو ما طرحه و مارسه عز الدين القسام ألا و هو “الإسلام و الكفاح المسلح”، بل و نجد أن تجربة عز الدين القسام “وهو عالم الدين السوري المولد المكافح ضد الاحتلال الفرنسي في سوريا و الراغب للجهاد ضد احتلال الطليان لليبيا و المفكّر الرابط بين الكيان الصهيوني والاحتلال الإنجليزي الذي يحرك الجماهير من خلال الإسلام و أحد المنظمين لخلايا الكفاح المسلح.. نجد أن تلك التجربة تكشف عن فهم كل العوامل الأصيلة و المعاني الصحيحة في القضية الفلسطينية.

مولده و حياته

ولد عز الدين القسام في قرية الأدهمية التابعة لمدينة اللاذقية بسوريا سنة 1882م، ووالده هو عبد القادر مصطفى القسام من علماء الأزهر الشريف، ووالدته هي حليمة قصاب من بيت نور الدين حملة العلم الكرام، تعلم عز الدين القسام في زاوية الإمام الغزالي بالقرية وحفظ القرآن الكريم والقراءة والكتابة، ثم الفقه، وسافر سنة 1896م إلى مصر ليدرس بالأزهر الشريف حيث قضى بالأزهر دارسًا لمختلف العلوم الشرعية حوالي عشر سنوات، ثم عاد إلى سوريا سنة 1906م بعد أن حصل على شهادة الأهلية، وبعد عودته إلى مسقط رأسه في سوريا اشتغل بالتدريس، وتولى الخطابة في مسجد المنصوري بالقرية.

وعندما اندلعت الحرب في ليبيا سنة 1911م وحاول الإيطاليون احتلالها هبَّ الشيخ المجاهد عز الدين القسام للدعوة للجهاد في ليبيا؛ إدراكًا منه أن الدفاع عن أي بلد إسلامي واجب شرعي على كل مسلم، وبالأخص على علماء الدين، واستجاب له الكثيرون في سوريا فاختار منهم 250 متطوعًا وأعدهم للسفر إلى ليبيا عن طريق الإسكندرية للمشاركة في الجهاد ضد الطليان، ولكن السلطات في سوريا في ذلك الوقت منعته ومن معه من السفر.

وعندما اندلعت الثورة السورية الأولى ضد الاحتلال الفرنسي سنة 1919م، كان عز الدين القسام في طليعة دعاتها وقادتها والمجاهدين بأنفسهم فيها.

حربه ضد المستعمر الفرنسي

لما انهارت الدولة العثمانية واحتل الفرنسيون لبنان والخط الساحلي الملحق به وعلى رأسه مدينته جبلة نهض عز الدين القسام لمقاومة الجيش الفرنسي الغازي فبادر إلى جمع المال وبدأ بنفسه قبل أن يسأل الناس فباع أملاكه كلها ووضع أثمانها في هذا السبيل حيث اشترى الأسلحة والذخائر وجند الشباب والشيوخ وقادهم بنفسه.

ولقد خاض مع الفرنسيين معارك ضارية وكبدهم كثيرا من الخسائر في الأموال والأنفس ثم أخذت المعارك تقلب له ظهر المجن حيث طفق الفرنسيون يستقدمون لقتاله الفيلق تلو الفيلق ويحكمون قبضتهم على جبلة وما جاورها موقعا اثر موقع وجعل عز الدين ومن معه يتقهقرون يوما بعد يوم ويتراجعون من منطقة إلى أخرى ويفقدون ما معهم من الذخيرة والسلاح.

ثم إن فريقا كبيرا من الأغنياء والوجهاء الذين كانوا يؤازرونهم اخذوا ينفضّون من حولهم ويخضعون لنذر الفرنسيين ويعلنون ولائهم لهم ولا سيما بعد أن استشهد المجاهد الكبير عمار البيطار وكثير ممن كانوا معه.

ولما أيقن عز الدين بأنه بات مهددا بالتطويق بين ساعة وأخرى وبأنه سيلقي بنفسه وبمن معه إلى التهلكة اتجه برجاله إلى منطقة حلب وانضم إلى “ابراهيم هنانو” ويظل يجاهد معه حتى انقص الفرنسيون على حركته وبسطوا نفوذهم على سوريا من أقصاها إلى أقصاها وحكموا على المجاهدين الذين افلتوا من أيديهم بالإعدام وكان في مقدمتهم عز الدين القسام.

فلسطين هي القضية المركزية لأمة الإسلام

لماذا ترك عز الدين القسام ساحة الجهاد في سوريا ضد الاحتلال الفرنسى، وقد كان أحد قادة ثورة 1919م وهي الثورة السورية الأولى، لماذا ترك موقعه الجهادي هنا إلى موقع آخر في فلسطين؟! أليس هذا إدراكًا مبكرًا بأن جوهر الجهاد وأهم مواقعه هو بالتحديد على الساحة الفلسطينية باعتبار أن أخطر وأهم فصول التآمر الصليبي اليهودي هو بالتحديد على أرض فلسطين، وأن على أرض فلسطين يتحدد مصير الصراع الطويل بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية؟ أليس هذا وعيًا مبكرًا بأن القضية الفلسطينية هي القضية الأولى والأهم، وهي القضية المركزية للأمة الإسلامية؟

ولذلك فضل الرجل أن يواجه التحدي الصليبي الغربي والتحالف مع اليهود في المكان الصحيح، وفي الموقع الجوهري للصراع، وبذلك يكون عز الدين القسام السوري المولد والنشأة قد طرح وحفر بجهاده على أرض فلسطين أهم حقائق هذا العصر، وهو جوهرية الصراع في فلسطين، وكون القضية الفلسطينية هي قضية العرب والمسلمين الأولى، وفضلاً عن هذا المعني المهم فإن جهاد عز الدين القسام على أرض فلسطين يؤكد أهمية الجهاد في كل موقع يتعرض لخطر العدوان، ولعل هذا درسٌ بليغ لكل المجاهدين الذين تركوا القضية الجوهرية (فلسطين)، وراحوا يجاهدون في قضايا أقل أهمية.

الجهاد الإسلامي.. الطريق الصحيح

تعلم الجميع -ولكن بعد وقت طويل ضائع- أن عز الدين القسام قد وصل إلى لبِّ المنهج الصحيح للمواجهة، فالذين تحركوا تحت شعارات مختلفة من وطنية وقومية وماركسية وغيرها قد فشلوا جميعًا في تحريك الجماهير، ووصلوا بالقضية إلى أسوأ حالاتها أو سقطوا جميعًا -إلا من رحم ربك- في مستنقع التفاوض الآسن، ومنذ اللحظة الأولى وضع عز الدين القسام يده على الطريق الصحيح لتحريك الجماهير (الأيدلوجية الإسلامية)، وهي الوحيدة القادرة على المواجهة والحشد؛ لأنها عقيدة الجماهير وبسبب طبيعة التحدي باعتباره صراعًا حضاريًّا بين الإسلام والغرب المتحالف مع اليهود، صراعًا يمتد في الزمان والمكان في الجغرافيا والتاريخ..

جهاده و استشهاده

في عام 1354 هجري خاضت فرق عز الدين القسّام ميادين الجهاد في كثير من أرجاء فلسطين ولقد اتجه هو وعشرة من رجاله نحو الجبال الواقعة بين نابلس وجنين واتخذ منها معقلا لجنده ومنطلقا للانقضاض على عدو الله وعدوه وفيما كان يتجول مع أعوانه خلال الجبال فاجأتهم ثلة صغيرة من جند العدو فانقضوا عليها انقضاض الصاعقة وأردوا أحد رجالها قتيلا وحملوا الآخرين على الفرار.

وقد أيقن القسّام بأن هذه الفئة الصغيرة إنما هي جزء صغير من كل كبير يعسكر قريبا منهم وانهم سوف يعودون إليهم معززين بالجند مزودين بالسلاح والذخيرة وانهم سيحوطون بهم إحاطة الغل بالعنق فقسّم المجاهدين الذين كانوا معه ثلاث فرق حتى إذا قضى العدو على بعضها نجا بعضها الآخر وما هو إلا قليل حتى أحاطت بفرقته الصغيرة قوة كبيرة فنازلها ومن معه اشد المنازلة وجاهدها اصدق الجهاد.

وفيما هو كذلك إذ اخترقت صدره العامر بالإيمان رصاصة محشوة بالبغي والعدوان فخر صريعا مضرجا بدمائه ذيادا عن أولى القبلتين ودفاعا عن ثالث الحرمين وحسب القسّام معاده في الدارين انه وفى إلى ربه راضيا مرضيا وانه خلف وراءه ألفا من المجاهدين ظلوا يقاتلون عدو الله وعدوهم بضع سنين وكانوا بداية الجهاد الحقيقي الصادق لأعداء الله على ارض فلسطين في عصرنا الحديث.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: