في بيتنا إسرائيلي: عبد الله مشاعلي (كاتب ومحلّل سياسي تونسي )

تعيش تونس هذه الأيّام على وقع فضيحة سياسية وأخلاقيّة بكلّ ما للكلمة من معنى ، فضيحة مسّت كيان الشّعب التّونسي المعادي من أعمق أعماقه لهذا الكيان الغاصب الجاثم فوق صدورنا منذ أمد بعيد ، فضيحة أرادتها النّخبة السّياسيّة الفاشلة أن تتحوّل لمجال للتّجاذب الأجوف دون إدراك عميق للورطة التي وقعت فيها البلاد ، فمن ناحية أتاحت الثّورة التونسيّة وحالة الانفلات في حريّة التّعبير دون خوف من المحاسبة لنخبة معيّنة دخلت فعلا نفق التّطبيع الثّقافي والاقتصادي منذ عهد المخلوع أن تعبّر عن نفسها بمجاهرة وقحة بعد أن كانت مطبّعة في شكل زواج سريّ ، هذه المجاهرة غلفّتها هذه النّخبة بكلّ التّضليلات الممكنة كالأزمة الاقتصاديّة الخانقة والموسم السّياحيّ الضّاغط وترتيب الأولويّات في تبرير مفضوح لما أتته حكومة المهدي جمعة .فراحت تستغلّ حضورها في المنابر الإعلاميّة المختلفة لتعويم المسألة ومهاجمة الشقّ الآخر فظهر علينا من ذهب حدّ اعتبار هذه الوسيلة فرصة لتذويب إسرائيل داخل كياننا العربي الحضاري والثّقافيّ والاقتصاديّ العملاق من خلال فتح حدودنا للإسرائيليين و بالتالي انفتاح حدود فلسطين المحتلّة أمامنا في قراءة ساذجة للواقع الجيوسياسي العربي المتّسم بالانقسام والتخلّف .
إنّ زّيارة بعض الإسرائيليين لتونس كشفت عن عمق الفجوة بين شقّ من النخبة وعموم الشّعب التونسي ، هذه الفجوة التي بدأت تتّسع منذ أن قرّرت هذه النّخبة الارتماء في حضن السّلطة والتّمتّع بكمّ المنافع الماديّة التي كان بن علي يغدقها على مريديه ، وكانت حجّة هؤلاء دائما الخوف من المدّ الظّلاميّ الذي يهدّد نمط المجتمع التونسي المتفتّح ، ولكنّ هذه الحجّة قد سقطت الآن حين تسلّم إخوان تونس الحكم ثمّ سلّموه عن طواعيّة إذ لم تعد لهذه النّخبة موانع من الالتحام بمطالب شعبيّة ملحّة لعلّ من أهمّها مساندة فلسطين مساندة عمليّة بالإعلان الواضح عن موقف غير معترف بإسرائيل إلّا ككيان هجين غاصب ومن الخضوع لاتّفاقيّات تخضع لها تونس باعتبارها عضوا في جامعة الدّول العربيّة … أمّا الشقّ الثّاني من النخب فهي نخب نعتبرها وليدة الثّورة التّونسيّة وهو شقّ مازال يتلمّس طريق إثبات الذّات وتقوية عوده الطريّ ، وهو شقّ أعلن منذ البدء انحيازه للقضايا الوطنيّة دون مساومة أو سمسرة ودون اصطفاف إيديولوجي مهلك ،ومن بين هذه القضايا القضيّة الفلسطينيّة . هذا الشقّ نراه اليوم محاصرا ومقصى في رغبة واضحة لتشويهه وإخماد صوته وهو الذي أصبح يقضّ مضجع الشقّ الأوّل ويفضح مخطّطاته خاصّة في وسائل إعلام كانت ومازالت غير مقتنعة بالثّورة التّونسيّة ولا منخرطة فيها.
هذه تونس اليوم بعد أن حرّكت زيارة وفد إسرائيليّ سواكن مياه راكدة آسنة منذ زمن بعيد ، سواكن حداثة مشوّهة أرادت الارتماء في حضن العولمة بكلّ تسليم واستسلام مسنودة خارجيّا من فرنسا خاصّة وداخليّا من الأنظمة المستبدّة المتعاقبة على تونس لكنّ هذه الحداثة تعرّت اليوم لتجد نفسها في مواجهة مع شعب اندهش من انقلابها على مقولات طالما تغنّت بها كالممانعة والحريّة وحقوق الإنسان لتكشف عن وجه آخر فيه دعوة للاستبداد والقمع وحتّى مساندة انقلاب العسكر في مصر وآخرها تطبيع لا مشروط أرادت من خلاله إسرائيل جسّ نبض دولة من دول الرّبيع العربيّ وقياس مدى قبولها لعلاقات طبيعيّة معها ثقافيا واقتصاديّا ويبدو أنّ هذا القياس قد نجح إلى حدّ بعيد لأنّه كشف حجم الانقسام بين النّخب التونسيّة وحجم الاستقطاب الذي سيحوّل الصّراع من صراع حمائيّ ضدّ عدوّ راغب في اختراقنا إلى صراع بينيّ يزيد الشّقوق في جسدنا ويجعل تسرّب هذا العدوّ من هذه الشّقوق أيسر.
عبد الله مشاعلي (كاتب ومحلّل سياسي تونسي )

 

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: