في ذكرى فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل للآداب: موقفه من الدين و التطبيع: (بقلم ليلى العود)

 

في مثل هذا اليوم 13 أكتوبر من سنة 1988 أعلنت لجنة جائزة نوبل في تقريرها أن الكاتب والأديب المصري نجيب محفوظ استحق الجائزة عن 4 أعمال منها “أولاد حارتنا” وهي رواية لاقت رفضا من علماء الأزهر ولغطا كبيرا من كثير من النقاد والقراءفقد رأى العلماء الرافضون للرواية أن الحارة في الرواية رمز للدنيا وأولاد الحارة هم البشر من لدن آدم عليه السلام إلى العصر الحاضر
و” الجبلاوي ” المتسلط في الرواية رمز لله – سبحانه وتعالى –
و” قاسم ” رمز لمحمد صلى الله عليه وسلم
و ” جبل ” رمز لموسى عليه السلام – لأن الله كلمه في الجبل –
و ” رفاعة ” رمز لعيسى عليه السلام – لأن الله رفعه – .. وهكذا ….
وقد صور محفوظ للقراء مدى الظلم الإلهي الذي حلّ بالبشر وخصوصًا الضعفاء، منذ أن طرد الله آدم من الجنة وحتى اليوم، ثم ترك  الربُ الذي أصبح عجوزًا لا يقوى على شيء، الأشرارَ يعيثون في الأرض فسادًا وينزلون أشد العقوبات بالضعفاء.. كما أنه نسي وتناسى أن يعطي الفقراء نصيبهم من هذه الدنيا.. (سبحان الله وتعالى )ثم جعل نجيب محفوظ ” عرفة ” رمز العلم يقتل ” الجبلاوي ” كإشارة إلى صراع ثنائية الدين والعلم وانتصار الأخير على الدين في رمزه الأعلى بل ويذهب محفوظ إلى وأد العلم بقتل عرفة نفسه ليضع القارئ سؤالا  عن غاية محفوظ و رغبته في قتل العلم والدين معا
ولم تتوقف القراءة التي تربط بين أبطال رواية أولاد حارتنا بالرموز والشخوص الدينية عند العلماء المسلمين فحسب بل هناك من النقاد المسيجين من قرأوا نفس القراءة مثل الناقد روبير الفارس الذي رأى تقاربا بين أبطال نجيب محفوظ وشخصيات الكتاب المقدس فكتب يقول عن شخصية جبل :ولقد استوحى نجيب محفوظ اسم (جبل) كرمز لموسى النبى وليس خفيا ارتباط موسى بالجبل الذى صعد إليه ليحدثه الله (خروج 24) (ويقترب موسى وحده إلى الرب وهم لا يقتربون) إلى جانب كونه صامدا وراسخاً كما الجبل.و أما عن شخصية رفاعة فقد رآه الفارس يمثل المسيح عليه السلام فكتب يقول:
(رفاعة) هو الشخصية الثالثة فى رواية (أولاد حارتنا) والتى أراد من خلاله – نجيب محفوظ – أن يقدم رؤية خاصة للمسيحية قد يختلف البعض أو يتفق معها ولكن دعونا الآن نطرح هذه الرؤية كما قدمها الأديب العالمى.
ويضيف
عندما يقول (رفاعة) أن الحارة تحتاج إلى الرحمة نتذكر قول السيد المسيح (أريد رحمة لا ذبيحة)هذا قليل من كثير قيل عن هذه الرواية من الناحية الدينية وقد كُفر نجيب محفوظ بسببها و اتهم بالإلحاد و الزندقة، و كان له معارضون كثر لرواياته وأعماله الأدبية ورأوا فيها دعوة للإلحاد والدعارة مما جعله يتعرض لعملية اغتيال بسكين على يد شاب سنة 1994
وأما سياسيا فقد ربط كثيرون – ومنهم المفكر والأديب عباس محمود العقاد – فوز محفوظ بالجائزة بموقفه من الصراع مع الكيان الصهيوني ومباركته لاتفاقية كامب ديفيد ومبادرته للتطبيع مع اليهود ، حيث أكد بنفسه أنه صاحب المبادرة وأن السادات تبعه في ذلك ، وإقراره بدوره في مشروع إرضاء الصهيونية هو أحد أكبر العوامل لنيله جائزة نوبل
.
وقد قال محفوظ : ( في أعقاب نكسة 1967 م جمع د . ثروت عكاشة “ وزير الثقافة حينذاك ” بعض المثقفين ، وأصحاب الرأي لتبادل الأفكار وكان رأيي الذي أعلنته وقتها ضرورة العودة إلى الديمقراطية تمهيداً للتفاوض مع إسرائيل ثم ناديت بالسلام مع إسرائيل بجريدة الأهرام ، حضرها العقيد القذافي في أواخر 1970 م في بداية حكم السادات ).
وموقف محفوظ من الاحتلال الصهيوني وغيره من الاحتلال موقف مفضوح وتجلى لي في كثير من أعماله …وسأقف معك عزيزي القارئ في موقف له من الاحتلال ساقه في رواية بين القصرين عن طريق بطلة الثلاثية أمينة
فجميعنا نعلم أن أمينة الثلاثية هي رمز الإنسان المكبوت رجلا كان أو امرأة والمسلط عليه كل أنواع الاستبداد لدرجة إلغاء الوجود مما يجعل القارئ وهو يتابع الأحداث يتحمس لأمينة ويتعاطف معها ويتمنى لو تبدي رأيها ولو في أبسط الأمور في بيتها
وفجأة يأتي الأديب محفوظ ويجعل لبطلته أمينة رأيا في قضية حساسة تتعلق بوجود الاحتلال في البلاد ….ففي حوار دار بين ياسين وفهمي حول تواجد الاحتلال وضرورة إخراجه من مصر حشر محفوظ أمينة في هذا الحوار لتبدي رأيها فيه قائلة:” يذهبون إلى بلاد الانجليز ليطالبوهم بأن يخرجوا من مصر؟ ليس هذا من الذوق في شيئ …وكيف يطلبون إخراجهم من ديارنا بعد إقامة طالت هذا الدهر كله؟ فهل من الإنسانية أن نتصدى لهم بعد ذلك العمر الطويل من العشرة والجيرة؟ ( بين القصرين – صفحة 309)
وتقول أمينة لابنها فهمي أيضا : لماذا تكرههم يا بني ؟ أليسوا أناسا مثلنا لهم أبناء وأمهات؟ إنهم يا بني لا يقتلون ولا يتعرضون للمساجد ولا تزال أمة محمد بخير ( بين القصرين – صفحة 331)
ولنا أن نتساءل هنا ما الغاية من تمرير هذا الموقف من الاحتلال عن طريق شخصية لا يملك القارئ الا التعاطف معها ويتمنى طول القراءة أن يرى لها موقفا ما بعد الكبت الذي فرضه عليها زوجها أحمد عبد الجواد الذي حدد لها نوعية التعامل في البيت بقوله : ” أنا رجل , الآمر الناهي , لا أقبل على سلوكي أي ملاحظة, وما عليك إلا الطاعة , فحاذري أن تدفعينني إلى تأديبك ( بين القصرين – الصفحة 8 )
فإذا كانت امينة قد  حررت رأيها فجأة فهل يعقل أن يكون بقبول الاحتلال والتعايش معه بقولها :” فهل من الانسانية أن نتصدى لهم بعد ذلك العمر الطويل من العشرة والجيرة؟
حقيقي إن تمرير مثل هذا الموقف من الاحتلال عن طريق شخصية في الرواية أحبها القارئ وتعاطف معها لهو محل تساؤل كبير ….والله أعلم كم من القراء أيدوا أمينة وتعاطفوا مع رأيها من الاحتلال من باب تأييدهم وتعاطفهم لشخصية مكبوتة ومحبوبة في الرواية
.وأختم بوقفة مع العرب الفائزين بجائزة نوبل – التي تبقى محل شك في حيادها – وهم:- الرئيس المصري محمد أنور السادات بعد توقيعه لاتفاقية كامب ديفيد وقد حصل على الجائزة مناصفة مع رئيس وزراء الكيان الصهيوني  مناحيم بيغن سنة 1978.
– الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بعد اتفاق اوسلو عام 1994 وحصل عليها مناصفة مع رئيس وزراء الكيان الصهيوني اسحاق رابين ووزير خارجيته شمعون بيرس
– الدكتور محمد البرادعي الرئيس السابق للهيئة الدولية للطاقة الذرية الفائز بجائزة نوبل للسلام.
– الدكتور أحمد زويل المصري الجنسية على جائزة نوبل في الكيمياء بالاشتراك مع آخرين
نجيب محفوظ جائزة نوبل في الآداب
– الناشطة والصحفية اليمنية توكل كرمان تحصلت سنة 2011 على نوبل للسلام لدورها في الثورة اليمنية
– ومن عرب المهجر حصل كل من بيتر مدور على جائزة نوبل في الطب وإلياس جيمس خوري على جائزة نوبل في الكيمياء، وهما من أصول لبنانية.
وبالعودة إلى جائزة نوبل للآداب فقد فازت بها  هذه السنة  الكاتبة الكندية أليس مونرو  الخميس 10 أكتوبر 2013 عن قصصها التي تتناول الحب والصراع ومآسي النساء ووصفتها اللجنة المانحة للجائزة بأنها “أفضل من كتب القصة القصيرة في العصر الحديث “.
وتبلغ مونرو من العمر 84 سنة وتعتبر أول كندية تفوز بالجائزة والمرأة الثالثة عشرة التي تدون اسمها في سجل هذه الجائزة .
مع تحيات ليلى العود

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: