في عالمنا العربي: “يا جبل الفساد ما تهزّك ريح وثائق بنما” بقلم نضال بن محمد

أسبوع مرّ على نشر ما عُرف بـ “وثائق بنما”وهي مجموعة من الوثائق تعود لشركة “موساك فونسيكا” البنمية والتي سربت إلى العلن، واعتبرت هذه التسريبات الأكبر في العالم، فهي تتضمن 11.5 مليون وثيقة، تظهر قيام عدد من نجوم السياسة والفن والرياضة بإيداع أموالهم في ملاذات مصرفية آمنة عبر شركة “موساك فونسيكا”. كشفت “وثائق بنما”عن قائمة تضم 72 فاسداً من قادة وحكام وسياسيين من مختلف أنحاء العالم، من بينهم زعماء من العالم العربي، بما في ذلك قطر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والعراق والأردن وسوريا ومصر والمغرب وتونس. ففي الوقت الذي تُعاني فيه الشعوب العربية من الفقر والبطالة كان الزعماء العرب يُحولون أموال شعوبهم المنهوبة إلى “الجنّات الضريبة” وفي الحقيقة لم نكن نحن العرب ننتظر “وثائق بنما”حتى نعرف حجم فساد زعمائنا، تكفينا مؤشرات الفقر والبطالة والأميّة وتكفينا مظاهر الثراء الفاحش للصغار المسؤولين فكيف بكبارهم وبمن عيّنهم؟! أسبوع مرّ على رفع الستار على أهم تسريب في تاريخ البشرية فهي 11.5 مليون وثيقة تتفوق في أهميتها على “ويكيليكس” وعلى تسريبات “سنودين” وعلى أي تسريبات أخرى سابقة، ولكنّها لم تحرك جبل الفساد في عالمنا العربي وكأن حال لسان زعمائنا “يا جبل ما يهزّك ريح” !! ففي الوقت الذي اضطر فيه رئيس وزراء أيسلندا سيغموندور جونلاوجسون إلى الإنسحاب من مقابلة تلفزيونية بعد ما وجه له الصحافي سؤالا مباشرا عن تورطه في عمليات مالية غير معلنة، وفي إخفاء استثمارات بملايين الدولارات في أماكن غير معلومة، ثم بعد ذلك أعلن استقالته من منصبه بسبب إدراج اسمه ضمن الوثائق السرية حول التهرب الضريبي أو ما تعرف بـ “وثائق بنما”، كان إعلامنا العربي يتحدث عن استحياء على “وثائق بنما”ولم تقم الأجهزة الرقابية في أي دولة بتوجيه الأسئلة لمن كشفت الوثائق المسربة عن أساميهم بل صمتت صمت القبور لأنّها لا تعدو كونها ديكوراً تتزين به الأنظمة العربية وشجرة تخفي فسادها ودكتاتوريتها !! تونس و“وثائق بنما” كشف موقع “انكيفادا” مساء الاثنين الفارط عن مراسلات عبر البريد الالكتروني بين محسن مرزوق (قيادي سابق في نداء تونس ورئيس حزب مشروع تونس) و مكتب المحاماة “موساك فونسيكا”؛ محسن مرزوق وأثناء الحملة الانتخابية الرئاسية أواخر سنة 2014 قام بالاتصال بمكتب المحاماة المذكور لطلب معلومات حول كيفية إحداث شركة استثمار مالية غير موطنة “Offshore “تحت اسم “MM Business” ليتمكن من تحويل أموال واستثمارها في الخارج ودون تتبعات ضريبية. وبعد ساعات قليلة من كشفه عن تورط محسن مرزوق في تسريبات “وثائق بنما”تعرض موقع “انكيفادا” إلى هجمة الكترونية عنيفة انتهت بقرصنة جزء منه ونشر أخبار كاذبة كتورط منصف المرزوقي – الرئيس السابق في عمليات تهريب أموال وهو مانفاه القائمون على الموقع ونفاه بدوره منصف المرزوقي. كما تعرض الصحفيون التونسيون المشاركون في التحقيق الاستقصائي الخاص بـ“وثائق بنما”إلى حملة من التشويه والتشكيك في مهنيّتهم بل واتهموا بـ “العمالة لجهات أجنبية” !! فيما تعاملت وسائل الإعلام التونسية العامة والخاصة بشيء من التهوين في ما كشفت عنه “وثائق بنما” خاصة وأن المتورط الأوّل كان مدير الحملة الإنتخابية للرئيس الحالي الباجي قائد السبسي الذي قدمه الإعلام على أنّه المُخلّص من الفساد والفقر والبطالة، وفي سياق التقليل من حجم الفضيحة ذهب منذر ثابت (محلل سياسي) إلى القول في إحدى البرامج على قناة الحوار التونسي بأنّ تسريبات “وثائق بنما” هي “مؤامرة أمريكية تستهدف الإقتصاد الفرنسي لأن الشركات الفرنسية وفي سياق تطوير قدرتها التنافسية تبحث عن ”الجنّات الضريبية” ” !! أمّا على الصعيد الرسمي فقد فتحت وزارة المالية التونسية بالتنسيق مع وزارة العدل يوم الأربعاء 6 أبريل الجاري، تحقيقا في تسريبات “وثائق بنما”، وشكل البرلمان التونسي لجنة تحقيق خاصة ضمت عدداً من أعضائه للتحقيق في الملف، وذلك بعد تصديق مجلس نواب الشعب بالأغلبية الجمعة 8 أبريل 2016. وصوت 124 نائباً من أصل 125 حضروا التصويت، فيما عارض نائب واحد تشكيل هذه اللجنة، وضمت 22 عضواً، تلبية لمبادرة تقدم بها عدد من النواب بعد أنباء تناقلتها وسائل الإعلام في إطار ملف “وثائق بنما” تطرقت لشخصيات تونسية. لن نسبق الأحداث ولن نشكك في أعمال وزارة المالية ووزارة العدل واللجنة البرلمانية إلا أن هناك عديد المؤشرات التي تجعلنا غير مطمئنين لنتائجها؛ ففي واقعة مشابهة وفي ما عرف بتسريبات “سويس ليكس” والتي كشفت عن تورط رجال أعمال وسياسيين ومقربين من الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي في عمليات تهرب ضريبي عبر فتح حسابات بنكية سرية في بنك HSBC السويسري تحتوي على 554 مليون دولار، وكان موقع “انكيفادا” قد كشف عن القائمة الإسمية للمتورطين في هذه العملية ومن بينهم المرشح السابق للإنتخابات الرئاسية سمير العبدلي، وقد تعهدت وقتها النيابة العمومية بفتح تحقيق في “تبييض وغسيل أموال” إثر تسريبات “سويس ليكس”، وإلى اليوم لم تُكشف نتائج تلك التحقيقات ولم يُحاسب أيٌّ من الذين تورطوا في عمليات تهرّب ضريبي !!، وللإشارة فإن بعض الأسماء التي كشفت عنها تسريبات “سويس ليكس” ذُكرت في “وثائق بنما” على غرار المرشح السابق للإنتخابات الرئاسية سمير العبدلي. أيضا تصريحات بعض المسؤولين التونسيين تجعل من محاربة حقيقة للفساد حلما صعب المنال خاصة إذا ما تعلق بشخصيات سياسية واقتصادية بارزة؛ حيث أشار القيادي السابق بحركة نداء تونس والوزير المكلف لدى رئيس الحكومة بالعلاقات مع مجلس نواب الشعب في حكومة حبيب الصيد الأولى لزهر العكرمي في رسالة استقالته إلى “غياب الإرادة السياسة لمكافحة الفساد” و”أنه لا يمكن محاربة الفساد بمسؤولين فاسدين”. وقال شوقي الطبيب رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في تصريح للإذاعة الوطنية التونسية بتاريخ 8 فيفري 2016: “90% من قضايا الفساد في تونس متورطة فيها أجهزة الدولة”، وفي حوار مع جريدة الجمهورية بتاريخ 23 مارس 2016 قال شوقي الطبيب: ” تونس مهدّدة بأن تصبح دولة مافيوزية وقـد يصل الفساد إلى المؤسسة العسكرية”. هذا المقال كان بدايته في شكل حلم إذ رأيتُ في المنام أنني أكتب عنوانا “يا جبل الفساد ما يهزّك ريح” وربما كان ذلك نتيجة لحلم من أحلام اليقظة بمحاسبة حقيقة للفاسدين والمفسدين من زعماء سياسيين في عالمنا العربي إلا أنه وعلى المدى المنظور لن يتحقق حلمي ذاك إلا في المنام تماما كعنوان المقال !!

نضال بن محمد

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: