في مدرسة الرسول صلى الله عليه وسلم :( دروس للشباب وللمرأة ولحوار الأديان وللمسيئين له ) بقلم ليلى العود

بمناسبة ذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم سأقف على بعض الدروس من مدرسة الرسول صلى الله عليه وسلم لتساعدنا في عصرنا على الخروج من جاهلية لا تقل عن التي كانت على عهد مولده صلى الله عليه وسلم
فاليوم وإن تغيرت الأسماء والوجوه فإن سياسة قوى الاستكبار تكاد تكون واحدة عبر العصور وهي سياسة استعباد الشعوب ونهب ثرواتها وإجبارها على عبادة طغاة متألهة على الأرض وإبعادها بالقوة عن عبادة خالقها الحقيقي ….وفي ذلك قال الله سبحانه وتعالى “أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ- الذاريات 53” ….أي لم يوصي هذا الطاغية طاغية أخرى بنفس السياسة بل نفوس الطغاة و شهواتهم ومصالحهم واحدة

وإن كانت دروس مدرسة الرسول صلى الله عليه وسلم لا تنتهي فإني قد اخترت الوقوف عند الهجرة الأولى إلى الحبشة لنواجه بدروسها ما تتعرض له أمتنا الإسلامية من محاولات متكررة لطمس هويتها ودينها وثقافتها ولنرى كيف تصرف الرسول صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي تتعرض له بداية رسالته من محاولات لوأدها والقضاء عليهاوهي محاولات مستمرة إلى غاية عصرنا هذا

فالدرس الأول الذي نأخذه من الهجرة للحبشة هو عدم إضاعة الوقت في الرد على المسيئين لديننا في الوقت الراهن بالطرق التي يتمنونها
فالمسيؤون للإسلام وللرسول صلى الله عليه وسلم يريدون بإساءتهم الوقوف على ردود أفعال المسلمين و على مكانة رسولهم و رسالته في قلوبهم و حياتهم بعد سنوات خطط فيها لإخراجهم من دينهم و تحريفه بشتى الوسائل و في مقدمتها وسائل الإعلام…فإن كان رد الفعل إزاء هذه الحملة اللامبالاة فسيطمئن من وراء هذه الحملة بأن صورة المقدس قد تهدمت في قلوب المسلمين و هنا يتعدون إلى خطوة أخرى يقدمون بها على المساس برمز آخر كالأقصى…أما إذا كان رد الفعل الانفعال و التظاهر لإلحاق الضرر بسفارات وأ‘علام دول أو مقابلة الشتم بالشتم فسيستغل هذا الموقف أيضا للتأكيد على أن المسلمين همجيون لا بد من تأديبهم بكل الطرق لإجبار من مازال تابعا لرسالة محمد صلى الله عليه و سلم على الانخراط في النظام العالمي والخروج من الاسلام المحرض على الكراهية و الداعية تعاليمه الى التخلف و الظلام حسب تقول الطغاة وعملائهم في أمتنا ….
ولتفويت الفرص على هؤلاء الأعداء علينا ان نضع أيادينا في أيادي العادلين من الأمم الأخرى و ذلك للاستعانة بهم في التحسيس برسالة الاسلام الحقيقية و بقضايانا لنصرتها.. و هذا ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم عندما وضع يده في يد ملك عادل وهو النجاشي..و هذا دليل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان متفتحا على الآخر و على كل العالم و ليس منغلقا كما يدعي كل من يريد الإساءة له في وقتنا الحالي …و لكن في تفتح الرسول صلى الله عليه وسلم لم يضع يده الشريفة في يد الطغاة قاهري الشعوب كما يفعل اليوم الزعماء العرب باسم التسامح والاعتدال والسلام المزعوم
الدرس الثاني الذي يتجلى لنا من هذه الهجرة هو اختيار الرسول للمهاجرين الذي لم يكن اختيارا عشوائيا..فمن بين المهاجرين نجد صاحب العقلية الاقتصادية الناجحة وهو عثمان بن عفان وهو من الأثرياء و من المحنكين اقتصاديا و لا بد من وجوده في هذه البعثة حتى لا يبقى المسلمون عالة عند النجاشي ينتظرون عطاءه…و هذا أكبر درس لنا في حاضرنا المؤلم لنعتمد على أنفسنا و نحسن استغلال ثرواتنا لا أن نبقى كحالنا اليوم نعتمد على الآخرين حتى في لقمة عيشنا و نعيش على كثرة الاقتراض لنستعبد اقتصاديا و ثقافيا و ربما في آخر المخططات عسكريا ..و ها قد سمعنا كيف يفرض صندوق النقد الدولي شروطا من قبل إدراج المسلمين على لائحة الإرهاب ليسمح لنا بالقروض
فالأولى من هذه القروض هو تولي شرفاء على ثروات الأوطان في أمتنا وإبعاد كل من يتلاعب بهذه الثروات ويتقاسمها مع الدول الغربية لتبقى الشعوب تتخبط في فقر مرير ولا يكاد الواحد من أبنائها يصل إلى توفير ضروريات معاشه في حين يعيش الطغاة إلى حد التخمة …. وما آسف له هو رفض المجلس الوطني التأسيسي في تونس حماية الثروات المنهوبة عبر الدستور الجديد بعد الثورة لينذر هذابمواصلةالسياسة الاقتصادية غير العادلة والمنهكة لجيوب أبناء الشعب
لقد آن الأوان بل و تأخرنا في توحيد العقول الاقتصادية الناجحة بثروات أمتنا المنهوبة من الغرب وعملائهم والمهدورة في أشياء تافهة كالفضائيات المائعة و “ستار أكاديمي و أخواتها” وغيرها مما يغيب الوعي ويخدر الشعوب حتى لا يطالبوا بمحاسبة وتتبع الناهبين للثروات وبتوفير الحياة الكريمة

الدرس الثالث الذي أقف عليه من دروس الهجرة هو ضرورة مراجعة حوارنا مع الأمم الأخرى و عدم الاكتفاء بالقول في حوارنا معها بأننا أمة تسامح ووسطية واعتدال حتى لا نتهم بالارهاب..هناك نقاط اختلاف بين الأديان تنتظر  أن يتحاور فيها بجدية لقطع الطريق أمام المنظرين لصراع الحضارات…
و لقد اختار الرسول  صلى الله عليه وسلم في هذه الهجرة جعفر بن أبي طالب لبلاغته و قوة حجته ..و قد استطاع محاورة ملك مسيحي في عالم لا يقل فوضى و تكتلات و تعقيدا عن عالمنا اليوم..و مع هدا نجح جعفر في اقناع الملك لا بل و جعله يعتنق الاسلام..فأين لنا اليوم بشاب مسلم كجعفر ليقود حوار أديان و ثقافات ينتهي باحترام الآخر لنا؟
لذلك أرى أنه آن الأوان لإعطاء الشباب المكانة التي يكونون جديرين بها وأن يستحي بعض الشيوخ الذين مازالوا متشبثين بالتواجد على الساحة السياسية وهم الذين لم يحققوا للأمة ولأوطاننا إلا الاستبداد والتبعية المذلة للغرب وطمس هويتنا
فشبابنا اليوم مطلوب منهم تحديد موقفهم من هويتهم و معتقداتهم ازاء نظام عالمي رجع بنا إلى الجاهلية و سرب لأوطاننا و أفسد شبابنا باسم الحداثة و الحرية و التفتح..
فالشاب جعفر بن ابي طالب الذي وقف أمام ملك وهو ابن 22 سنة ليحاوره لم برتكز في حواره على شعارات مثل الحرية و الحداثة و حقوق الإنسان و نبذ التطرف و الوسطية لأنها شعارات قد يفهمها هذاو ذاك و يتعامل معها بمفهومه الخاص ووفق مصالحه الخاصة..
لو أدار حعفر حواره مع الملك قائلا أنه هارب من الإرهاب في مكة و باحث عن حقوق المرأة في الحبشة و مشجع على الحداثة لما كان الملك يفهمه لأن هذه الشعارات قد تصب عنده في أهداف غير أهداف جعفر…لذلك لما تقدم للحوار أعلم الملك أنه يحمل رسالة لا شعارات و أنه مؤمن بنظام كون تقبله كل نفس سوية و رافض لآخر فاشل تأباه كل فطرة سليمة..فقال معرفا بميثاق رسالته:”كنا قوما اهل جاهلية نعبد الأصنام, و نأكل الميتة, و نأتي الفواحش, و نقطع الأرحام, و نسيئ الجوار, و يأكل القوي الضعيف منا…فبعث الله إلينا رسولا نعرف نسبه و صدقه و أمانته و عفافه فدعانا إلى الله…و أمرنا بصدق الحديث و أداء الأمانة و صلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم و نهانا عن الفواحش و قول الزور و أكل مال اليتيم و قذف المحصنة…الخ,,
يعني قدم جعفر رسالة لا شعارات ولذلك على شبابنا أن يحددوا موقفهم اليوم من رسالة الإسلام ويتوجهوا بها للحوار مع الآخر و ليس بشعارات خصوصا أمام سعي جدي لفرض الاعتراف بيهودية ما يسمى دولة إسرائيل وهوما يعني الاعتراف بدولة دينية لا يمكن مواجهتها إلا بدولة إسلامية حتى لا تفرض هذه الدولة اليهودية على شعوب العالم من خلال المؤسسات الدولية خاصة المؤسسات المالية التي يسيطر عليها من يطمس هويات ومعتقدات الشعوب لفرض نظام عالمي سيصبح عن قريب نظاما دينيا ويهوديا

أما الدرس الرابع من مدرسة الهجرة و الذي سأنهي به وهو دور المرأة و ما أدراك ما المرأة…فقد كان في هجرة الحبشة تسع عشرة امرأة من بينهن رقية بنت رسول الله…و هذا دليل على أن الرسول يشرك المرأة في الحياة السياسية و الاجتماعية..كيف لا و نحن نعلم أن بيعة العقبة الأولى كانت بيعة نساء.لتكون المرأة المسلمة من أوائل النساء اللاتي منحن حق البيعة أو ما يسمى اليوم الانتخاب و هذا عكس ما يدعيه أصحاب الحملة المسيئة للإسلام وللرسول صلى الله عليه وسلم من أن المرأة كانت مغبونة عند محمد تقبع في الخيمة و تعامل كالمتاع و لا يحق لها السفر…

و الدرس الآن للمرأة المسلمة هو الحفاظ على أخلاقيات أمتنا في بيتها و مجتمعها أمام هذه الحرب الهوجاء على الأخلاق و التي تقاد باسم الحرية و الحداثة
فالحرية التي أرادوها للمرأة المسلمة منذ عقود هي التحرر من خالقها والقيم الإسلامية وكانوا على يقين أنهم بإسقاط المرأة يسقط وراءها الرجل ثم الأمة كلها
وما قاله الصهيوني مالحوم اخنوف صاحب فكرة ستار اكاديمي عن أهداف مشروعه يفسر  كل المخطط الذي استهدف شباب الأمة الإسلامية ونسائها
فقد قال أخنوف في حوار معه ” إننا خططنا لغزو المرأة المسلمة لأن غزوها عقليا وفكريا وجسديا أكثر من صنع الدبابات والطائرات الحربية”
ولما سؤل ولماذا المرأة المسلمة وليس الرجل المسلم؟
أجاب ” لاننا نعلم إذا انحرفت المرأة المسلمة سينحرف جيل كامل من المسلمين وراءها”

اكتفي في مقالي بهذه الدروس القليلة من مدرسة الرسول صلى الله عليه وسلم التي لا تنتهي دروسها لمن أراد واقعا يعيد للأمة عزتها وكرامتها ويجعل أبناءها يتعاملون بندية مع الآخر ويفرضون عليه تعاملا وفق ميزان عادل أي بقدر ما نأخذ منه اقتصاديا وثقافيا يأخذ منا وأن نجبر ذلك النقيض الذي لا يعرف في تعامله معنا غير نهب ثرواتنا وطمس هويتنا ومحاربة معتقدنا باسم الحرب على الإرهاب ويجد في حربه عملاء له في أمتنا آن الأوان أن يزاحوا من على الساحة حتى لا يتمكن منا أعداء أمتنتا
وختاما …
أقول للذين يسيؤون للإسلام ولرسولنا صلى الله عليه وسلم خاصة بتلك الرسوم المسيئة والتي أصبحت ترسم من قبل تونسيين فاسدين وأطلقت أياديهم بما يسمى حرية الضمير في الدستور االتونسي الجديد – هذا الدستور الذي لم يدرج فصلا لتجريم المساس بالمقدسات والإسلام ورموزه ليفتح بذلك بابا للفتنة في الوطن وللكراهية وربما للحرب الأهلية – أقول لكل هؤلاء :
كلما هاجمتم رسولنا  صلى الله عليه وسلم و تعاليم رسالته كلما أحببناه أكثر و دخل في دينه أفواجا في كل زمان ومكان بل وندم من أساء إليه مثل الهولندي أرنولد فاندرون صاحب الشريط المسيئ للرسول صلى الله عليه وسلم والذي أعلن بنفسه عن إسلامه عبر قناة الجزيرة وأدى فريضة الحج سنة 2013 ويستعد لإنتاج شريط يخدم الإسلام والمسلمين و يعكس أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم الحقيقية وآمل أن تغسل دموعه في الحج ذنوبه ويغفر له.
ونسأل الله أن يغفر له وأن يهدي باقي المسيئين للإسلام ولرسولنا صلى الله عليه وسلم الذي نقول فيه:
هو الحبيب الذي ترجى شفاعته
لكل هول من الأهوال مقتحم
دعا الى الله فالمستمسكون به
مستمسكون بحبل غير منفصم ” البردة”

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: