يتوقع المتخصصون في علم الديموغرافيا أن يبلغ عدد سكان العالم نحو عشرة مليارات إنسان بحلول عام 2050 من بينهم نحو 80% سوف يسكنون في المدن، مما يستلزم تخصيص مساحات شاسعة من الأراضي للزراعة لتلبية حاجاتهم الغذائية، إلا أن ذلك سيكون غير ممكن في كثير من بقاع العالم، كما ستنجم عنه آثار بيئية سلبية ناتجة عن إزالة الغابات والأشجار لاستصلاح أراضيها لزراعتها.

تحديات جمة
تفرض الزيادة السكانية والتغيرات المناخية المتسارعة ونقص المياه العذبة تحديات كبيرة أمام القطاع الزراعي، مما حفز الباحثين لإيجاد طرق مبتكرة للزراعة لتلبية الحاجات المتزايدة من الغذاء للاستهلاك البشري، وقد شهدت السنوات الماضية تراجعا واضحا في إمدادات الحبوب وبعض المحاصيل في الأسواق، وارتفاعا كبيرا في أسعارها.

وقد عانى كثير من فقراء العالم من تفشي ظاهرة الجوع التي ضربت عددا من المناطق في العالم، أضف إلى ذلك تزايد الصراعات والحروب في عدد من الدول، التي أدت بدورها إلى تراجع إنتاجها من المحاصيل الزراعية، وفي مناطق أخرى من العالم تعذر نقل بعض المحاصيل من مناطق الإنتاج إلى مناطق الاستهلاك بشكل آمن ومستدام.

احتياجات الزراعة العمودية من المياه تقدر بنحو 10% من الكميات المستخدمة في الزراعة التقليدية (أسوشيتد برس)

أفكار مبتكرة
ولمواجهة ندرة الأراضي الزراعية والمياه العذبة، تبنى عدد من الباحثين فكرة حدائق بابل المعلقة التي تعود إلى القرن السادس قبل الميلاد، مع إدخال تعديلات جوهرية عليها، ويعد البروفيسور ديكسون ديبومييه صاحب فكرة الزراعة العمودية الحديثة (Vertical Farming) التي يتم فيها التوسع الرأسي في الزراعة في طوابق متعددة مع الاستغناء عن التربة التي كان يعتقد سابقا أنها أساسية لزراعة النباتات.

وتشير الدراسات التاريخية إلى أنه منذ عدة قرون أجريت بعض التجارب الرائدة للاستغناء عن التربة، حيث زرعت بعض الخضار في أوعية فخارية تحتوي على روث الحيوانات وماء، وفي عام 1929 أجريت في جامعة كاليفورنيا تجارب لزراعة الطماطم في محاليل مغذية تحتوي على أهم العناصر الغذائية التي تلزم تلك النبتة، وفي سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي تطورت طريقة الزراعة دون تربة وظهرت عدة أنماط منها عرفت باسم الزراعة المائية والزراعة في الهواء والزراعة في بيوت زجاجية وغيرها، وهي تقوم على إنشاء مزارع داخل بنايات محمية تتألف من عدة طوابق.

وتعتمد الفكرة الأساسية للزراعة دون تربة على استنبات النباتات في أحواض خاصة مرتبطة فيما بينها بشبكة من الأنابيب التي يتم ضخ مياه الري فيها والمغذيات الأساسية اللازمة لنمو النباتات التي تزرع في أوساط خاملة كالأغشية الرقيقة والحجر البركاني والبرليت والحصى التي تسمح بتثبيت جذور النباتات فيها.

ويتم تزويد مياه الري بالأسمدة اللازمة لنمو النباتات من خلال مجموعة مترابطة من الأنابيب تبدأ من خزان خاص بالتغذية لتمر على كافة الأحواض، ثم تعود المياه الزائدة إلى الخزان ليتم تزويدها من جديد بالعناصر الغذائية، كما يتم التحكم بدقة في الظروف المناخية من درجة حرارة ورطوبة وضوء لتوفير أفضل الظروف لكي تنمو وتثمر النباتات خلال وقت قصير.

الزراعة العمودية توفر مساحات شاسعة من الأراضي وتكون محمية من الظروف المناخية المتقلبة (أسوشيتد برس)

فوائد ومميزات
لقد تبنت عدة دول في العالم نظام الزراعة العمودية نظرا لتحقيقها مفهوم الأمن الغذائي، فهي تتفوق على الطرق التقليدية، إذ لا تحتاج إلى مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية المفتوحة، ويمكن استخدام طريقة الزراعة بالرفوف أو الطوابق المتعددة لإنتاج أصناف مختلفة من النباتات، كما أن احتياجاتها من مياه الري تقدر بنحو 10% فحسب من كميات المياه المستخدمة في الزراعة التقليدية التي يتم هدر جزء كبير منها دون فائدة.

وتشير التجارب التي أجريت على الزراعة العمودية إلى ارتفاع إنتاجية المتر الواحد من المحاصيل الزراعية حيث يمكن تصل إلى ستة أضعاف إنتاجيته في الزراعة بالطرق التقليدية، وقد تتجاوز ذلك أحيانا، كما أن المزروعات تكون محمية من الظروف المناخية المتقلبة كالجفاف والفيضانات والأعاصير والصقيع، وكذلك تكون النباتات محمية من الإصابة بالأمراض والأوبئة التي تتلف تلك النباتات مما يزيد من كمية المحصول الزراعي ويوفر كلفة استخدام المبيدات الحشرية والعشبية وغيرها من المبيدات التي لها آثار ضارة على صحة الإنسان وسلامته.

“يمكن إنشاء المزارع العمودية داخل المدن الكبرى وفي الأحياء السكنية، مما سيلبي حاجة السكان إلى الخضراوات والفواكه الطازجة ويقلل بشكل كبير من كلفة عمليات نقل تلك المنتجات الغذائية من المزارع التقليدية البعيدة -في العادة- عن المدن”

وكذلك فإن النظام المغلق لتسميد تلك النباتات، يمنع وصول الأسمدة النباتية الزائدة إلى المياه الجوفية وتلويثها ببعض المركبات الكيميائية الخطيرة كما يقع في الطرق التقليدية للزراعة، وهي في الوقت نفسه تحد من عمليات قطع الغابات لاستخدام أراضيها في الزراعة التقليدية، مما يساعد كثيرا على حماية النظام الطبيعي لكوكب الأرض ويشجع على إعادة تشجير الأراضي الزراعية بالأشجار الحرجية التي تسهم بشكل فعال في مكافحة ظاهرة الاحتباس الحراري.

كذلك فإن المزارع العمودية يمكن أن يتم إنشاؤها داخل المدن الكبرى وفي الأحياء السكنية، مما سيلبي حاجة السكان إلى الخضراوات والفواكه الطازجة ويقلل بشكل كبير من كلفة عمليات نقل تلك المنتجات الغذائية من المزارع التقليدية البعيدة -في العادة- عن المدن، بالإضافة إلى المظهر الجمالي الأخضر الذي سوف تكتسي به المدن الحديثة بدلا من غابات الإسمنت والباطون المسلح.

لقد تطورت خلال السنوات القليلة الماضية تقنية الزراعة العمودية، واستخدمت أجهزة استشعار مرتبطة بأنظمة حاسوب للتعرف على حاجة كل نبته تتم زراعتها من المياه والأسمدة ومراقبة نموها والأمراض التي يمكن أن تصيبها وأفضل الأوقات لقطف ثمار تلك المزروعات ومراقبة جودة المياه ونسبة المخصبات فيها والظروف المناخية اللازمة لأفضل نمو.

كذلك فإن المزارع العمودية التي يتم إنشاؤها في بنايات قد يصل ارتفاعها إلى ثلاثين طابقا تحتاج -في الواقع- إلى كميات كبيرة من الطاقة الكهربائية لتوفير الإضاءة الصناعية للنباتات، وهذه الطاقة يمكن توليدها من ألواح شمسية تثبت على أسطح تلك البنايات مما يقلل بشكل كبير من كلفة استنبات تلك المحاصيل.

إن مشاريع مزارع مدن المستقبل العمودية، ستكون حاجة ملحة في ظل التزايد السكاني وقلة الموارد الطبيعية والتغيرات المناخية القاسية التي تعصف بكوكبنا وتهدد القطاع الزراعي التقليدي.
________________
* كاتب متخصص بالشؤون العلمية

المصدر : الجزيرة