” قانون المالية التكميلي .. يا خيبة المسعى ! ” … بقلم الناشط السياسي فراس العيني

تحت شعار “المليح يبطى” أخرت حكومة الحبيب الصيد إصدار قانون المالية التكميلي لسنة 2015 و لكن بعد متابعة النقاشات و الاطلاع على المشروع المقدم للبرلمان لا يمكن القول إلاّ “يا خيبة المسعى”.

جاء قانون المالية الأساسي المعمول به منذ جانفي 2015 بشكل متسرع وسط أزمات سياسية و انشغال تام لنواب التأسيسي آنذاك بالحملات الانتخابية أشرفت على إعداده حكومة مهدي جمعة الحكومة المؤقتة و حكومة التكنوقراط غير المتحزبة و أشرف عليه تحديدا نضال الورفلي فكان قانون مالية جاف متصلب الشرايين لا يتدفق منه أي نية إصلاح أو تحسين أوضاع بل جاء منحازا تماما لصالح رجال الأعمال و الشركات الكبرى و خاصة منها الأجنبية كما أن حكومة مهدي جمعة ماطلت في إعداد هذا القانون حتى كادت تتجاوز المدة الدستورية المسموح بها فسارت النقاشات بشكل متسرع و المصادقة عليه بشكل أكثر تسرع، و كان حاله كحال بقية القوانين المهمة، تمت المصادقة عليه بعد منصف الليل.. أمام كل هذا توقع الجميع أن تسرع حكومة الحبيب الصيد بإعداد قانون مالية تكميلي لما لذلك من دوافع سياسية و تقنية، أما خلاصة الدوافع السياسية فهي أن على حكومة جديدة حزبية أن تترجم توجهاتها الاقتصادية المفصلة في قانون المالية أما أبرز الدوافع التقنية فهو البون الشاسع في سعر برميل النفط الحالي (حوالي 50 دولار)و المعتمد في قانون حكومة مهدي جمعة(95 دولار) و كذلك سعر الدينار مقارنة بالدولار حيث سجل الدينار هبوطا بنسبة 20% بعد المصادقة على قانون المالية لسنة 2015 .. أمام كل هذا و أكثر كان من المتوقع أن تسرع حكومة الحبيب الصيد بصياغة قانون المالية التكميلي و لكن طيلة 6 أشهر و الحكومة تشتغل بقانون أعدته حكومة متخلية و طرأت على مضامينه متغيرات عدة و لكن و بعد انتقادات لاذعة لوزير المالية سليم شاكر الذي أشار في بعض المناسبات أنه لا حاجة لقانون مالية تكميلي مما أطلق عقيرة الخبراء و رجال الأعمال بالصراخ لما في ذلك من تأبيد الغموض و زيادة الضبابية حول المستقبل الاقتصادي للبلاد مما يضاعف تردد المستثمرين في إطلاق استثماراتهم، بعد هذه الانتقادات قدمت وزارة المالية في حكومة الحبيب الصيد مشروع قانون المالية للبرلمان حتى تتم مناقشته و المصادقة عليه علما و أن هذا القانون لن يعيش إلاّ أربعة أشهر فقط.

جاء هذا القانون مخيبا للآمال مخالفا للتوقعات متأثرا بوضعية الإرهاب منحازا للضغوطات التي مارسها رجال الأعمال و المستثمرون في السياحة على الحكومة، فقد كان منحازا بالكمال و التمام لفائدتهم فغابت عنه الإصلاحات الجذرية و حسن استقراء الواقع الاقتصادي و الاجتماعي بعيدا عن مؤثرات الإرهاب و الضغوط الخارجية فولد شبيها للقانون السابق و سائرا في نفس سياقه و توجهاته العامة فزاد من تخفيض الضرائب على الشركات المصدرة و زادها امتيازات و الجديد في هذا القانون أنه قد أعطى امتيازات خيالية للمؤسسات السياحية بمختلف أشكالها بأسهل الشروط بل من بين هذه الشروط ما هو مضحك، إذ أن الحكومة اشترطت في قانونها الجديد على المؤسسات السياحية أن لا تسرح أي عامل مقابل التمتع بامتيازات كتأجيل سداد الديون و غيره و المعلوم لدى القاصي و الداني أن 90 بالمائة من العملة داخل المؤسسات السياحية هم عملة مَوْسِمِيُّونْ لا عقود لهم و غير مرسمين و بالتالي قد يطرد النزل الكثير منهم و يتمتع بالامتيازات التي رصدتها الحكومة و من بين هذه الامتيازات أيضا هو السماح بتأجيل سداد الديون لدى المؤسسات العمومية كشركة الكهرباء و الغاز مما سيؤثر سلبا على هذه الشركات التي تعاني أساسا أزمات خانقة كالشركة الوطنية لاستغلال و توزيع المياه و الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.. كما سجل هذا القانون غيابا كليا لموضوع التهرب الجبائي للشركات و كبار رؤساء الأموال كما أهمل تماما موضوع مقاومة التهريب و التجارة الموازية بل قد صرح مختصون في المجال السياحي أنه أولى بالدولة أن تقاوم المؤسسات السياحية الموازية من أن تمتع النزل بامتيازات هي في الحقيقة تشجيع على التهرب الجبائي… و كان من المتوقع من الحكومة أن تطبق الإعفاء الضريبي أو بالأقل التخفيض الضريبي على الأشخاص الطبيعيين مثلما طبقته على الشركات (تخفيض من 35 إلى 25 بالمائة و تخفيض آخر مرتقب في 2016) و لكنها لم تعر الأمر أهمية كبيرة في هذا القانون.
في الحقيقة لا يتطلب هذا القانون وقوفا طويلا ذلك للعمر القصير الذي كُتب له، كما أنه محاط بقوانين مالية أكبر و أخطر كقانون رسملة البنوك العمومية الذي تمت المصادقة عليه على حين غرة من الجميع و كذلك قانون المصالحة المالية و الذي يدفع معظم السياسيين أصحاب الكتل الأكبر في البرلمان للمصادقة عليه دون تعطيل بل و دون الحديث عن تنقيح أو تعديل..
في تونس تم استبدال أبسط القواعد السياسية و القواعد الاقتصادية الأساسية بالقواعد الأمنية لمكافحة الإرهاب.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: