قانون في الأدراج.. (بقلم الاستاذ محمد ضيف الله)

تجريم التطبيع، موضوع لم نَنْسَهُ، وكيف ننساه، وقد أصرت حكومة القضايا الصغيرة أن تخرجه من اهتماماتها ومشاغلها التكنوقراطية، جريا –كما نتذكر- وراء موسم سياحي مبشر بالخير العميم، تصورت أن باكورته بضع عشرات منهم، والخشية من الآن فصاعدا أن تسابق الزمن أو تسرع الخطو، تلبية لضغوطات أو خضوعا لابتزازات واشتراطات، كي تفتح على أرضنا سفارة لهم، أو حتى مكتبا تجاريا مثلما فعل المخلوع، وكان ذلك بابا جذابا دلف منه طيلة سنوات رجال مال وأعمال وجامعيون ومُغنّون ومدافعون عن حقوق الإنسان… حفروا أسماءهم في سجل الخزي والعار.

وحتى نوصد الباب تماما أمام هذا الطابور، تمنيت حقيقة أن وقع تضمين الدستور الجديد فصلا عن تجريم التطبيع، ولو تم ذلك لكان دستورنا متميزا عن سائر دساتير الدنيا بما في ذلك دساتير بلدان الطوق التي تجعل أو كانت تعتبر القضية الفلسطينية قضيتها المركزية. وحيث لم يقم المجلس التأسيسي بذلك، مع الأسف له أولا، فقد فوّت على بلادنا سبقا جديرا بثورة. ولا مزايدة هنا على أحد، إذ نعرف أن الكثير من المتمسكين بذلك الفصل، إنما مواقف البعض منهم على الأقل مجرد مزايدة لا أكثر، والدليل على ذلك أن لا أحد منهم –على حد علمي- أثار الأمر في جلسات الحوار الوطني، اتحاد الشغل نفسه الذي نعرف التركيبة الإيديولوجية لمكتبه التنفيذي، لم يتمسك بالفصل المذكور ولو فعل لكان له ما أراد، ولا أي من الأحزاب الأخرى الممثلة في الحوار الوطني، ولو فعلت لبلغنا موقفُها أو حتى إضمارُها. وبالتالي فهي جميعا لا تختلف في مواقفها في هذا الخصوص عن بقية مكونات المجلس التأسيسي. انتهى الأمر، وأصبح جزءا من الماضي.
علينا أن ننظر الآن إلى المستقبل.

المجلس مطالب بتجريم التطبيع، حتى من باب الدعاية الانتخابية أو من باب الشعبوية، لا بأس نقبلها منكم أيها النواب، أو إن شئتم من باب التمسك بالمبادئ الكبرى وبقضايا الأمة وبهويتها، أنتم مطالبون بإصدار قانون يجرّم التطبيع مع الكيان الصهيوني، وقد وعدتمونا بذلك، لم ننس بعد. وأعتقد أن هذا من استحقاقات الثورة التي أوصلتكم إلى حيث أنتم الآن، زيادة على أن تجريم التطبيع يتماشى تماما مع مناصرة شعبنا للقضية الفلسطينية ودعمه لها، بالروح بالدم، فضلا عن المال، منذ عشرينات القرن الماضي، نعم ولم يمنعه من ذلك كونه هو نفسه تحت الاحتلال.

وقد دفع ضريبة الدم سواء في عهد الاستعمار أو في عهد الاستقلال، سواء في المشرق العربي أو على أرض تونس. زيادة على ذلك فإن تجريم التطبيع يجسد تماما السيادة الوطنية ويعبر عن استقلالية الإرادة والقرار الوطنيين. ولو لم يتم ذلك فأي معنى للثورة؟ بل وأي مفهوم للوطنية لديكم؟

الأمر واضح تماما مثل وضوح الحقوق العادلة للشعب الفلسطيني، وهو لا يستوجب التأجيل ولا التأخير، ولا عرضه على طاولة الحوار الوطني حيث من المفترض أنه لا يثير خلافا ولا انشقاقا ولا حسابات حزبية. أو هكذا أتصور. أنا وآخرون ننتظركم.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: