قايد السبسي و”تونس المخيفة”( بقلم الدكتور محمد ضيف الله)

لم أصدق أذني وأنا أنصت إلى قايد السبسي وهو يتكلم إلى إذاعة مونتي كارلو عن ناخبي المرزوقي، متطرفون وسلفيون جهاديون (=إرهابيون) وعنيفون. وهؤلاء ليسوا بضع مئات أو حتى بضعة آلاف وإنما هم يزيدون عن المليون تونسي، أي أكثر من ثلث الناخبين. وأي دليل أوضح من ذلك على تدني مستوى الخطاب السياسي، ولما يكون ذلك على لسان مترشح للرئاسة فتلك كارثة بأتم معنى الكلمة، أما أن يكون على لسان من يقدمه أنصاره على أنه صاحب تجربة وحكمة وحنكة سياسية، فتلك كارثة مضاعفة. وإذا كان من هو في مثل سنه وتجربته ينطق بمثل هذا فأي شيء يمكن أن يحول دون صدور خطاب من نفس السوء والرداءة، وماذا ننتظر ممن هم دونه سنا وحكمة وتجربة؟

نفهم جيدا أيضا أن يقوم قايد السبسي بمحاولة التأثير على الرأي العام التونسي، لكن أن يكون ذلك عبر تخويف التونسيين من بعضهم البعض، وعبر تجريم الناخبين ومحاولة الحط من المنافس ومن معنوياته، فذلك يخرج عن السلوك السياسي السوي، زيادة على أنه أسلوب يعرفه التونسيون منذ حدث الاستقلال، حيث كان المعارضون ينعتون بالإرهاب والتطرف مهما اختلفت انتماءاتهم السياسية والإيديولوجية. وبقطع النظر عن ذلك فإن ما حصل بالفعل هو أنه قام بتقسيم التونسيين بين جيدين وسيئين، الجيدون هم من يصوتون له هو، وهم حداثيون وديمقراطيون، أما السيئون فهم إرهابيون وعنيفون، مرشحهم المفضل هو المرزوقي. وحينئذ يبقى السؤال أي مستقبل للعلاقة بين الشقين بعد الانتخابات؟ هل يمكن لسياسي يطمح في أن يحتل كرسي الرئاسة أن يزرع كل هذا القدر من الكراهية بين مواطنيه؟

نفهم جيدا أن قايد السبسي يتوجه إلى الرأي العام الفرنسي وأساسا إلى دوائر النفوذ والقرار في الدولة الحامية سابقا، حتى يحوز على دعمها السياسي والإعلامي والمالي والأمني خاصة، وللتذكير هنا فالمخلوع أيضا كان يعرض خدماته على نفس الجهات، لتبرير القمع والاستبداد اللذين كان يمارسهما، إلا أن ذلك لم يكن ليعصمه من الثورة يوم حانت. وبقطع النظر عن ذلك فإن ما حصل بالفعل هو أن قايد السبسي حرّض -من حيث لم يفكر ربما- ضد جانب هام من مواطنينا بالخارج ممن صوتوا للمرزوقي الذي احتل كما نعرف المرتبة الأولى في كل الدوائر بالخارج بما في ذلك فرنسا. لا بل أكثر من ذلك قايد السبسي يحرّض الفرنسيين في عمومهم ضد “تونس المخيفة” التي يوجد بها ما يزيد عن المليون من المتطرفين والإرهابيين والعنيفين، في خط مواز تماما لما كتبه الثعالبي في فجر القرن الماضي عن “تونس الشهيدة”، والشابي عن “تونس الجميلة”، والبلهوان عن “تونس الثائرة”. وها هو قايد السبسي يصدّر صورة “تونس المخيفة”، “تونس الكريهة”. فأي دعاية مضادة أقوى من هذه ضد تونس؟

 

محمد ضيف الله

26 نوفمبر 2014

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: