قراءة في رواية " تاج العمود " لصاحبها زهير بن حمد: تدوين ليلى العود

” تاج العمود ” رواية لصاحبها الكاتب والشاعر والإعلامي الدكتور زهير بن حمد

وأول ما صدمني في هذه الرواية صورة غلاف الكتاب المتضمنة لامرأة عارية أمام مرآتها تجعلنا نعتقد أن الرواية دعوة إلى ثقافة العري

ولكن ما إن نبحر في أحداثها حتى نكتشف دعوة إلى نوع آخر من العري وهو تعرية أنفسنا أمام المرآة من التجمل والمغالطة والغفلة لتحديد مواقفنا من قضايا هامة أثيرت في الرواية كالدين / الجنس / المرأة / حوار الثقافات / العلوم المعاصرة و الهوية في  زمن طمست فيه الهويات وتخبطت القيم وانحرفت السلوكيات

وبأسلوب مشوق أخذنا الروائي في رحلة أحداث طريفة وبعيدة عن ذلك الخط المستقيم في ترتيب الأحداث …فما إن يطاف  بنا في الحاضر حتى نجد أنفسنا في الماضي أو العكس :

( لعل الأمس يبدأ غدا وغدا يبدأ منذ أمد بعيد / ص/ 30 / تاج العمود)

وذلك إيمانا بالتعددية الثقافية والحضارية المتداخلة والمتكاملة عبر العصور رغم تناقضها

وقد حاور الروائي فكر المتلقي ليحرك فيه الرأي والموقف من كل القضايا المثارة في الرواية  ويتجلى ذلك في قوله:

( بلاغ أعرضه عليكم للمشورة )

(وإني متطلع إلى رسائلكم)

( حتى وإن سلمتم  لي بذلك ومسكتم برأس الخيط)… وغير ذلك من المعاني المحركة لفكر المتلقي الذي يشعر عند انتهاء القراءة أنه مسك حجر أساس لعملية بناء دعتنا إليها الرواية

(أوقعهم البلد في الحب والبناء فأقاموا  الأعمدة وزينوا التيجان / ص/ 144)

وفي مقدمة هذا البناء بناء الإنسان …بناء يثبت به هويته وأهدافه التي لن يصل إليها إلا بالعلم والعمل المشترك مع الآخرين الذين توسعت دائرتهم في الرواية لتشمل ثقافات وحضارات وديانات مختلفة لم تعرف العلاقة بين أتباعها التوازن الطبيعي والمنشود لأنها كانت كما في حاضرنا إما  علاقة لدرجة الذوبان ترجمته اللقطة التي جمعت بطلي الرواية ” تاج العمود ” بالرومية ” ماري آن” تحت شجرة الميموزا  وإما علاقة صراع استحال معه الحوار الذي قضى على كل أمل في نجاحه أحد أبطال الرواية ” تار برولاي”  قائلا : ( سيداتي سادتي لنضرم النار  معا في الخطابات الزائفة ولنبل جميعا على كذبة كبرى اسمها ثقافة الحوار أو حوار الثقافات أو شيئ كهذا / ص/ 76)

هذه حسب قراءتي خلاصة ما تضمنته رواية ” تاج العمود ” التي دعت إلى تعرية واقعنا بما فيه من سقوط وضياع  ودعوة إلى النهوض والبناء….غير أني بالرجوع إلى صورة الغلاف المتمثلة في وقوف امرأة عارية أمام المرآة تجدني أسأل سؤالا وهو هل أن المرأة هي المسؤولة عن هذا السقوط حتى تدعى للوقوف وحدها أمام المرآة لنتصالح مع ذواتنا وننهض من جديد؟

وللإجابة أقول وإن كانت المسؤولية مشتركة بين الرجل والمرأة سواء في السقوط أو في النهوض فإني أرى أن  مسؤولية المرأة أكبر لأنها سقطت منذ ثلاثة عقود تقريبا  في فخ عبودية الجسد الذي إذا نظرت إلى أعلاه لا تنظر إلى ما أبعد من أنفها وإذا نظرت إلى أسفله لا تنظر إلى ما أبعد من أصابع قدميها …وهذا ما قبلته في عالم الحرية وغيبت عن  كل ما يدور حولها من قضايا مصيرية…..لذلك آن الأوان  خاصة بعد الربيع العربي أن تنظر  المرأة التي كان الرهان عليها لإسقاط الأمة أن تنظر إلى ما أبعد من أرنبة أنفها وأصابع قدميها لتحدد موقفها من قضايا أمتنا حتى يكون لها دور في إيقاظ ذاكرة الرجل الواقعة بدورها في عبودية الجسد والمخدرة بكل أنواع القهر والتسلط

وكما  بقول الكاتب المصري ” جمال الغيطاني : ( لا تتوهج نصاعة الذاكرة إلا من خلال أنثى )

قراءة ليلى العود

————————————————————————————————-

تعريف الدكتور زهير بن حمد صاحب الرواية

ولد بصفاقس سنة 1958

تخرج من معهد الصحافة وعلوم الأخبار الأخبار سنة 1981

أحرز على دكتوراه المرحلة الثالثة في علوم الأخبار سنة 1983 من جامعة باريس 2 الفرنسية

صدرت له:

ألف لام ميم كاف ( مجموعة قصصية)

ليلى والكلمات ( مجموعة شعرية)

رواية تاج العمود صدرت عن دار الجنوب للنشر في سلسلة ” عيون المعاصرة ”

و مدن تجري من تحتها الأفكار وصدرت عن دار محمد علي

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: