قصص وعبر : الثلاثة الذين خلفوا

الثلاثة الذين خلفوا

قصة الثلاثة الذين خلفوا من أروع القصص و أكثرها تأثيرا في النفس مع أن السيرة النبوية الشريفة مليئة بالقصص المؤثرة التي تحرك الوجدان. هذه القصة قد أشار إليها القرآن الكريم في سورة التوبة في الآيات 118 – 119. و قد روى لنا تفاصيل القصة الصحابي كعب بن مالك رضى الله عنه و هو أحد هؤلاء الثلاثة , و القصة مذكورة في كتب السيرة و قد ذكر جانب منها في تفسير ابن كثير.
 
القصة بدأت عندما أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم المسلمين بالاستعداد للمشاركة في غزوة تبوك, و قد أوجب عليهم المشاركة في هذه الغزوة إلا أهل الأعذار كالمرضى و الضعفاء و الفقراء الذين لم يستطع المسلمون تجهيزهم للمعركة. و كعادتهم سارع الصحابة بالاستعداد تلبية لأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم.
 
كان الوقت المقرر لغزوة تبوك غير مناسب لكثير من الصحابة, فقد كان الحر شديدا و لم يكن أهل المدينة يقدمون على أسفار طويلة و شاقة في مثل هذه الأجواء. المسافة من المدينة المنورة إلى تبوك تفوق الخمسمائة كيلومتر, فهي رحلة أيام طويلة على الأقدام و البعير. و زيادة على هذا كله, فقد كان هذا هو موسم حصاد الثمار بالنسبة لكثير من الصحابة الذين كانوا يمتلكون البساتين, فكان السفر في هذا الوقت بالتحديد يترتب عليه خسائر مادية فادحة.
 
و لكن مع كل هذه الصعوبات لم يتردد الصحابة في تلبية أمر النبي صلى الله عليه و سلم. أعد الصحابة أمتعتهم و تجهزوا للسفر مع رسول الله صلى الله عليه و سلم دون شكوى. و قد ذكر القرآن الكريم قوة إيمان هؤلاء الصحابة عندما وصف لنا حال الفقراء الذين لم يستطع المسلمون تجهيزهم للغزوة فقال سبحانه و تعالى: “ليس على الضعفاء و لا على المرضى و لا على الذين لا يجدون ما ينفقوا حرج إذا نصحوا لله و رسوله ما على المحسنين سبيل و الله غفور رحيم و لا على الذين إذا أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولو و أعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون (التوبة 91 – 92).
 
أما المنافقون فكرهوا الخروج خوفا على أموالهم و أنفسهم و فضلوا البقاء في بيوتهم لتجنب الحر و المشقة, و رأوا أنه من غير المعقول الذهاب في غزوة شاقة و صعبة في مثل هذا الوقت, فأضلتهم عقولهم و اتبعوا أهواءهم فذهبوا إلى النبي يخترعون الأسباب و الأعذار و يكذبون على رسول الله صلى الله عليه و سلم. حتى أنهم قالوا للناس لا تنفروا في الحر, فأجابهم الله تعالى في القرآن الكريم: “قالوا لا تنفروا في الحر, قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون فليضحكوا قليلا و ليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون” (التوبة 81 – 82).
 
و لا بد لنا من الوقوف هنا و النظر قليلا في عقلية المنافقين و طريقة تفكيرهم. فكثير منا اليوم عندما يقال لنا أن نطيع الله و الرسول صلى الله عليه و سلم في أمر ما نتفنن في اختراع الأعذار و الأسباب لنبرر لأنفسنا و للناس عدم امتثالنا لأوامر الله سبحانه و تعالى و رسوله صلى الله عليه و سلم. حتى أن بعض الأعذار التي نسمعها اليوم مطابقة لما قاله المنافقون في غزوة تبوك. فبعض أخواتنا العزيزات اللواتي لا يلتزمن بالحجاب عندما يسألن عن ذلك تكون الإجابة أحيانا أن الحر شديد في الصيف فالالتزام بالحجاب صعب و شاق! و أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها! و بعض الإخوة الأعزاء عندما تسألهم عن عدم التزامهم بصلاة الجمعة يبرر ذلك بالعمل و بالخوف من المدير أو المشرف! و لا يكاد أحد منا في هذه الأيام لا يقع في مثل هذه المواقف من تبرير أفعالنا بأي طريقة تهربا من الالتزام بالأوامر الشرعية التي تشق علينا. و في هذا خطر كبير على إيماننا لأن هذا من اتباع الهوى, فهدانا الله و وفقنا إلى الالتزام بالشرع حتى و لو لم يوافق أهواءنا و حتى لو لم تفهم الحكمة من وراء أحكامه عقولنا.
 
و لا بد لنا أن نتساءل كم من الآيات كانت لتنزل فينا و في أعذارنا هذه إذا كان القرآن لا يزال ينزل؟ فعلينا الحذر من هذا و مجاهدة أنفسنا على الالتزام بالأوامر الشرعية و لو كانت شاقة علينا و تسبب لنا التعب و الخسائر المادية. هذه كلها فتن و اختبارات نتعرض إليها و سوف نسأل عنها يوم القيامة.
 
و فعلا كانت غزوة تبوك اختبار لإيمان الصحابة و نجح في هذا الاختبار كل من امتثل أمر النبي, فعندما وصل المسلمون إلى تبوك, تبين لهم أن جش العدو الذي كانوا يتوقعون لقاءه قد انسحب عندما علم بقدوم المسلمين. فلم يحصل قتال و كانت المعركة في غزوة تبوك هي معركة ضد الأهواء و ضد وساوس الشيطان. و لكن الرحلة كانت شاقة و أصاب المسلمون فيها من الجوع و شدة الحر ما شق عليهم. و لكنهم نجحوا في الاختبار و أثبتوا إيمانهم و حبهم لله و رسوله صلى الله عليه و سلم. و أما المنافقين فقد خسروا خسرانا مبينا بين الفضيحة في الدنيا و العقاب في الآخرة.
 
عندما عاد المسلمون إلى المدينة توجه رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المسجد كما كانت عادته بعد العودة من السفر لصلاة ركعتين, فجاءه المنافقون الذين تخلفوا عن الغزوة يعتذرون إليه و يقدمون الأعذار المكذوبة حتى يعفو عنهم رسول الله صلى الله عليه و سلم. و كان عليه الصلاة و السلام يقبل منهم الأعذار و يستغفر لهم, و لكن الله سبحانه و تعالى فضحهم و كشف كذبهم في القرآن الكريم في سورة التوبة الآيات 90 – 96.
 
أما هؤلاء الثلاثة الذين خلفوا فلم يكونوا كالمنافقين, بل كانوا مؤمنين صادقين و لكنهم وقعوا في المعصية. و كان من هؤلاء الثلاثة كعب بن مالك رضي الله عنه و قد حكى لنا قصته و قد وردت في الصحيحين. فكان مما قاله كعب ابن مالك: “كان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة”. و قال أيضا: “وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقضى شيئا فأقول في نفسي أنا قادر عليه فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد فأصبح رسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا فقلت أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحقهم فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض شيئا ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئا فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو وهممت أن أرتحل فأدركهم وليتني فعلت فلم يقدر لي ذلك فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصاً عليه النفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ( ما فعل كعب )؟ . فقال رجل من بني سلمة يا رسول الله حبسه برداه ونظره في عطفيه . فقال معاذ بن جبل بئس ما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه الإ خيراً . فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم .”
 
و من هذا نرى أن كعب بن مالك كان يريد الخروج مع المسلمين و قد نوى ذلك و لكنه ظل يأخر الخروج فوقع في معصية رسول الله صلى الله عليه و سلم. و لذلك فعلينا أن نسارع إلى الامتثال بالشرع و لا نتأخر في ذلك حتى لا تسول لنا أنفسنا أو أهواءنا فنضل عن الصراط المستقيم. هذا و مع أن المشقة كانت نفسها على جميع الصحابة و لم يكن أحد منهم يحب الخروج في شدة الحر و في هذا الوقت و لكنهم جاهدوا أنفسهم على طاعة رسول الله صلى الله عليه و سلم و عدم التردد في ذلك, فلنا فيهم أسوة حسنة.
 
ثم يكمل كعب بن مالك القصة و يحكى عما كان منه عندما علم بعودة المسلمين من تبوك: “فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي وطفقت أتذكر الكذب وأقول بماذا أخرج من سخطه غدا واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما زاح عني الباطل وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب فأجمعت صدقه وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين ثم جلس للناس قلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله فجئته فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه فقال لي ( ما خلفك ألم تكن قد ابتعت ظهرك )؟. فقلت بلى إني والله – يا رسول الله – لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر ولقد أعطيت جدلاً ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عفو الله لا والله ما كان لي من عذر والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك ).”
 
و لا بد لنا من الوقوف هنا لنتأمل صدق هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه, فمع أنه رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم يستغفر للمنافقين و المخلفين الذين قدموا الأعذار, إلا أنه لم يستطع أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه و سلم و علم أنه حتى لو صدقه رسول الله فإن الله سبحانه و تعالى يعلم ما في صدره. فعلم أنه لن يستطيع أن يصحح ذنبه الأول بارتكاب ذنب آخر و علم أنه لا بد له من تحمل مسؤولية ذنبه و الاعتراف بخطأه و علم أنه لا ملجأ من الله إلا إليه!
 
و قد حكى أيضا كعب بن مالك عما حصل بعد هذا الموقف فقال: “فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المتخلفون قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي ثم قلت لهم هل لقي هذا معي أحد ؟ قالوا نعم رجلان قالا مثل ما قلت فقيل لهما مثل ما قيل لك فقلت من هما ؟ قالوا مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما لي” فحتى بعد إلحاح الناس عليه رفض كعب بن مالك أن يكذب و علم أن الكذب لا ينبغي أن يكون من المسلم.
 
ثم حكى عن مقاطعة الناس له فقال: “ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه فأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام فقلت يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت فعدت له فنشدته فسكت فعدت له فنشدته فقال الله ورسوله أعلم ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار.”
 
فتخيل أخي المسلم هذا الموقف و هذه الشدة. لا أحد يرد السلام و لا حتى ينظرون في وجهه, و مع هذا لم يغير هذا ما في قلبه من حب لله و رسوله و للإسلام و المسلمين. فيا ليتنا نتبع أخلاق هذا الرجل. فكم من المسلمين اليوم إذا لقي ما يكره من أخيه المسلم, فبدلا من أن يعفو و يصفح, تجده يفجر في المخاصمة. و هذا من علامات المنافق أنه إذا خاصم فجر. فلا بد بنا من العمل على المحافظة في علاقاتنا الأخوية و على عقيدة الولاء و البراء حتى مع من قد يظلمنا أو قد نرى منه ما لا نحب. و إن كعب بن مالك ضرب لنا مثلا في الولاء و البراء لا بد لنا من الاقتداء به, فقد حكى لنا عن محاولات أعداء الإسلام بتجنيده ضد المسلمين.
 
يقول كعب بن مالك: “فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط أهل الشأم ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدل على كعب بن مالك فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان فإذا فيه أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك . فقلت لما قرأتها وهذا أيضا من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته بها”
 
فانظر إلى قوة الإيمان و الصلابة و عدم الميل إلى المصالح الشخصية الدنيوية. و من المحزن جدا و المخجل أننا نرى بعض الجماعات الإسلامية تختلف مع بعضها البعض, فترى منهم من يستعين بالأجنبي الكافر على أخوه المسلم, مما يناقض عقيدة الولاء و البراء و يناقض حتى العقل السليم. فلا يمكن لإنسان سوي أن يتخيل أن الأجنبي سيأتي لمساعدة فريق من المسلمين ضد فريق آخر دون أي أهداف و مصالح ذاتية يريد أن يحققها على حساب المسلمين. و قد تكرر حدوث هذا مرارا مع المسلمين حتى أصبح الطفل الصغير يفهم اللعبة, و لكن للأسف لا تزال المصالح الدنيوية و الأموال و العصبية المذهبية و القبلية تدفع بعض المسلمين إلى الوقوع في مثل هذا, و الله المستعان.
 
ثم يحكي كعب بن مالك اشتداد المقاطعة بأمر النبي صلى الله عليه و سلم الثلاثة أن يعتزلوا نساءهم: “حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك فقلت أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال لا بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك فقلت لامرأتي الحقي بأهلك فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. قال كعب فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه ؟ قال ( لا ولكن لا يقربك ) . قالت إنه والله ما به حركة إلى شيء والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا . فقال لي بعض أهلي لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقلت والله لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدريني ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا”.
 
ثم تاب الله على كعب و على صاحبيه, فيقول كعب بن مالك: “فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع بأعلى صوته يا كعب بن مالك أبشر قال فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء فرج وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا وذهب قبل صاحبي مبشرون وركض إلي رجل فرسا وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل وكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه والله ما أملك غيرهما يومئذ واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتلقاني الناس فوجا فوجا يهونني بالتوبة يقولون لتهنك توبة الله عليك قال كعب حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس فقام إلى طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة قال كعب فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبرق وجهه من السرور ( أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال قلت أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله ؟ قال ( لا بل من عند الله ) . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر وكنا نعرف ذلك منه فلما جلست بين يديه قلت يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قلت فإني أمسك سهمي الذي بخيبر.”
 
و هنا درس هام جدا لا بد لنا أن نتعلمه. فقد كانت المعصية التي ارتكبها هؤلاء الثلاثة معصية مباشرة لرسول الله صلى الله عليه و سلم و متعلقة بالتخلف عن المعركة, فلا بد أنها معصية كبيرة, و لكن انظر إلى كيف استقبل المسلمون نبأ توبة الله سبحانه و تعالى عليهم! تسابق المسلمون لتبشيرهم بالخبر و لتهنئتهم و مصافحتهم. انظر إلى المحبة و الأخوة و خلو الصدور من الغل و الضغينة! سبحان الله الذي ألف بين قلوبهم, اللهم ألف بين قلوب المسلمين اليوم كما ألفت بين قلوب الصحابة! فهذه أخلاق الصحابة التي لا بد لنا أن نتأسى بها. فلا نتذكر دائما أخطاء الناس, و لا نقول دائما للمذنب هذا الذي فعل كذا و كذا, بل لا بد لنا من أن نفرح فرحا شديدا بكل تائب إلى الله مهما كانت ذنوبه من قبل!
 
و من أجمل ما يقول كعب بن مالك من قصته هو الدرس الذي تعلمه من هذا البلاء و هذه المحنة التي مر بها. فيقول: “فقلت يا رسول الله إن الله إنما نجاني بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا كذبا وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم { لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار – إلى قوله – وكونوا مع الصادقين } . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا فإن الله قال للذين كذبوا – حين أنزل الوحي – شر ما قال لأحد فقال تبارك وتعالى { سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم – إلى قوله – فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين }. قال كعب وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه فبذلك قال الله { وعلى الثلاثة الذين خلفوا } . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو إنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه.”
 
فسبحان الله, كان أهم ما استفاده كعب بن مالك من هذا الموقف هو أهمية الصدق بل و أن الصدق كان أعظم نعمة أنعمها الله عليه بعد نعمة الإسلام! اللهم اجعلنا ممن يفهمون الإسلام و يطبقونه في حياتهم كما فعل الصحابة رضوان الله عليهم, اللهم و أنعم علينا بالصدق كما أنعمت به على هؤلاء الثلاثة, رضي الله عنهم.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: