قصص وعبر : هل جزاء الإحسان إلا الإحسان

هل جزاء الإحسان إلا الإحسان

جاء في كتاب (ذيل طبقات الحنابلة) في ترجمة القاضي أبي بكر محمد بن عبد الباقي البزار يروي لنا حكاية عن نفسه قال: كنت مجاورا بمكة المكرمة – حرسها الله تعالى – فأصابني يوما من الأيام جوع شديد، ولم أجد شيئاً في داري ادفع به عني الجوع، فخرجت التمس الطعام، فسمعت الآذان يؤذن للصلاة، وبينما كنت متوجهاً للحرم الشريف إذ بي أرى في الطريق كيسا حريريا مشدوداً بخيط من ذهب، فأخذته وجئت به إلى بيتي فحللته فوجدت فيه عقداً من لؤلؤ لم أرى مثل جماله أبداً، وأخذت أقول في نفسي يا ليت هذا العقد لي.
فخرجت فإذا بشيخ ينادي عليه ومعه خرقة فيها خمسمائة دينار، وهو يقول: “أيها الناس، هذا لمن يرد لنا الكيس الذي فيه اللؤلؤ، هذا لمن لديه شهامة وأمانة” فقلت في نفسي: أنا محتاج، وأنا جائع، فلم لا آخذ هذا الذهب فانتفع به، فوالله لا أظن أحدا في مكة كلها مثلي معوز وجائع.
فناديته: تعال معي تعال، فأخذته وجئت به إلى بيتي، فأعطاني لون الكيس وعلامة اللؤلؤ وعدده والخيط الذهبي، فأخرجته ودفعته إليه، فسلم إلى الخمسمائة دينار فرفضت أن آخذها وقلت له: يجب على أن أعيده لك ولا آخذ له جزاء ولا شكورا، فقال: لابد أن تأخذ وألح علي، فلم أقبل ذلك منه، فتركني ومضى، وأما ما كان مني فإنني شددت رحلي وخرجت من مكة وركبت البحر، فلما استويت على ظهر السفينة أخذت أفكر في حالي وفقري ومن أين لي أن آتي بالمال، فرفعت يدي ودعوت ربي {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: ٢٤].

وبينما كنت متكئا على السارية أحسست بالسفينة تعلو وتهبط ليس كعادتها، ثم إن البحر بدأ يثور وأخذت أمواجه تتلاطم بالسفينة من كل مكان، ودب الرعب والذعر وزاد صراخ الناس، فأخذت أنظر فإذا بموجة كالطود العظيم جاءت فضربت السفينة فانكسرت، وغرق الناس وهلكت أموالهم، وسلمت أنا على قطعة خشبية من المركب، فبقيت مدة بالبحر حتى لاحت لي يابسة.
فأخذت أسبح بما بقي لي من قوة حتى ألقيت بنفسي على شاطئ جزيرة فجاءوني صبيانها وحملوني إلى أهلهم فأطعموني وسقوني، ثم إني خرجت بعد ثلاثة أيام فقعدت في بعض المساجد، فسمعوني أترنم بالقرآن وأقرأ، فلم يبق في تلك الجزيرة أحد إلا جاء إلي وقال: “علمني القرآن”، فحصل لي من أولئك شيء كثير من المال، ثم إني رأيت في ذلك المسجد أوراقا من مصحف فأخذت أقرا فيها فقالوا: أتحسن الكتابة والخط؟ فقلت: نعم، فقالوا علمنا الخط، فجاءوا بأولادهم من الصبيان والشباب فكنت أعلمهم فحصل لي أيضا في ذلك شيء من المال الكثير، فقالوا لي بعد ذلك، عندنا صبية يتيمة, ولها شيء من متاع الدنيا والأموال، نريد أن تتزوج بها، فامتنعت فقالوا: لابد، والزموني، فأجبتهم إلى ذلك.
فلما زفوها إلى مددت عيني أنظر إليها، فوجدت ذلك العقد بعينه معلقاً على عنقها فما كان لي حينئذ شغل إلا النظر إليه والتفكر في أمره، فقالوا: يا شيخ كسرت قلب هذه اليتيمة من نظرك إلى هذا العقد ولم تنظر إليها، فقصصت عليهم قصة العقد.
فصاحوا وصرخوا بالتهليل والتكبير حتى بلغ إلى جميع أهل الجزيرة فقلت: ما الخبر أيها الناس؟ ماذا بكم؟ فقالوا: ذلك الشيخ الذي أخذ منك العقد هو والد هذه الصبية اليتيمة، وكان يقول قبل موته: ما وجدت في الدنيا مسلماً كهذا الذي رد إلى هذا العقد، وكان يدعو ويقول: “اللهم اجمع بيني وبينه حتى أزوجه بابنتي”، والآن قد حصلت وتحققت دعوته فلله الأمر جميعاً، وهو الذي يصرف الأمور كيف يشاء!
فبقيت معها مدة ورزقت منها بولدين جميلين، ثم إنها مرضت مرض الموت فماتت – رحمها الله – فورثت العقد عنها، ذلك العقد الذي أبيت أن آخذ ثمناً له لأمانتي عندما وجدته، فجعله الله من نصيبي ومعه غلامين جميلين من صاحبته.

إن الإحسان دليل على النبل، واعتراف بالفضل، وعرفان بالجميل، وقيام بالواجب، واحترام للمنعم، ينبئ عن الصفاء، وينطق بالوفاء، ويترجم عن السخاء؛ بالإحسان يشُترى الحب، ويُخطب الودّ، ويكسب النفوس، ويُهيمن على القلوب، وتستعبد الأفئدة .. الإحسان عطاء بلا حدود، وبذل بلا تردد، وإنعام دونما منّ، وإكرام لا يلحقه أذى.
وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، فالجزاء دوما من جنس العمل، والحصاد من جنس البذرة، فاعمل ما شئت فكما تدين تدان!! بل الجزاء دوما أفضل، لأنك إذا أعنت أخاك كان الله في عونك، وإذا كان الله في عونك كان الجزاء أكبر من العمل، بل إن البون شاسع، والفرق كبير بين إحسان وإحسان، فماذا تساوي قطرة من إحسان منك، مع بحور الفضل وأنهار الإحسان وقنوات العطاء منه جل وعلا، بل إحسانك ما هو إلا من إحسانه إليك ولطفه بك أن هداك لذاك، فهو المحسن دوما الغفور الودود.
وشرع الله وقدره ووحيه وثوابه وعقابه كله قائم بهذا الأصل «الجزاء من جنس العمل» وهو إلحاق النظير بالنظير واعتبار المثل بالمثل. قال بعض أهل العلم –رحمهم الله –: إن نصوص الشرع قد دلت في أكثر من مائة موضع على أن الجزاء من جنس العمل في الخير والشر.
حصادك يوما ما زرعت وإنما يدان الفتى يوما كما هو دائن

إن اليقين بهذه القاعدة يمنح وقودا إيمانيا عجيبا لمن سلك سبيل الله تعالى، فإذا ما واجه عقبات أو منغصات أو اضطهاد أو ظلم أو استضعاف، يحثه هذا اليقين على الصبر والثبات، وثوقا بموعود الله الذي يمهل ولا يهمل، ويملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.
وكل أصول وفروع المعاشرة وآدابها، وكل قوانين التعامل ترجع إلى الإحسان، فهو يشمل محيط الحياة كلها في علاقة العبد بربه، وعلاقته بأسرته، وعلاقته بمجتمعه، وعلاقته بالبشرية جميعاً، بل وعلاقته بسائر المخلوقات.

والمحسن محبوب من المخلوقين، ومحبوب من الخالق، ولذلك كانت منزلة المحسنين عند الله تعالى عظيمة، ومرتبتهم كبيرة، ودرجاتهم عالية، قال تعالى: {هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [الرحمن: ٦٠].
كان بعض السلف يدور على المجالس ويقول: (من أحبّ أن تدوم له العافية فليتق الله).
وقال العمري الزاهد: (كما تحب أن يكون الله لك، فهكذا كن لله عز وجل).
وعن الفضيل بن عياض رحمه الله قال: قال داود عليه السلام: إلهي كُن لابني سليمان من بعدي كم كنت لي. فأوحى الله تعالى إليه: يا داود، قل لابنك سيلمان يكون لي مثلما كنت لي [أي في الطاعة والعبادة]، أكُن له كما كنت لك [أي في الحفظ والرعاية والعناية].

 د . خالد سعد النجار

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: