قضية البريدي: هل أشعلت توزر”أزمة القضاء”؟!!…( بقلم رئيس المرصد التونسي لاستقلال القضاء أحمد الرحموني)

قضية البريدي: هل أشعلت توزر”أزمة القضاء”؟!!…( بقلم رئيس المرصد التونسي لاستقلال القضاء أحمد الرحموني)

[ads2]

قضية البريدي التي اشعلت البلاد من توزر هل هي حقا في مستوى تداعياتها؟ وهل يمكن تصويرها على انها “معركة كسر عظام بين قطاعات” كما يعتقد البعض؟
اعرف ان الناس تريد في مثل هذه القضايا (اي قضايا الرأي العام )رأيا حاسما يجب ان يقف بالضرورة الى جانب هذا او ذاك ولا ترى مجالا لقول ثالث يقلب الموضوع في اوجهه المتعددة.
لكن دعونا نتفق على شيء وهوان القضاء (محل الجدال الاكثر بروزا )لا يمكن ان يكون بأي وجه قطاعا (بينما هو سلطة) يدافع عن مصالح فئوية او ذات طبيعة قطاعية رغم تسليمنا بان القضاء – الذي ليس جهة واحدة ومتجانسة – يمكن ان يخطئ بل يمكن ان ينتهي به الأمر في مثل قضية البريدي او غيرها – الى سوء التقدير او حتى تجاوز سلطته القانونية.
ولذلك من الواضح ان الحديث عن كسر العظام يفترض ان يكون “الخصوم “على نفس المستوى سواء من جهة الطبيعة او الوظيفة وهو امر لا نراه متوفرا في مواجهات مفترضة بين “السلطة القضائية “- ممثلة في المحاكم او الهياكل القضائية – من جهة وبين قطاعات مهنية أو نقابات ممثلة لها من جهة اخرى.
وإذا رجعنا الى القضية نفسها يبدو من الصعب ان نستقر على وقائع نهائية او ان نأخذ بإحدى الروايات المتعارضة طالما لم يصدر حكم في الاصل من الجهة القضائية المتعهدة بالموضوع.
وعلى كل حال فان الوقوف على الوقائع الحقيقية قد يستدعي طبقا – للإجراءات القضائية – الطعن استئنافيا او حتى تعقيبيا في تلك الوقائع بل قد رأينا ان مسار القضية قد ادى الى سحبها من محكمة توزر واستجلابها لمحكمة اخرى بقرار من محكمة التعقيب وذلك لوجود شبهة جائزة (هل كان ذلك لنزع الفتيل – لتطبيق القانون – لأغراض أخرى ؟).
لكن قد يرى البعض في هذا انزياحا عن لب الموضوع (او حتى هروبا منه) وهو مدى ملاءمة القرار الصادر عن المحكمة (الايقاف) للأفعال المنسوبة للمتهم وهي في الاصل افعال ينفيها العون البريدي (رئيس مركز توزيع البريد).
هنا يمكن القول ان الافعال – التي لا تستوجب كعقوبة بالسجن اكثر من 15 يوما (الفصل 315 من المجلة الجزائية ) وهي حسب الاحالة عدم الامتثال للقوانين والقرارات الصادرة ممن له النظر- كان من المفروض – وان لم يكن من الضروري – ان تتم معالجتها بأساليب التعامل العادية كان يعرض الامر على سلطة الاشراف الجهوية او المركزية (وهي حسب الوقائع مؤسسة البريد التونسي) وفي اقصى الحالات ان تتخذ الاجراءات التأديبية المناسبة قبل الالتجاء الى أي اجراء قضائي .ولذلك يصح ان نستنتج انه كان من المتاح الحد من تطورات الواقعة وتداعياتها دون الاخلال بموقع القضاء ونفوذه.
ورغما عن ذلك لا يجب ان نغفل ان القضاء – وليست قضية البريدي استثناء – قد اصبح خاضعا لشتى التأثيرات والتدخلات والضغوطات المباشرة (سلطات- قطاعات مهنية – نقابات – اعلام – احزاب الخ…)التي تستهدف دفع الهيئات القضائية الى اصدار الاحكام طبقا للمناسبة أي على حسب الطلبات والمصالح وتحت تأثير القوى الاجتماعية والسياسية و الاقتصادية.
فليس جديدا على المشهد العمومي (و القضائي) منذ الثورة ان تطوق المحاكم بالتجمعات والوقفات الاحتجاجية والاجتماعات الحزبية وان يشارك في ذلك المتقاضون والفضوليون و الجمعيات والنقابات و الاحزاب …الخ.
وليس جديدا ان يتكتل المهنيون و النقابيون والأمنيون وحتى المحامون وأعوان الصحة وأعوان البريد وأصناف اخرى …الخ من اجل قضايا بعينها او لإطلاق سراح احد منسوبيهم …الخ.
وليس جديدا ان تلوح النقابات (امنية كانت او مدنية) والاتحاد العام التونسي للشغل(او احدى نقاباته القطاعية) و الجمعيات و المجموعات…الخ باتخاذ اجراءات قد تضر عموم الناس من اجل قضية فردية.
وليس جديدا كذلك ان نجد الوزراء (ووزير العدل بالذات)وهم يحاولون ان يلعبوا ادوارا سياسية في ملفات قضائية ويقدمون التعهدات ويبرمون التسويات فيما يخرج عن سلطتهم واختصاصاتهم.
فهل كان السيد عمر منصور في قضية البريدي اكثر تأثيرا على القضاة؟
ربما،وفي كل حال يبدو الامر سابقا لأوانه.
لكن يبقى مع ذلك التأكيد ان هذه القضية – التي لم تنته فصولها – هي من جملة “المآزِق” التي تذكرنا بسوابق عديدة وان الازمة لا محالة ستجد طريقها الى الحل. لكن علينا ان ندرك ان من وراء ازمة رئيس مركز توزيع البريد بتوزر تقبع ازمة بحجم البلاد هي “ازمة القضاء”.
باردو في 22 جوان 2016

[ads2]

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: