قواعد في التّحليل السياسي

هذا الموضوع يحتوي قواعد ومهارات جديدة بعضها معروف وبعضها فريد وناتج عن تراكم خبرات وأبحاث جاد,فإذا كنت ممن يعاني من صعوبة فهم الواقع وتعاني من الصداع من كثرة اختلاف الآراء والتحليلات وتريد حلا جذريا فقد أتيت إلى المكان الصحيح إن شاء الله.

أولا: الشعوب لا تعي الواقع بطبيعة حالها الفطرية ولا تسعى لمحاولة فهم الواقع، فكل فرد في المجتمع لديه همومه وحاجياته، وهو متخصص بمهنته ويعتبر عاميا بالنسبة لأي مهنة أخرى لا يتقنها، ولذا يجب ألا نعتد كثيرا من الناحية العلمية بما تميل إليه الجماهير، وخاصة أنها عاطفية جدا، كما يجب أن نعلم ونوقن ونفهم جيدا انه يستحيل ومن سابع المستحيلات أن تخرج أي مظاهرة في أي مكان في العالم هكذا بشكل عفوي، يعني أن يخرج الناس في وقت واحد وإلى مكان معين هكذا من دون وجود هيئات وأفراد ينسقون ويرتبون التظاهرات، وهذا الحال ينطبق على كافة الظروف ومهما كان الناس يعيشون في حالة من الضغوط، وهكذا نفهم تلقائيا عند خروج أي تظاهرة أن وراءها مدبرين، وفي حالة كون الشعب في حالة من الضغط فإن ذلك يسهل كثيرا إخراج الناس للتظاهرات، لكنه لا يخرجهم من تلقاء أنفسهم.

وهذه القاعدة من المهم أن نعرفها لكي نضع في أذهاننا البحث دائما عن مصدر وأسباب أي تظاهرة سواء في حالة كانت الضغوط حقيقة كانت أم مصطنعة إعلاميا، وأيضا للبحث عن الجهات المدبرة والمنسقة للتظاهرة.

ثانيا: الإنسان المتواجد ضمن كومة من الجماهير يصبح ضعيف القدرات العقلية أمام أي خطاب او مشهد يتلقاه،ويصعب على الأغلبية الساحقة تمييز الصواب والخطأ في هذه الحالة، بسبب غلبة غريزة وعاطفة (القطيع) المتأججة في نفس الإنسان في هذه الحالة، بينما لو كان لوحده فيكون في حالته الذهنية الطبيعية، ولذلك يقول الله تعالى للمشركين: ” قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَىثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ” (46 سبأ)، لاحظوا “مثنى وفرادى”، لأن استمرار استماعهم للآراء حول نبوة الرسول (صلى الله عليه وسلم) بشكل جماعي سوف يمنعهم من معرفة الحقيقة، وتكمن أهمية معرفة هذه القاعدة في توقع كثير من الأكاذيب والكلام العاطفي الأجوف في الخطابات الجماهيرية خاصة عند الحكام والرؤساء وقادة الأحزاب الذين يكثرون منها، لأنهم يدركون تماما أن الجماهير في هذه الحالة العاطفية لا تكاد تميز الصواب من الخطأ.

ثالثا: وسائل الإعلام يسيطر على أغلبيتها اليهود كما أن لهم تأثيرا على ما لا يسيطرون عليه، وإن قوة وسائل الإعلام قادرة على أن تؤثر فينا ونحن لا نعي ذلك بل حتى تجعل أفكار كثير من المفكرين والمحللين والكتاب وحتى بعض علماء الشرع وأساتذة الجامعات تتأثر كثيرا بها وتجعلهم يبنون تحليلاتهم وآراؤهم عليها ولو بطريقة صحيح إلا أن الأساس المبني عليه خاطيء، وأهم سبب لقوة لهذا التأثير هو التكرار والزمن، فالتكرار له تأثير سحري قد يجعل من يتعرض له يغير قناعاته وهو لا يشعر حتى لو كان من كبار المفكرين والأساتذة، لكن هذا لا يعني أن وسائل الإعلام خالية من الحقائق، فبعض الناس لديه فكرة ساذجة بأن كل شيء يقال في وسائل الإعلام هو خطأ، ومع ذلك فهو واقع أيضا في تأثيرها لأنه بشر يصدق ما يتم تكراره، إلا أن أكثر لعبة يمررها اليهود في وسائل الإعلام ليس هي تزوير الاخبار، بقدر ما هو تضخيم لبعض الأخبار الصغيرة بكثرة ذكرها وتكرارها وإماتة الأخبار الحقيقية الكبيرة بقلة ذكرها ونشرها في الصفحات الخلفية من الصحف، فالحقيقة ولله الحمد لا يمكن تزويرها بالكامل.

رابعا: من أهم الأسباب التي تؤدي لفهم الواقع هو الشك والتأكد، أولا الشك بكل ما نسمعه (وليس الرفض الساذج)، ثم التأكد والتحقق، وهذا لا يقدر عليه الكثيرون، رغم أننا جميعا نعرف ونعلم أنه يجب التأكد والتحقق والتثبت من كل شيء قبل اعتماده والأخذ به وهذا ما نطبقه فعليا في كثير من أمور حياتنا خاصة في أمور البيع والشراء والأمور المادية، فلماذا نتأكد ونتحقق من كل صغيرة وكبيرة في السوق قبل أن نشتري أو نبيع بينما لا نفعل ذلك في أمور ديننا والفتاوى التي نعتمدها ولما نسمعه ونأخذ به من أخبار وتحليلات سياسية في الشاشات والصحف؟ ولهذا فإن الكثير من الدجالين والأفاكين من الذين يظهرون في الإعلام يكذبون أكبر الأكاذيب التي تُصدق، لأنهم على يقين من انه لا أحد يتأكد، وللأسف الشديد فقد أصابت هذه الآفة بعضا من المفكرين والعلماء والأساتذة أيضا، فلو افترضنا أن المواطن العادي معذور فكيف له أن يعرف الحق إذا كان قادة الفكر فيه أيضا لا يتأكدون أحيانا.

خامسا: الحكم على الهيئات والدول والاتجات والأحزاب والأشخاص يجب أن يتم أولا وبشكل رئيس من خلال العقيدة الدينية والأيديولوجية السياسية بتفاصيلها التي يحملونها، ثم يتم الأخذ بباقي المعطيات والظروف، والدليل هو أن الله تعالى في كتابه العزيز قد جعل منزلة بني آدم بما يعتقدنوه  وما يدينون به، وجعل كل شيء آخر مبني عليها وتابعا لها، أما المصالح والعادات والتقاليد وغيرها فيه كلها عوامل متداخلة ومؤثرة ولكنها تابعة للأصل، فلا نقول إن المصلحة عند أي جهة أهم من العقيدة، وإذا ظهر لنا كأنه كذلك فلأن هذه الجهة لديها عقيدة أن الغاية تبرر الوسيلة، لكن الجميع حتى من نظن أنه بلا عقيدة أو مبدأ هو له عقيدة ومبادئ، والإنسان النفعي أو (المصلحجي) لديه مبدأ وعقيدة بأن مصلحته أهم من أي شيء آخر،أي أن الأمور في النهاية كلها تابعة للعقيدة.

موقع العمق

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: